Syria singer Assala waves during a photocall at the 14th edition of the music festival Mawazine in Rabat on May 30, 2015. AFP…
لفنانة السورية أصالة نصري

من بين دلالات كثيرة أخرى، فإن حادثة إعادة غناء الفنانة السورية أصالة نصري لواحدة من أشهر أغاني التراث الموسيقي الكردي، مع تغافل تام لاسم مؤديها ومُلحنها الأساسي (حسن آغي جزيري)، إنما تدل على كمية "الجهل" بثقافة ومعارف وفنون وأدب مجتمع وجماعة أهلية كبيرة، كانت تاريخياً جزء من البلد/الدولة التي تنحدر منها الفنانة، سوريا، وبالرغم من كون أن هذه الفنانة تعتبر نفسها، وتُعتبر، من أرفع المُثل والرموز والتجارب المُعبرة عن هوية وروح هذه البلاد. 

في العمق، لا يبدو أن ذلك "الجهل" متأتٍ من "سوء المعرفة والدراية"، بقدر ما يظهر كنتيجة حتمية للـ"التجاهل"، الذي مارسته الثقافة التأسيسية الأولية للفنانة -الثقافة العربية- في سوريا تجاه نظريتها الكردية، وطوال قرن كامل مضى، هو عمر الكيان السوري.

هذه الثقافة العربية التي كانت ترى نفسها في هذا البلد، وما تزال، محملة بخصائص القوة والسلطة، من حيث الكبر والمركزية والقدرة على الهيمنة، إلى جانب ديناميكيات الاستناد إلى قوة الدولة وجبروتها في فرض إرادة ثقافة واحدة فحسب، وتجاهل ومحق ثقافات أخرى، ضمن البلد نفسه. 

حصل ذلك، بالرغم من أن الأغنية التي غنتها الفنانة أصالة نصري، هي من الشُهرة بمكان، بحيث ليس من كُردي سوري واحد إلا ويحفظها عن ظهر قلب. أكراد سوريا الذين يشكلون عُشر سكان سوريا، ويُعدون مكوناً أساسياً وتاريخياً من المدينة التي تنحدر منها الفنانة أصالة نصري، دمشق. وحيث أن هذه الأغنية بشكل حتمي في كل احتفالاتهم وأعراسهم وأفراحهم، يُطربون لها ويدندنونها كل حين، وكأنها تعويذة شافية. 

لكن، ومع كل ذلك، لم تعرفها أو تسمع بها فنانة بحجم أصالة نصري، النجمة الأبرز في عالم الموسيقا السورية الحديثة، وأبنة مصطفى نصري، أحد مؤسسي الحياة الفنية/الموسيقية في سوريا، وصاحب الفضل في تحويل نمطها التقليدي إلى ما هي عليه. 

لا يبدو الأمر مُختصراً على الفنانة أصالة نصرية وحدث غنائها لهذه الأغنية الكردية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليكون ظاهرة تأسيسية في شكل وآلية تلقف مختلف الجماعات الأهلية لأبناء منطقتنا لثقافات الجماعات الأخرى، بمختلف استطالاتها، الموسيقية والأدبية والفنية والاجتماعية، وحتى الغذائية والرياضية والعمرانية، حيث القطيعة جذر كل ذلك، إلا فيما ندر. 

قبل سنوات كثيرة، كان كاتب هذه السطور قد تناول في مقالة بعنوان "الأغاني الفارسية" علاقة السوريين بالتراث الغنائي الإيراني/الفارسي. فالسوريون الذين بقي النظام السياسي الحاكم لبلادهم حليفاً لصيقاً للنظام الإيراني النظير، يكادون لا يعرفون أي شيء عن الموسيقا الإيرانية، قط، بما في ذلك فنانو إيران ذو الشهرة العالمية. الأمر نفسه ينطبق على السينما والمسرح والدراما والأدب والفن التشكيلي. والعكس صحيح تماماً. 

إذ لم يشهد أن عرضت أي من قنوات الإعلام والداعية المرتبطة بالنظام السوري أي شيء من كل ذلك المنتج الإيراني/الفارسي، قط، والعكس صحيح. بالرغم من التداخل السياسي والتحالف الأمني الهائل بين نظامي الدولتين طوال عقود. 
الأمر نفسه ينسحب على باقي الثقافات والفنون والمعارف والآداب، وعلاقة أبناء أي من الجماعات الأهلية في منطقتنا بتلك المنتجات الروحية التي للجماعة الأخرى، وبمستويات مختلفة.

