منبر مسجد - أرشيف
منبر مسجد - أرشيف

يَتكوّن الكادرُ الوعظي (= مجموعة مشاهير الوعظ الديني) في الخطاب الإسلامي الراهن، من عناصر دعوية/ دعائية؛ ذات رؤية انغلاقية، لا حظ لها من المعرفة إلا كونها غارقة في "حكايا التراث"، وربما في أساطيره؛ بينما هي معزولة تماما عن السياق العلمي/المعرفي المعاصر، وعن كل ما ارتبط به -في تاريخه القريب- من مناهج تُحِيلُ إلى مبادئ العقل الأولى وما تطوّر عنها، أو تُحِيلُ إلى قوانين التجربة العملية ومصاديقها في الواقع.

ماذا يعني هذا؟ يعني أن مشاهير الوعظ الديني الإسلامي الذين يحظون اليوم بأكبر قدر من الأتباع، لا يختلفون -لا في كثير ولا في قليل- عن مجموعة "الحكواتية" القدامى، أولئك الذين كانوا يقفون في المساجد، وفي الأسواق، وعلى قارعة الطريق، ينسجون غرائب الحكايات، ويستشهدون بالمدهش من العبارات، و-أحيانا- يتنبؤون بزوال العالم أو معالم اقتراب زواله؛ لاستثمار مُتخيّل الرّعب في تحقيق مزيد من التأثير على المستمعين من العوام وأشباه العوام.   

بماذا يختلف وعاظ عصور الانحطاط (= العصر الوسيط الإسلامي) عن وُعّاظ عصرنا هذا؟ الجواب: لا شيء؛ إلا انخراط وُعّاظ عصرنا في مؤسسات تعليمية تقوم بتنظيم عملية ازْدِراد الركام التراثي، ثم منحهم شهادة جدارة بكونهم أوفياء لهذا التراث؛ دون أن يعني ذلك أنهم استوعبوا هذا التراث حقا؛ فشهادة هذه المؤسسات لهؤلاء الوعاظ هي شهادات وَلائِية (اختبار مستوى الولاء لهذا التيار التراثي أو ذاك)، تُمْنَح على أساس مستوى الثقة، وليس على أساس مستوى الاطلاع على التراث، إذ الأغلبية الساحقة من مشاهير وعاظنا اليوم لا يعرفون إلا عناصر محدودة جدا من تراثهم الذي يتشدّقون به فخرا، بينما هم يجهلون تنوّعه، كما يجهلون أنظمته ومصادره الأولى...إلخ أي يجهلون كل ما يمكن أن يُوَفِّر لهم معرفة حقيقية بالتراث.

إذا كان الأمر كذلك؛ فعلى ماذا يُرَاهن الواعظ الديني اليوم في محاولته حشد أكبر قدر من الجماهيرية؟ في الحقيقة هو يُرَاهن بالدرجة الأولى على جهل الجماهير، جهلها الكبير حتى بأشد مُكَوِّنات تراثها تردّدا ووضوحا. ولهذا تتكون جماهيرية الواعظ من هذه الملايين التي لا تقرأ، ولا تَطلّع على شيء من تراثها، بل مجمل قراءاتها -هذا إن قرأت!- محدودة في مجالها المهني/الوظيفي الخاص. 

إن هذه الجماهير التي تتلقى الخطاب الوعظي مباشرة، ومن ورائها بقية المجتمع، تبدو مصدومة عندما يُصَرِّح هذا الواعظُ أو ذاك الواعظ بحكم تكفيري، أو عندما يدعو صراحة لعنف تجاه الآخر؛ أيا كان هذا الآخر، أو عندما يَنصّ على ضرورة امتهان المرأة واحتقارها، أو عندما يَصدحُ بهذا الخبر الخرافي أو ذاك، أو عندما يروي مُنْتَشِياً هذه القصة المكذوبة أو تلك، أو عندما "يُقِيم من الحَبَّة قبة"، بأن يُضَخِّمَ مسألةً هامشية فرعية؛ فيجعلها بداية والأمر ونهايته في الشأن الديني، بل والمدني أيضا.

