بايدن وعباس
شهران على نهاية مهلة عباس للأمم المتحدة من أجل إنهاء الاحتلال

أسبوعان مرّا على زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لبيت لحم، ترك خلالها قيادة السلطة الفلسطينية نهباً للقلق والخيبة والإحباط، بعد أن أبلغ رئيسها محمود عباس، بأن "لائحة مطالبه" بحاجة لمعجزة من النوع الذي اشتهر به السيد المسيح عليه السلام، في زمن انقطعت فيه معجزات السماء، ولم تعد تنهمر على البشر كما كان عليه حالهم قبل أزيد من 14 قرناً من الزمان، وبعد أن أفشى للملأ، بأن حل الدولتين بات "بعيد المنال". 

شهران بقيا على نهاية المهلة التي منحها الرئيس عباس لإسرائيل والمجتمع الدولي، في آخر خطاب له في سبتمبر الفائت أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من دولته المستقلة على حدود حزيران 1967، تحت طائلة انتهاج استراتيجية جديدة، وولوج عتبات مرحلة غير مسبوقة، تبدأ بتعليق الاعتراف بإسرائيل، ولا تنتهي بوقف التنسيق الأمني والانسحاب من مسار أوسلو، مروراً باعتماد بدائل من نوع المقاومة الشعبية ومطاردة إسرائيل في المحافل الدولية. 

الساحة الفلسطينية تبدو كمرجل يغلي على نار صاخبة ... نقاشات صاخبة داخل فتح حول واقع الحركة ومآلاتها وفرص استعادة دورها كحركة تحرر الوطني، وغضب من الترتيبات القيادية الأخيرة، وما صاحبها من تهميش للأطر والمؤسسات القيادية وإلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وهو القرار الذي كان يُظَن بأنه سينتهي بانتهاء مرحلة عباس، لكن التسريبات الأخيرة، تشي بأن خلفاء الرئيس، ليس لديهم الحاجة للمجازفة بخوض غمار الامتحان الانتخابي الصعب، طالما أنهم يتوفرون على "خاتم الممثل الشرعي الوحيد"، وسط تواطؤ عربي وغربي وإسرائيلي، غير مسبوق ويكاد يشبه الإجماع. 

لا أحد لديه يقين بأن الفلسطينيين سينتقلون إلى مرحلة ما بعد عباس، بيسر وسلاسة، فثمة وراء الأكمة، سيناريوهات أكثر جدية وصعوبة، بعضها يتصل بحركة فتح وصراعات رموزها وأجنحتها وقادتها "الطامحين"، وبعضها الآخر يتصل بعلاقات فتح مع حماس وبقية الفصائل، داخل المنظمة وخارجها، وما إذا كانت هذه القوى سترتضي بترتيبات عباس الأخيرة لخلافته ووراثته، أم أنه سيكون لديها "رأي آخر" في مجمل المسألة، سيما وأن ثمة ما يشبه القناعة، بأن الفريق القيادي الذي يحضّره عباس لخلافته، هو الأكثر اتساقاً مع تحالف صفقة القرن، والأكثر تساوقاً مع مقتضيات "الحل الإسرائيلي" للقضية الفلسطينية، والأكثر استعداداً للعمل على تأبيد اللحظة الفلسطينية، بكل ما تنطوي عليه، من تعدٍ إسرائيلي فاضح، على الأرض والحقوق والمقدسات الفلسطينية. 

والحقيقة أن هذه ليست مشكلة السلطة الفلسطينية الوحيدة، بل وقد لا تكون أكثرها أهمية وخطورة، فنفوذ هذه السلطة في مناطق سيطرتها الافتراضية، ينحسر يوماً إثر آخر، والمناطق الفلسطينية تخرج من قبضتها تباعاً، والفجوة بين قواعد حركة فتح، حزب السلطة، وقيادتها، تأخذ في الاتساع، مُذكّرةً بنظرية "المقص" الذي كلما اتسعت الفجوة بين شفرتيه، ازداد خطورة، فيما الاقتحامات الإسرائيلية لقلب المدن الفلسطينية، المفترض خضوعها للسلطة إدارياً وأمنياً، تجهز على ما تبقى من هيبة السلطة واحترامها في أوساط شعبها، الذي باتت غالبيته العظمى ترى فيها عبئاً عليه، وليس ذخراً له، بل ويطالب قسم كبير من الفلسطينيين بحلها والخلاص منها. 