حيث أن الهيكل البنيوي لعلاقة هؤلاء بتلك الثقافات الأخرى قائم على مزيج من المتاركة والتجاهل والاستعلاء والنكران والنبذ والشعور بعدم الأهمية، لتصل في مرات غير قليلة لمحاولة المحق والكراهية والعدوانية. 

صحيح، تتحمل الأنظمة السياسية الحاكمة جزء كبيراً من وزر ذلك، على الأقل طوال قرنٍ كامل مضى. لأنها كانت أنظمة قد شيدت ذواتها ومؤسساتها ومنطقها وروحها وعقائد الطبقات الخاضعة لها على مختلف أركان النزعة القومية/العرقية. تلك التي تتبنى في باطن وعيها نوعاً من الشقاق والقطيعة والاستعلاء على الثقافات الأخرى، التي تعتبرها بمثابة تعكير لصفاء وقداسة عِرقها وروحها الأصلية. 

لكن، لا يمكن لفهم هذه الظاهرة أن يكون شاملاً ووافياً لمجرد التعليل بدور الأنظمة السلطوية الحاكمة.

فهذه الأنظمة بذاتها، إنما انبعثت من تيارات سياسية واجتماعية شديدة المحافظة والمحلية والتمركز حول الذات، تلك التي نبتت وانفجرت في مختلف مدن وأصقاع منطقتنا منذ تأسيس دولنا الحديثة. 

فأي جردة لتلك التنظيمات السياسية، بمختلف تنويعاتها وخطاباتها ونزعاتها الإيديولوجية، ستكشف ثنائيتين بسيطتين: تذهب الأولى للقول إنها جميعاً تحمل بذوراً عرقية "فاشية"، متأتية من المنابت التأسيسية التي انبثقت منها، كتيارات حربية/تحررية، تنبذ الآخر وتسعى لمقاطعته، عزل الذات عن العالم والآخرين، ولا تجهد في أية محاولة للتشييد والوصال مع الآخرين. 

كذلك فإنها كانت، وما تزال، تيارات وعقائد ونزعات اجتماعية شديدة المحلية، لا تملك منافذ واستطالات وأشكالاً من التداخل مع الكل العالمي، ولا حتى مع الإقليمي الأقرب. فخلا الأحزاب الشيوعية/اليسارية، ليس لدى مختلف الأحزاب السياسية والعقائد الاجتماعية لأبناء منطقتنا أية قراءات أو تفاعل أو شراكة أو تبني للثقافات والمنتجات والأفكار العالمية النظيرة، وفي كل المستويات. 

البنية الاجتماعية كانت عاملاً حاسماً في ذلك الإطار. فجميع خطابات الأخوة ووحدة الحال والمصير المشترك التي تُغرق الحياة العامة والحيز الاجتماعي لأبناء منطقتنا، أنما هي حقيقة لهاث بائس للتغطية على حقيقة العلاقات التاريخية والراهنة بين جماعاتنا الأهلية، التي ما عاشت إلا حروباً أهلية، تبدلت بين باردة وساخنة، لكنها ما تجاوزت يومياً شرط وحقيقة أنها كانت حرباً على الدوام. 
حروب لم تنتهي أي منها بتوافقات ومصالحات ذات مضمون وقطيعة مع الماضي الحربي، ربما منذ "صُلح الحُديبية". حروب دائمة ما فتحت المجال لأن تمر نسائم الوصال بين ثقافات هذه المجموعات.

أخيراً، حدث ذلك لأن منطقتنا ما عرفت أحوالاً عمومية هادئة ورتيبة لأي وقت معقول قط، وأيضاً طوال قرن الحداثة وثورة الاتصالات. فعلى الدوام كان ثمة فيض من الحروب وصراعات الحدود والتدخلات الدولية وصراعات الطوائف والقوميات، اشكال الاستبداد القروسطية وأزمات الاقتصاد والعسكرة والإسلام السياسي العنيف، ومثلها أشكال أخرى من القسوة والعنف والخشونة، ما سمحت بتكون الطبقات والتجارب والأناس القادرين على السباحة في عديد الثقافات المتجاورة، نقلها ومزجها واجتراح تجارب مع ذلك المزج، كما فعلت الثقافة الغربية في عصور نهضتها. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!