قبل بضع سنوات، خرج وَاعظ ديني بِدائي، في قناة فضائية بدائية، ولكنها -مع بدائيتها- تحظى بجماهيرية واسعة من طبقة الأميّين وشبه الأميين. قال هذا الواعظ صراحة -في مَعْرض تأكيده على وُجُوبِ المحافظة على الصلاة-: إن تَرْك صلاة واحدة أعظم من زنا المحارم، وإن ترك صلاة واحدة أو تأخيرها عن وقتها الشرعي أعظم ذَنْبا من قتل خمسة أشخاص مثلا.

طبعا، أثار هذا القول، الذي صدر من الواعظ كحكم ديني مؤصل على مقولات علماء الإسلام، كثيرا من الاستغراب والاستنكار، ولا زال قوله هذا إلى اليوم يُعَاد ويُكَرّر من قِبَلِ كثيرٍ من الناس على سبيل الاستغراب والاستنكار الشديدين. بل ويُشَارك بعض الكُتّاب والمثقفين في إبداء مظاهر الاستغراب والاستنكار، فضلا عن التشنيع والتقريع. ويلاحظ أن الاستنكار والتشنيع من قِبل هؤلاء الناس -بل وحتى من قِبَل المثقفين-، يتوجّه إلى شخص الواعظ، بوصفه واعظا متطرفا أصدر حُكْما شنيعا على درجة عالية من البشاعة والخطورة. وبالتالي، يستحق التشنيع عليه، ووصمه بالجهل والتطرف والإرهاب.

لكن، ما أريد تأكيده هنا، أن الذين أنكروا على هذا الواعظ حكمه (الحكم الذي يقضي بأن ترك صلاة واحدة أو تأخيرها عن وقتها أعظم جرما -في الدين- من زنا المحارم ومن قتل عدد من الأشخاص الأبرياء)، إما جاهلون جهلا كاملا بالتراث السلفي الذي يمتاح هذا الواعظ منه أحكامه، أو هم مُتَجاهِلون مُخَادِعون، يَحمون تراثهم السلفي بالهجوم على الواعظ الذي تحدّث بلسانه، أي يحاولون تبرئة التراث من جهة، وتجريم الواعظ التراثي من جهة أخرى، وكأن المشكلة في الواعظ الناقل عن التراث، لا في التراث.

لم يكن هذا الواعظ يتحدث إلا بمنطق التراث. لا يستطيع أي واعظ/شيخ تقليدي أن يقول: إن كلام هذا الواعظ خطأ، لا يستطيع أن يقول مثلا: إن زنا المحارم أو قتل عدد من الأشخاص (ولا حَدّ للعدد هنا) أعظم ذنبا من ترك الصلاة. وهذا سبب صمت جميع الوعاظ (= المُسَمّون بـ"علماء الدين")، وعدم مبادرتهم لتصحيح ما بَدر من الواعظ الساذج؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقولوا له: قولك هذا خطأ. هم فقط يستطيعون أن يقولوا له: ليست من المناسب أن تُصَرّح بهذا في الإعلام. ولكن، لو أنهم قالوا له الجملة الأخيرة، فهنا سينكشف أمرهم، ويتضح أنهم مُؤيِّدون له في أصل الحكم المُسْتَبْشَع جماهيريا. ولهذا اختاروا الصمت، إذ لا خيار أمامهم في مثل هذه الحال إلا الصمت أو الافتضاح.