ينضاف إلى ذلك، تفاقم الأزمة المالية للسلطة، في ظل شح المساعدات، وتزايد "الشروط" الغربية – الإسرائيلية المفروضة لاستمرار تدفقها، وهنا يبرز ملف الفساد، بوصفه واحدة من نقاط الضعف الكبرى، التي تواجهها الطبقة السياسية المتحكمة بالمشهد الفلسطيني، فضلاً عن تآكل دور المؤسسات وضعف "المؤسسية"... ولقد كان لافتاً لكل المراقبين، أن الرئيس جو بايدن الذي حث السلطة على تعزيز المؤسسية وتمكين منظومة محاربة الفساد، امتنع عن مطالبتها بإجراء انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، انسجاماً مع "تقدير موقف" بأن أية انتخابات قادمة، ستعصف بمن تبقى من رموز السلطة، وأن من سيلي هؤلاء في سلسلة القيادة، قد لا يكونون من فئة "المرغوب بهم". 

ذاكرة الفلسطينيين ليست قصيرة، وقد شرع بعضهم من الآن، في تذكير القيادة الفلسطينية بقرب نفاذ "مهلة السنة" التي منحها عباس لإسرائيل والمجتمع الدولي، و"ساعة الرمل" تكاد تُفرغ ما في جوفها من حبيبات صغيرة، والمؤكد أن الرئيس عباس شخصياً يعلم ذلك علم اليقين، وهو يدرك أن "رصيده" الشعبي يكاد ينفذ تماماً، وإن إقدامه على نكث تعهداته المعلنة، للمرة المئة، لن يُبقي منه شيئاً على الإطلاق، الأمر الذي يثير عدة أسئلة وتساؤلات حول الخيارات المتاحة أمام السلطة في المرحلة المقبلة. 

اللحظة الفلسطينية الراهنة تتميز بجملة من السمات، منها: (1) انسداد الأفق السياسي حتى إشعار آخر، إن لغياب الشريك الإسرائيلي، أو لتبدل أولويات واشنطن، أو لإدارة العرب ظهورهم للقضية الفلسطينية... (2) نهم الوحش الاستيطاني لابتلاع المزيد من الأرض والحقوق وانتهاك المقدسات، وارتفاع وتيرة العدوانية الإسرائيلية وتفاقم ظاهرة إعدام النشطاء الفلسطينيين في الشوارع ... (3) أزمة اقتصادية تعتصر أهل الضفة الغربية، وبالذات أهل قطاع غزة، تفاقمت على وقع الجائحة والاجتياح (كورونا وأوكرانيا)، في غياب الأمل بقرب حدوث فرج قريب...(4) حالة تفلت وغليان في الضفة الغربية، مع تراخي قبضة السلطة، وتآكل صورتها، بما ينذر بولوج عتبات مرحلة جديدة، قد تأخذ شكل "انتفاضة ثالثة"، ومن غير المستبعد أن تفضي إلى سيناريو "الفوضى" وتفجر النزاعات الفصائلية وداخل الفصيل الواحد (فتح بخاصة)، أو بين العائلات والحمائل والمناطق، في ظل انتشار السلام، وتفشي الهويات الفرعية، وغياب المشروع الوطني الجامع. 

تُبقي هذه المشهدية الفلسطينيين أمام ثلاثة سيناريوهات: 

أولها؛ مستبعد، كأن تشرع قيادة فتح والسلطة والمنظمة، في شق طريق استراتيجي جديد، فهي من جهة غير مؤهلة لهذه المهمة، بعد ثلاثة عقود من التجويف والتجريف، وهي من جهة ثانية، مسكونة بمخاوف الطريق البديل، وما قد ينجم عنه من مسٍ أو تهديد لمنظومة المصالح المتراكمة لقادة السلطة و"قططها السمان"، بل وقد يعصف بوجودها...والأهم من ذلك كله، أن ثمة جهداً تحضيرياً، تبذله عواصم عربية ودولية عدة، من أجل تأمين هبوط آمن لهذه القيادة من على قمة شجرة تهديداتها المتكررة، التي لم تعد تسيل "الأدرينالين" في عروق أحد على أية حال. 

