لظواهري حاصل على شهادة في الطب وخدم في الجيش المصري وهو مسؤول عن مذبحة "الأقصر" في مصر- Al Qaeda's top strategist and second-in-command Ayman al-Zawahri is shown in this undated file photo. [A…
زعيم تنيظم القاعدة أيمن الظواهري قتل بارة أميركية في أفغانستان

مقتل أيمن الظواهري، عام ٢٠٢٢، أي بعد أكثر من عقدين على بدء حرب إقدامية شنّها الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، على الحركة الجهادية العالمية، التي كانت قد أعلنت الحرب المفتوحة على «الصليبيين واليهود» قبل غزوات الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١ بأعوام قليلة، يستدعي طرح أسئلة حول المنهج والجدوى والهدف.

رغم الأعوام الطويلة من العمل الاستخباراتي والميداني المناهض للحركة الجهادية العالمية، ورغم قتل معظم زعمائها في المركز والأطراف، فإنها اليوم، بناءاً على معطيات موضوعية عديدة، أشد قوة وأوسع انتشاراً وأكثر رسوخاً ممّا كانت عليه في مطلع الألفية.

الغرب قد تمكّن دون شك من درء العديد من أوجه الخطر الذي تشكله له التنظيمات الإرهابية، وإن عبر تطبيق خطوات احترازية مكلفة، كما تمكّن في مواضع مختلفة من إنزال الهزيمة بها، بمعاضدة شركاء محليين، ونجح في ضبط مظاهر إرهابية متعددة. ولكن حضور ظاهرة الإرهاب الجهادي وانتشاره، وتعزّز العوامل الداعمة له، تقدّم في الحصيلة على مرّ الأعوام، وإن اختلفت أوجهه وفصائله. ليس أن الحركة الجهادية العالمية قادرة على الانتصار أبداً. أفقها الأقصى هو أن تستنزف خصومها، أن تعترض الإطار القائم، أن تدير التوحّش وأن تمارسه. هي قادرة على الهدم، عاجزة عن البناء.

أن يكون للحركة الجهادية العالمية أثماناً باهظة تتحمله المجتمعات التي يفترض بأن هذه الحركة قائمة لنصرتها، والتي هي على أية حال نابعة منها، هو أمر لا يستحق أن يكون ثمة خلاف بشأنه. ولا حاجة لاستعراض كافة أوجه الكلفة. يكفي وجه وحسب.

هو أن يخرج شاب من تونس مثلاً، أو من ليبيا أو السعودية أو لبنان، لا فارق، تاركاً خلفه أسرة رعته وتكبّدت المشاق للارتقاء به ديناً ودنيا وإتاحة الفرصة له كي يستفيد بذاته ويفيد أهله وناسه، فيدفع بنفسه ثمن رحلته إلى تركيا، ومنها، بمساعدة وسيط قابض الأجر، إلى الشمال السوري، ليلتحق بدور «الضيافة» للدولة الإسلامية أو غيرها من الفصائل الجهادية، ثم ليذهب طوعاً، أو ما يشبهه، في عملية استشهادية أو انغماسية أمست في معظم الأحوال محصورة باستهداف مجاهدين في فصائل أخرى، ارتأى أميره، أو ولي أمر أميره، تكفيرها ومحاربتها. كرّ وفرّ، ومعارك تحقّق الشيء ثم نقيضه. وحصيلتها الوحيدة هي موته وتغييبه عن مستقبل كان له، ولأهله، ومن شاء فليقل لمجتمعه، لوطنه، لأمّته، للإنسانية جمعاء. ولكنه هو، وإخوانه في الاستشهاد والانغماس، وبعض أمرائهم، ربما على يقين أنهم نالوا الفوز العظيم، وأن الحور والجنان أعدّت لهم، وإنها طاعة دينية أوصلت إلى الرضا الإلهي.

التفسير المعتمد على الغالب عند هذا الحد هو اعتبار هذا الشاب ضال مضلّل. وذلك لدى من يعنيه إنقاذه ومن يحاكيه في الظروف والمعتقد. أما لدى من لا يثمّن تخليصه، ومن يتعامل مع هكذا شاب وصحبه على أنهم مجرمون متحققون أو كامنون، فمن المستحسن عنده التخلص منهم، سجنهم، قتلهم.

وعليه فإن أساليب المعالجة، الاستباقية منها والاستلحاقية، لدى من لم ييأس من إنقاذ الجهاديين، أو بعضهم، تقوم على المناصحة والتوجيه وتقديم البدائل الدينية والدنيوية. وكافة هذه الجهود، في أحسن أحوالها، هزيلة الحصيلة، هشّة النتائج.

إزاء هذا الواقع، سخط اللادينيين والعلمانيين والتنويريين من الدين جلي، بل يبدو مبرّراً ومباشراً. وجهودهم، الصريحة كما الملطّفة أو الكاذبة لتفكيك الدين أو تعديله بما يستأصل منه ما يجعله إطار تعبئة وجهاد، بل للانتهاء من هذا الدين بجملته في حال تعذّر ذلك، كلها مفهومة، وإن كانت مكشوفة، رغم توهّم تعميتها. مستورة كانت أو صريحة، ما يجمعها هو أنها فاشلة بالإجمال، وإن زعم بعضها النجاح بتفصيل هنا وآخر هنالك.