إن كل شيوخ التراث على قناعة تامة راسخة بما صرّح به الواعظ، ولكنهم يختلفون فقط في المستوى التكتيكي في "مسألة التبليغ"، أي: هل من المفيد لمسار التّديين  الجماهيري أن يُصرّح الواعظ بمثل هذا الحكم ويُؤكِّد عليه في مسار تَبليغ واسع النطاق كالإعلام الفضائي ؟

لا ريب أن "الأذكياء" من شيوخ الوعظ التراثي، يعتقدون أن التصريح بهذا الحكم على المستوى الجماهيري لا فائدة منه؛ لأن مثل هذا التصريح لن يجعل الجماهيرَ تعرف حجمَ الذنب الذي يرتكبه تارك الصلاة بتركه للصلاة؛ فيبادر إلى المحافظة عليها، بل العكس هو ما سيحدث، أي ستكون ثمة استهانة بجريمتي القتل وزنا المحارم. يعني أن الشاب غير المتدين الذي يسمع هذا الحكم، وقد تعوّد على ترك الصلاة كثيرا، سيعرف أنه لو قتل عددا من الأشخاص أو ارتكب زنا المحارم، فلن يكون عند نفسه -وفق هذا الحكم التراثي- قد جاء بجريمة أكبر من جريمة تركه للصلاة، وهي الجريمة التي يُمارسها باستمرار، أي ما دام يفعل ما هو أعظم من القتل وزنا المحارم، فما الذي يمنعه من القتل ومن زنا المحارم!

تصريح آخر. عندما خرج أكبر شيخ سلفي في هذا العصر/ أبو إسحاق الحويني، وقال: إن الفقر الذي نحن/ المسلمين فيه ليس إلا بسبب ترك الجهاد، وإن أفضل طريق لِحَلّ مشكلة الفقر هو قيام المسلمين بغزو غير المسلمين، وسلب أموالهم، وأسر رجالهم ونسائهم وأطفالهم، ثم بيعهم في سوق النخاسة كعبيد أرقاء، ومن أثمانهم سيغتني المسلمون.. إلخ تصريحه الشهير، عندما قال هذا، وشَنّت عليه الصحافة هجوما استنكاريا عنيفا، كان رده بكل بساطة و وضوح: أنا لا أقول شيئا من عندي، هذا ليس رأيا خاصا، أنا فقط أقرّر حكما شرعيا وفق مدونة الأحكام الفقهية الأكثر رواجا في الإسلام.

لقد كان الحويني صادقا في تقريره أصل الحكم، بينما كان بقية الوعاظ يرون أنه ليس من المناسب التأكيد على هذا الحكم الآن، ولا أنه الحل الظرفي المناسب لمشكلة الفقر. ولكن، لا بقية الوُعّاظ الأذكى -تكتيكيا- من الحويني، ولا حتى سائر المُشَنِّعِين عليه، التفتوا إلى أن المشكلة ليست في الحويني الذي كان ينطق بما في كتب التراث، بل في كتب التراث ذاتها، في مصادرها وأصولها ومناهجها التي أوصلت مُدوّنة الأحكام فيها إلى هذه الدرجة من الجمود، وتركتها في حالة بائسة من العجز عن ممارسة خطوات جريئة في مضمار المراجعة الجذرية والتصحيح المستنير.

ويتكرر المشهد العبثي عند أولئك الذين يُشَنِّعون على الوعاظ ترديدهم لأحكام التراث، بينما هم يجهلون التراث أو يسكتون عن التراث. فمؤخرا خرج واعظ سلفي يُصَرّح بـ"تكفير القرآنيين"، بينما كان يرفض "تكفير داعش". ومع أنه واعظ ذو قيمة اعتبارية مُتَدنّية؛ قياسا بكبار الوعاظ أو مشاهيرهم، إلا أن القضية هنا تتعلق بردة الفعل على تصريحه من قبل كثير من الكتاب والمثقفين، فضلا عن عموم الجماهير الذين أصبحوا لا يستسيغون خطاب التكفير أصلا.  

