آخر رحلة معروفة لبوتين إلى الولايات المتحدة كانت في عام 2015
ترامب مازال مؤثرا في فئة من الناخبين الأميركيين

يتوجه الناخبون الأميركيون في الثامن من نوفمبر المقبل لانتخاب جميع أعضاء مجلس النواب، وعددهم 435 عضوا، و34 عضوا في مجلس الشيوخ (من أصل مئة)، و36 حاكما من أصل 50 .

تقليديا يخسر الحزب الحاكم الانتخابات النصفية التي تلي الانتخابات الرئاسية والاستثناءات القليلة في العقود الماضية تؤكد صحة هذه القاعدة.  هناك أسباب عديدة لهذه الظاهرة من بينها ان مرشح الحزب الذي يفوز بالرئاسة يخلق موجة تحمل معها إلى الكونغرس أكثرية من مرشحي حزبه، كما أن نسبة الإقبال على التصويت في الانتخابات النصفية تكون عادة أقل من نسبة الإقبال في الانتخابات الرئاسية.

في الانتخابات النصفية يخوض كل مرشح معركته بنفسه. أيضا في الانتخابات النصفية يميل الكثير من الناخبين إلى محاسبة الحزب الحاكم وممثليه في الكونغرس بعد أول سنتين في السلطة إذا لم يكن ادائهم جيدا، او لأنهم يريدون السماح للحزب المعارض بالسيطرة على الكونغرس  لموازنة أو مراقبة الحزب الحاكم. وفي 21 انتخابات نصفية منذ 1934 فاز حزب الرئيس بأكثرية المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ مرتين فقط : خلال أول انتخابات نصفية جرت في الولاية الاولى للرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت والولاية الاولى للرئيس جورج بوش الابن.

 وانطلاقا من هذا السجل، كان الاعتقاد السائد في بداية السنة الحالية هو ان الجمهوريين سوف يستعيدون السيطرة على مجلسي الكونغرس وأكثرية السباقات لحاكمية الولايات في نوفمبر، وتركزت الاجتهادات حول حجم الانتصار الجمهوري المتوقع. هذا السيناريو التقليدي لم يعد سائدا لأكثر من سبب أبرزها ان السنة الحالية ليست سنة "عادية" على الرغم من وجود المعطيات التقليدية التي يجب أن توفر الانتصار للحزب الجمهوري ومرشحيه في الانتخابات النصفية ومن أهمها المعدلات التاريخية العالية للتضخم والشعبية المتدنية للرئيس جوزف بايدن والتي نادرا ما تصل أو تزيد عن 40 بالمئة وفقا لاستطلاعات الرأي.

الانتخابات النصفية القادمة ليست عادية لأكثر من سبب أهمها شبح الرئيس السابق دونالد ترامب الذي لا يزال يهيمن على القاعدة الضيقة نسبيا للحزب الجمهوري والتي تلعب دورا حاسما  في اختيار المرشحين   المتشددين في حماسهم للرئيس السابق بدلا من اختيار المرشح الذي يمكن أن يجذب اليه في الانتخابات العامة الناخبين المستقلين او حتى الناخبين الديمقراطيين غير الراضين عن أداء الحزب الديمقراطي في البيت الأبيض أو الكونغرس وخاصة في سنة وصلت فيها معدلات التضخم الى اعلى مستوياتها منذ اربعين سنة.

وإذا كان لحوالي 37 بالمئة من الأميركيين نظرة سلبية للغاية للرئيس بايدن وفقا لاستطلاع لمؤسسة بيو، فان الاستطلاع ذاته وجد ان 46 بالمئة من الاميركيين لهم رأي سلبي للغاية تجاه الرئيس السابق ترامب.

وحول القضايا التي تهم الناخب الاميركي أطهر الاستطلاع ان الناخبين يتعاطفون مع الديمقراطيين أكثر من الجمهوريين بنسبة 40 بالمئة حول كيفية معالجة تحدي التغير البيئي، وحقوق المثليين، وبنسبة تزيد عن 14 بالمئة حول حق المرأة بالإجهاض، وبنسبة 13 بالمئة أكثر من الجمهوريين بالنسبة لتوفير العناية الصحية وضبط اقتناء الاسلحة النارية. ويأمل الديمقراطيون بالاستفادة من الاستياء الشعبي وخاصة في أوساط النساء في اعقاب قرار المحكمة العليا الغاء حق المرأة بالإجهاض، والذي كانت المحكمة العليا قد اقرته قبل 49 سنة. الاستثناء الوحيد في هذا المشهد الانتخابي المتعاطف مع الديمقراطيين هو الاقتصاد، حيث توافق أكثرية من الناخبين تصل الى 40 بالمئة مع طروحات الجمهوريين، مقابل 33 بالمئة من الناخبين الذي يؤيدون طروحات الديمقراطيين. المفارقة ان معدلات التضخم العالية – اسعار الاغذية والمحروقات – لم  تجعل الفارق أكثر من 7 نقاط .