ثانيها؛ انزلاق الوضع الفلسطيني إلى هبة شعبية مصحوبة بارتفاع منسوب العمليات العسكرية، تفضي إلى اندلاع انتفاضة جديدة، سيما مع تنامي حضور فصائل أخرى (حماس والجهاد) في الضفة الغربية وازدياد نفوذها، وما يمكن أن تفضي إليه التطورات داخل "فتح"، خصوصاً إن  استمرت حالة التشظي، وتفاقمت ظاهرة انسلاخ قطاعات متزايدة من فتح عن قيادتها، وسلوكها طريقاً مغايراً لنهجها، بما فيه عودة "شهداء الأقصى" وتنامي ثقل القيادات المحلية للحركة، على حساب قيادتها المركزية...سيناريو كهذا، قد يدفع بأجزاء من قيادة السلطة والحركة والمنظمة، للعودة إلى خيار المواجهة والصدام مع الاحتلال، وقد يحدث انقلاباً في موازين القوى وتوازناتها، وقد يمكّن من دفع طاقة الغضب الشعبي إلى فعل مقاوم، وتفادي سيناريو الفوضى. 

ثالثها؛ سيناريو الفوضى المُفضي إلى اندلاع حروب صغيرة ومواجهات متنقلة، داخل المجتمع الفلسطيني، ونشوء "إمارات فلسطينية غير متحدة"، ترجح كفة مشروع "روابط المدن" الفلسطينية، والذي يشكل استعادة قبيحة لمشروع "روابط القرى" في سبعينات القرن الفائت، وثمة في "المؤسسة الإسرائيلية" من يفضل هذا الخيار، على وجود سلطة واحدة للفلسطينيين، لا تكف عن التذكير بـ"حل الدولتين"، حتى وإن من باب "رفع العتب". 

في مواجهة هذه الحالة، وما تستبطن من احتمالات وسيناريوهات، أكثرها مقلق لإسرائيل والغرب والسلطة وحلفائها العرب، ثمة جهود مكثفة تبذل بهدوء، وخلف أبواب مغلقة، لتغليب سيناريو رابع، يقوم عل إبقاء القديم على قدمه، مع استدخال تحسينات جديد إلى شروط عيش الفلسطينيين، وإطفاء بؤر توترهم، وتعطيل سيناريوهي "الانتفاضة" و"الفوضى". 

هنا لا نستبعد إقدام إدارة بايدن وحكومتي إسرائيل الحالية والقادمة، على تكبير "المعلقة" التي يغرفون بها من سلة "السلام الاقتصادي"، ووضعها في أفواه الفلسطينيين وعلى موائدهم، ودائماً في إطار "إجراءات بناء الثقة" وتثبيت "التهدئة" في غزة. 

هنا أيضاً، تأتي جهود الرئيس بايدن وضغوطه، الهادفة إدماج السلطة في "المسار الإبراهيمي" باعتبارها الطريق الأقصر لتمكين الفلسطينيين اقتصادياً في البدء، على أمل أن تتاح الفرصة من بعد، لتمكينهم سياسياً ... هنا أيضاً، تندرج جهود وسطاء عرب ودوليين، لإنجاح جهود بايدن لإدماج الفلسطينيين في مشاريع إقليمية حول الطاقة والمياه والغذاء والبيئة والبنى التحتية، بذريعة عدم ترك الفلسطينيين للنسيان والتهميش، وضمان إشراكهم في "قطف ثمار" مشاريع "أقلمة" الأمن والتعاون في المنطقة، التي تشمل إسرائيل وعدد من دول المنطقة. 

السلطة الفلسطينية، لا تبدي ارتياحاً لخيار "الأقلمة" و"التطبيع" قبل إتمام الجلاء الإسرائيلي عن الأرض المحتلة، وهذا ما دفعها لـ"التمنّع" عن الاستجابة لعرض بايدن، بيد أنها وهي ترقب التحديات التي تُلقى في وجهها صباح كل نهار، ومن موقع العجز البالغ ضفاف الإفلاس، قد تجد نفسها "متساوقة" مع مقتضيات مسار الأقلمة الإبراهيمي ومندرجاته، سيما حين تصل إلى الاستنتاج بأن البديل عن سلوك هذا الطريق، قد يكون "انتفاضة" تجرفها في سياقاتها، أو "فوضى" تأتي على الأخضر واليابس. 

وربما يكون شعار "تدعيم صمود الفلسطينيين في وطنهم وعلى أرضهم"، هو المدخل الأنسب، وقنبلة الدخان الأفعل، التي يمكن اللجوء إليها، لتبرير التساوق مع هذا المسار، بل وتسريعه إن تفاقمت الحاجة إليه وتوفرت الإمكانية لإنجازه. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.