Lebanese singer Assi al-Hallani performs at the Jerash Festival of Culture and Arts, on July 28, 2022 in the Jordanian ancient…
جانب من حفلات مهرحان جرش لعام 2022

في مقابلة صحفية قديمة، حاورت فيها الفنان والموسيقي الأردني الراحل توفيق النمري، حدثني عن قصة إحدى الأغنيات التي أعاد تلحينها وضبط إيقاعها وصارت من التراث الأردني الذي يحاول أن ينجو في زحمة لزوميات ما لا يلزم، ومنه أخذت الحكاية إلى المفكر والكاتب الأردني الراحل " جورج حداد" والذي كان أكرمني بصداقته وفيض ذاكرته، فأكد الحكاية التي تقول كما رويت لي، أن رئيس الوزراء الأردن وصفي التل وقد كان مسؤولا عن إدارة التوجيه الوطني في الأردن قد نادى النمري وحداد إلى لقاء يطلب فيه منهما إعادة إحياء "ترويدة" موسيقية تراثية كان التل نفسه يسمعها ويحفظها من الأعراس الحورانية في مطلع شبابه، وبصوته الجهوري الخشن دندن للكاتب وللموسيقي تلك الأغنية التراثية مجهولة الهوية لكن كلماتها الأصلية كانت تعكس رؤية "فلاح" حوراني يعيش بساطته وعشقه لمحبوبته، فتغزل بها مستخدما مفردات "السياسة" في عصره، وحسب المرحوم جورج حداد فإن مصدر الأخبار الوحيد في فترة الحرب العالمية الثانية كان إذاعة برلين الناطقة بالعربية.

يتغزل الفلاح البسيط بمحبوبته الأكثر بساطة فيغني لها ويقول:
يا ام العرجة الغوازي والجنيديات
يخضعلك جيش النازي والولايات.
عصمت إينونو وهتلر ليكي خدام
والجيش السابع والثامن للتحيات.

هذا الفلاح البسيط الذي تموج الدنيا بما فيها من حوله بحرب عالمية ضخمة، لم ير في الدنيا إلا تلك الفتاة التي يحبها فتعملق بحبه وعبر عنه وجعل الحلفاء والمحور في خياله الشخصي أدوات تخدم تلك السيدة الحورانية التي بلا شك كانت جزءا من طبقة منتجة تعمل في الحقل وتحصد البيادر، لكنها في عيون عاشقها الحوراني مخلوق خلقه الله ليخدمها هتلر نفسه وعصمت اينونو التركي، ويقدم لها الأسطولين السابع والثامن من الحلفاء، التحيات العسكرية (!!).
تناول جورج حداد الكلمات وعدلها بالكامل وغناها بعد أن ضبط لحنها الموسيقي توفيق النمري لتصبح الأغنية الأردنية التي اشتهرت بالسبعينات " لوحي بطرف منديلك".

هذا تراث من شرق نهر الأردن، قبل تكون الدول بصيغتها النهائية، وهو تراث وفير من شمال الأردن إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، فيه الأنماط الفلاحية والبدوية والمدينية، وكانت هناك تجربة "لم تكتمل ولم تنتشر كما يجب" للفنان الأردني المعاصر عمر العبداللات بإعادة إحياء هذا التراث، لكن – ولأسباب تواطأ فيها الجميع- تم التركيز على حزمة أغانيه التي غنى فيها للمؤسسات الرسمية والمدن والمحافظات كواجب هدفه إنتاج أناشيد رسمية تعبيء فراغ إذاعات الموجة القصيرة.

( ابنتي بترا التي تعيش في الجزء الهولندي من بلجيكا تحفظ كما تضع على مشغلها الموسيقي الخاص أغاني العبداللات التراثية إلى جانب أغاني البوب الأمريكية لأريانا غراندي بدون ان تخضع لقواعد التسويق الأردني الساذجة رسميا).

في الأردن، أيضا وفي مثال "يكاد يقترب من الحصر"هناك الفنانة مكادي نحاس، ابنة مادبا التي غنت على مسارح بيروت والقاهرة وامستردام وعواصم عالمية أخرى وقد حملت تراث المشرق العربي بإعادة إنتاج نالت الاحترام إلا في الأردن "الرسمي" الذي يجاملها تحت وطأة الحضور العالمي لها.
وهناك أسماء ذوات فنية عديدة "سحقها" اليأس من الحضور المحترم، على حساب ترويج "فني" أردني محلي قائم على قواعد العلاقات المصلحية الضيقة لصنع نجوم "صدفة فضائيات ومسابقات" ربما يكون لهم جمهورهم لكن ليس لهم قواعد ثابتة لترسيخ وجودهم في الحالة الوجدانية الأردنية.

لماذا أورد كل ما ورد أعلاه ( وقد اختصرت كثيرا)؟
كل ما ورد أعلاه حضرني وأكثر وأنا اتابع مسلسل إشعال أعواد الثقاب الأردني على منصات التواصل الاجتماعي، وحفلة إشعال أعواد الثقاب صارت روتينا أردنيا في سياق "مهرجان حرائق عربي" أكبر، فكثيرون جدا يحملون أعواد الثقاب بخفة وجهل، لكن قلة قليلة فقط من يحملون الشمعة.