لقد كانت ردة الفعل ساذجة؛ كالمعتاد، مجرد تشنيع على الواعظ الساذج الذي كَفَّر القرآنيين ورفض تكفير داعش، وفي الوقت نفسه، سكوت عن التراث الذي يؤكد تماما صوابَ ما صَرَّح به الواعظ. القرآني الذي يُنْكر كلَّ السنة كمصدر ثانٍ للتشريع، حُكْمه في التراث السلفي التقليدي أنه كافر. وفي الوقت نفسه، لا يوجد في هذا التراث السلفي كله ما يُمْكن أن يُكَفَّر به الدواعش إجماعا؛ لأن كل ما فعلته داعش، كل أقوالها وكل أفعالها، لا تصل بها ـ عند التراثيين؛ حتى أولئك الذين يعتقدون أنها أخطأت في أمر ما ـ إلى الكفر الصريح  الذي يخرج بها من دائرة الإسلام.

لهذا، عندما أسمع أو أقرأ أحدهم يقول: "انظروا إلى هذا الواعظ، لقد كَفَّر القرآنيين؛ مع أنه يرفض تكفير داعش"، أعرف أن هذا القائلَ جاهلٌ جهلا مُطْبقا بالتراث الذي تقوم عليه أهم مؤسسات التشريع الإسلامي اليوم، أو هو متجاهل مخادع مراوغ؛ لأن كل مقولات التأصيل التراثية (وعليها تدور المذاهب الفقهية الأربعة التي يَتَديّن بها عموم المسلمين السنة) تَنُصّ صراحة على أن من يكتفي بالقرآن ويردّ كلَّ السنة بالمجمل، فهو كافر خارج من الإسلام، بل وحتى في التراث السلفي الشيعي، فإن من يكتفي بالقرآن، ويرد كلَّ أحكام النبي وأحكام الأئمة بالمجمل، حكمه أنه كافر خارج من الإسلام.

إذن، كل التراث الإسلامي التقليدي يقول بما يقول به هؤلاء الوُعّاظ الذين يَستفزوننا بتصريحهم الناطقة بما في دهاليزه من الأحكام الحادة. لكن، بينما نصرخ فيهم مُنْكِرين مُسْتَبشعين، نسكت عن مصادرهم الموثوقة التي يتحدثون بلسانها، بل هي مصادرهم التي ليس لهم من دور إلا التحدّث بلسانها. وعندما يبادر دعاة التنوير إلى التأكيد على ضرورة الإصلاح الديني الجذري (الذي يُراجع المصادر والأصول والمناهج المعتمدة للتأويل...إلخ)، نجد أنهم يُواجَهون بالتعنيف والإقصاء، حتى من قِبَل أولئك الذين يستبشعون ويستنكرون تصريحات الوُعّاظ المتطرفة، ذات المنحى العنفي الإقصائي الواضح، أو ذات المنحى الأسطوري الخرافي.

إذا فهمت كل ما سبق، تستطيع أن تفهم لماذا لم تُوَاجه المؤسسات الإفتائية والعلمائية والدعوية على امتداد العالم الإسلامي، تلك التصريحات الحادة لبعض الوعاظ، أي لماذا لم يُوَاجه كبار المسؤوليين الدينيين بالاستنكار والإدانة، ثم بالتفنيد العلمي الصريح، ما ظل يعتقده بُسطاءُ الناس مجرد "شطحات وعاظ" خارجة عن الطريق الديني القويم. 

أيضا، إذا فهمت كل هذا، تستطيع أن تدرك من أين يُمكن أن يبدأ الإصلاح الديني الحقيقي الذي يحتاجه العالم الإسلامي عموما، والعالم العربي خصوصا، وتُدرك أن المؤسسات التراثية تعجز ـ بطبيعتها ـ عن هذا الإصلاح، وأن الإصلاح لم ولن يكون مجرد رأي عابر هنا أو هناك، رأي يبدو نشازًا عن تُراثه الذي يتأسس عليه ويَتَشرعن به. ما يعني أن المقولات الإصلاحية الحقيقية لا بد وأن تكون مَعْضُودةً بمراجعة واسعة وعميقة وجذرية للتراث الذي يُؤسِّس للمقولات المضادة، وإلا فهي ـ في أحسن أحوالها ـ مجرد مقولات عابرة لا قيمة لها، ولا يُمكن أن تؤثر في واقع عموم المُتَديّنين.  

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!