وفي الأسابيع الماضية نجحت اللجنة الخاصة في مجلس النواب المكلفة بالتحقيق في اجتياح مبنى الكابيتول واعمال العنف الذي رافقته في التركيز على ضلوع الرئيس السابق ترامب مباشرة في التحضير للاجتياح والتحريض عليه واعتمدت في ذلك على شهادات علنية من شخصيات عديدة خدمت في مناصب مختلفة في البيت الابيض ومجلس الامن القومي وغيرها من الاجهزة الحكومية خلال ولاية الرئيس ترامب. التحقيقات أظهرت ان ترامب كان يدرك ان بعض مؤيديه المتطرفين كانوا مسلحين عندما اقتحموا المبنى، وانه راقب الاجتياح بارتياح بالغ ولم يفعل أي شيء لوقفه خلال أكثر من ثلاثة ساعات.

وفي الأسابيع والأشهر الماضية نجح ترامب في تزكية وتأييد عدد من المرشحين المتطرفين من مؤيديه الذين يشاركونه في نظرية المؤامرة القائلة بانه هو الفائز الفعلي بالانتخابات وان الرئيس بايدن لم ينتخب شرعيا، من الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري في الانتخابات الحزبية اما لعضوية مجلس الشيوخ او لحاكمية بعض الولايات الهامة. وكل ما يحتاجه الجمهوريون للسيطرة على مجلس الشيوخ هو زيادة عددهم الحالي من 50 عضوا الى 51 عضوا.

المرشحون الجمهوريون لعضوية مجلس الشيوخ الذين أيدهم ترامب في ولايات مثل بنسلفانيا وأوهايو وجورجيا، هم مرشحين للمرة الاولى، وحتى الان فان التبرعات المالية التي جمعوها هي أقل بكثير من التبرعات المالية التي جمعها منافسوهم من الحزب الديمقراطي، كما أخفقوا حتى الان في جذب الناخبين اليهم من خارج القاعدة الضيقة التي تدين بالولاء للرئيس ترامب. بعضهم مثل المرشح الجمهوري هيرشل والكر زوّر سجله التعليمي، كما أخفى عن الناخبين  (وحتى عن المسؤولين في حملته الانتخابية) حقيقة انه والد لثلاثة اطفال.

وفي الأيام والاسابيع الماضية، بدأ بعض المحللين والاستراتيجيين الجمهوريين بقرع ناقوس الخطر والتحذير من ان فرص الحزب باستعادة السيطرة على مجلس الشيوخ تتضاءل مع فوز المرشحين الجمهوريين المتطرفين بترشيح حزبهم بما في ذلك في الولايات التي كانت تعتبر تقليديا في الصف الجمهوري مثل أوهايو وجورجيا وأريزونا وغيرها. ويرى بعض هؤلاء المحللين ان ترامب قد يتسبب في منع حزبه من السيطرة على مجلس الشيوخ في 2022، كما أخفق في 2020.  هذا الواقع هو الذي يفسر الاستراتيجية الانتخابية الغريبة التي يستخدمها الحزب الديمقراطي في بعض الولايات والتي تعمل على تشجيع بروز المرشحين الجمهوريين المتطرفين الذين يلوحون بأعلام واكاذيب الرئيس السابق ترامب والذين يفتقرون الى أي خبرة سياسية من الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لاعتقادهم بان هزيمتهم ستكون أسهل في الانتخابات العامة لانهم لن يحصلوا الا على تأييد قاعدتهم الضيقة.  وحده الزمن سيحسم ما اذا كان ترامب هذه المرة سيكون السلاح السري للحزب الديمقراطي للحفاظ على أكثريته البسيطة او ربما زيادتها في مجلس الشيوخ في نوفمبر المقبل.  

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!