حفلة أعواد الثقاب الأخيرة كانت على خلفية مهرجان جرش بنسخته السادسة والثلاثين السنوية، وهذا يعني أجيالا في معايير المهرجانات، وفي المهرجان الذي وقفت ذات موسم على مسرحه الجنوبي السيدة فيروز، حضرت الفنانة الفلسطينية - الإسرائيلية دلال أبوآمنة وهي التي تحمل مشروعا جميلا بتوثيق التراث الموسيقي لا الفلسطيني وحسب بل والشامي بشموليته عبر مشروعها الفني والذي عنونته "يا ستي".

قلة من يعرفون ان دلال أبوآمنة عالمة طبية وباحثة في علوم الدماغ، وتعمل في معهد التخنيون الإسرائيلي العريق والشهير في حيفا على مشروع إنساني آخر يتعلق بعلاج أمراض التصلب اللويحي كعالمة محترفة، وقد حصلت على درجة الدكتوارة العلمية من التخنيون عام ٢٠١٩.

ومشروعها الفني لا يقل أهمية في توثيق تراث يكاد يندثر إلا من حفلات الأعراس المحلية، وقد وظفت فيه ابنة الناصرة الجميلة مع زوجها "الفنان والطبيب أيضا" أدوات تقنية حديثة في الإخراج البصري والسمعي بمجهود مذهل.

حين غنت على المسرح الجنوبي وقد نالت الحضور عليه بجدارة وامتياز، انتشرت صورة على وسائل التواصل الاجتماعي لرئيس وزراء الأردن الأسبق السياسي العريق طاهر المصري وهو يبكي متأثرا ومتحمسا على أغنية "موطني" الشهيرة، وهي التي كتب كلماتها الشاعر الفلسطيني الشهير إبراهيم طوقان، ولحنها اللبناني "محمد فليفل" العضو في الثنائي "الأخوين فليفل" أول من أكتشف الشابة اللبنانية الخجولة نهاد حداد التي أعاد اكتشافها لاحقا الموسيقار حليم الرومي "والد ماجدة الرومي" وسماها "فيروز".

( بالمناسبة، واستطرادا: الفنون الحقيقية لا تخضع لمقاييس الأقطار وحدودها، ومثال ذلك نشيد العلم الأردني بعنوان "يا جيشنا يا عربي" كان من ألحان السوري الحلبي الراحل شاكر بريخان، وهو ذاته الممثل المبدع الذي مثل في مسرحيات وأفلام عديدة كوميدية مع دريد لحام).

حملة أعواد الثقاب في الأردن بدأوا  حفلة الاشتعال من تلك الصورة التي لم اجد فيها إلا انسيابا إنسانيا عاديا لرجل كبير عمرا وقدرا وبالغ الأناقة كعادته، لكن حفلة اعواد الثقاب العشوائية لن تترك الأمر يمر بدون اشتعالات تراوحت بين الإقليمية والدينية وصكوك الوطنية وهو ما يصب في المحصلة عند قوى العتمة التي تحارب المهرجان – وأي مهرجان- كل موسم، باسم الله والمقدسات التي كرست نفسها وصية عليها بدون أي شرعية إلا الخطابات الإنشائية والفشل الرسمي في إعادة بناء الدولة.

موطني، نشيد وطني حماسي جميل وحزين، ويثير الشجن لأن كاتبه وضع فيه تساؤلات "عام ١٩٣٤!" تثير الحزن على واقع سيء ورديء لأوطان تحاول النهوض والتحول إلى دول، ومن يندمج مع النشيد له الحق الشرعي الشخصي بتخيل الوطن الذي يتخيله! تلك حالة وجدانية لا تخضع لمعايير الدستور والقانون.
( طبعا، متلازمات التفاهة الجدلية حملت فيما حملت جدلا واسعا حول طريقة إشعال شعلة المهرجان والسخرية من "قداحة" استخدمها رئيس الوزراء لذلك، وهي ذات النوعية المستخدمة في المهرجان منذ نسخته الأولى قبل ٣٥ عاما، لكنها حفلة أعواد الثقاب المعتادة).

مهرجان جرش، قد يكون متأثرا بلوثة النجومية بمعاييرها العربية الحديثة الخاضعة لحملات العلاقات العامة لكن المهرجان كان يمكن ان يقدم الكثير لفنانه المحلي تماما كما فعل خيرا وقدم الدكتورة صاحبة المشروعين "الفني والعلمي" دلال أبوآمنة على مسرحه الجنوبي الذي وقفت عليه السيدة فيروز بكل جلالها ومهابتها ذات زمن جميل.

وحتى لا يتجنى احد علينا بالترفع عن كل ما يتم تقديمه، أتعرض لضغوط من زوجتي وابنتي لحضور حفل الخميس للفنان اللبناني زياد برجي والفنان الأردني طوني قطان..وكلاهما جميل.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!