فالمقومات المعنوية التي يعتمد عليها ذاك الشاب المهاجر إلى الجهاد ليست جديدة، بل هي كانت ولا تزال متوافرة، بالتجاور مع ما يناقضها ضمن الدين وضمن المجتمع، على مدى التاريخ الإسلامي. طبعاً أنماط التمكين والانتاج والتلقي لم تبقَ على حالها على مدى قرون هذا التاريخ، ولا الظروف الداخلية والخارجية التي رسمت معالم استدعائها. ولكن رغم فداحة التبدّل، فإنه، كما يتبين استقرائياً، لا يمكن إيعاز نتوء الجهاد الحالي إلى تغيّرات شكلية.

واقع الأمر أن المقاربة السائدة تتعاطى مع الحركة الجهادية العالمية، ومع حالة الشاب المهاجر إلى الجهاد مثلاً، على أساس توصيف يرى فيها الاعتلال الذاتي، أو الجهل الموضوعي، أو يستشف تحريك مغرض من جهات خارجية. أي أن الخصم، وهو هنا الجهادي، إما أنه يعاني من حالة مَرَضية نفسية (ربما نتيجة تراث استعلائي موبوء بدوره)، أو أنه لا يفقه ما هو خير له، أو أنه ثمة من يحرّكه كدمية ويدفع به إلى ما لا يتوافق مع مصلحته.

قد لا تخلو هذه التوصيفات الجزئية، فرادى ومجتمعة، من الصحة في حالات شخصية عديدة. ولكن، لو صحّ الانتقال بها من التفصيل إلى الإجمال، فإن السؤال التلقائي، بعد عقود من الإنفاق لتصحيح المعتل وتصويب المخطئ وتبيان أغراض المغرِض، لماذا الفشل في الانتهاء من هذه الظاهرة السقيمة الجاهلة الغبية؟

وإذا كانت العلّة هي الدين، كما يرى العديد من الإصلاحيين سرّاً أو جهاراً، فهل أن الإسلام استفاق فجأة بعد ١٤٠٠ عام من السبات ليصبح الإطار الصلب لإرهاب ناقض للإنسانية، أم هل أنه، كما يقترح بعض الاختزاليين، كان أداة الشر والدمار الدائمة، في تسطيح مزدوج يأثّم تاريخ الإسلام وينزّه تاريخ ما عداه؟

بل كيف يمكن إرجاع انتشار التطرّف في بيئة ما إلى جهود التعبئة العقائدية الغريبة عن تراث هذه البيئة، سلفية تيمية وهابية، وهي الجهود القائمة على إنفاق مالي ضخم ودعاية إعلامية واسعة، ثم العجز عند تفسير الفشل في اجتثاث هذا الانتشار مع توفّر موارد مالية أكبر وإمكانيات تقنية وفنية وإعلامية أوسع؟

لا إجابة قاطعة هنا على هذه الأسئلة ولا طرح بديل متكامل للسبيل الأنجع للتعامل مع ظاهرة الجهاد الإرهابي. بل تساؤل منهجي في أنه ربما أن الحركة الجهادية هي تعبير عن مصلحة موضوعية لبيئتها وإطارها، وفي السعي إلى محاولة تبيّن هذه المصلحة في طبيعتها المادية والمعنوية وفي أفقها الزمني. لا يعفي ذلك من مسؤولية مواجهة هذه الحركة بكل الوسائل، بما في ذلك القوة الحاسمة، سيما وأن الإرهاب الجهادي قد سار على مدى العقود الماضية باتجاه التوسع في استباحة الدماء بما يتجاوز الضوابط الفقهية السابقة وصولاً إلى استحلال قتل كل من يخالفه أو كل من في قتله مصلحة له.

في سيرة أيمن الظواهري بعض ما قد يفيد في هذا المسعى. لا يمكن فصل نشأة الظواهري العقائدية عن أجواء القمع الذي تعرّضت له التوجهات الإسلامية في مصر في زمن جمال عبد الناصر، والتي بلغت ذروتها مع إعدام سيد قطب. لا شك بأن سيد قطب، في وراثته التشددية لحسن البنا (وهذا بدوره لرشيد رضا، وهذا بدوره لمحمد عبده)، يشكّل حلقة هامة في تأصيل القطعية والتحضير للإرهاب. غير أن إعدامه جاء مفتقداً لشروط المحاكمة العادلة والعقوبة المتوافقة مع الجرم.

إعدام جمال عبد الناصر لسيد قطب عام ١٩٦٦ أشبه بالإرهاص لما سوف يشيع بعد عقود من فضائل مزعومة للسلطوية في دحر مفترض للإرهاب. ولكن كما أن قتل سيد قطب كان محطة تحفيزية هامة، فكرية وعملية، للشاب أيمن الظواهري، ولعبد الله عزّام، ومن بعدهما لأسامة بن لادن، فإن العلاقة بين السلطويات والحركات الإسلامية، على استشراس العداء بين الصفيّن، ليست علاقة نقض وأزالة، بل هي، على ما يشهد عليه السجل المعاصر، علاقة عداوة تآلفية يزداد الطرفين فيها تمكّناً وإن مع تداول الغلبة.

محاولة التوفيق بين الإسلام والحداثة، والتي أرادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر، أنتجت خطّين متباعدين. خط أول «تنويري» انكسر زخمه مع وفاة طه حسين، وخط آخر تأصيلي تفاقمت جهاديته عند بن لادن ولم تتوقف معه. كان على كل منهما إدارة المظلومية التي تعيشها مجتمعاته، تفسيرها، تحديد وجهة الخروج منها، السير نحو هذا الهدف.

الواقع الملموس هو أنه لا هذا الخط ولا ذاك قد تمكن من بلوغ الصدارة الفكرية والسياسية الراسخة في المجتمعات التي تحضنه. وتقييم حدود القدرات الاستقطابية لكل منهما غالباً ما يتم، لدى خصومه، من خلال الاستيعاب التعسفي للأكثرية الصامتة في المعارضة المفترضة له.

ولكن حتى مع مناصرة بعض «التنويريين» للسلطوية «المستنيرة»، أي العازمة على محاربة المنحدر الديني التشددي الإرهابي، فإن الواقع هو أن حضور المركّب الديني في هذه المجتمعات (أي مجموع الظواهر ذات المرجعية الدينية) لم يتراجع، وإن حصلت أقدار من الانكسار لأشكاله الجهادية بين الحين والآخر.

أساس المشكلة قد يكون بأن التعاطي مع هذا الواقع مرتبك لافتراض العلل فيه بدلاً من السعي إلى تبين منطقه. عناوين البحث هنا، بشقّه المعنوي، قد تكون بانعدام تأصل مفاهيم القيم العالمية وحقوق الإنسان في الموروث الاجتماعي الديني أي الإسلامي، أو في المحاولات التأصيلية الاختزالية الزاعمة غير المتجانسة في هذا الشأن، كما في عدم انسجام تطبيق هذه المفاهيم محلياً وفي الجوار. لا يمكن في هذا الصدد التقليل البتة من أهمية قضية فلسطين.

الواقع المرّ هو أنه بعد أكثر من ربع قرن على اندلاع الجهاد العالمي، أوجه فهمه واستيعابه وتقديره تقتصر على الشكليات، وهي ضعيفة جداً في تصويرها لعلاقته بمجتمعاته وفي استقرائها للمنطق الضمني للظاهرة. بل يجري التعامل مع هذه الإشكالية من موقع سجالي.

الأقرب إلى الصواب هو أن الحركة الجهادية العالمية، المتطابقة مع الإرهاب، لا تختصر واقع التوجهات الإسلامية المحافظة، كما يريدها خصومها، ولكنها ليست منقطعة عنها، كما يزعم الاعتذاريون.

قد يكون القليل في مضمون التحليلات التي تزعم كشف ما يحركّ الظاهرة الجهادية مقنع خارج السجاليات، أو قد لا يكون. ما هو أكيد على أي حال هو أن سبل معالجتها ليست في قتل قادتها، وإن كان الأمر مصلحة من جانب درء الخطر المباشر، وليست حتماً بمحاولة الاستعاضة عنها بالترفيه في البيئة التي تستقطب منها.

يوم قتل أسامة بن لادن، أصبحت جماعات جهادية عديدة كان تدين بالولاء الشخصي أو التنظيمي له بحلّ من بيعاتها أو تعهداتها. ولا بد من استقصاء بروز تنظيم الدولة الإسلامية وإن جزئياً في هذا التطور العرضي. أيمن الظواهري ليس بقامة أسامة بن لادن، غير أن تغييبه ينهي الجيل المؤسس لتنظيم القاعدة ويفتح المجال أمام قيادات جديدة، سواء بشكل تنافس على القيادة المركزية أو المزيد من التشظي بتنظيمات فرعية.

ثمة حاجة في واشنطن إلى الاستمرار بضرب هذه التنظيمات، منعاً لها من الإقدام على اعتداءات. على أن هذا الضرب لا يعني الانتصار بالحرب. واشنطن، والعالم أجمع، بحاجة إلى قراءة أكثر اعتباراً وأقل تسقيما وتعليلاً لمسار الحركة الجهادية. قتل أيمن الظواهري، من وجهة النظر السائدة في الولايات المتحدة، هو سداد دين اعتداءات ماضية. غير أن ترحيل الرجل، وإن أدى إلى تفتيت تنظيم القاعدة المنهك أساساً، ليس نهاية الحركة الجهادية الإرهابية. أمام هذه الحركة للأسف مستقبل ناشط، والحاجة إلى فهم موضوعي لأصولها في أوجّها.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!