التكرار
الحياكة حركة مكررة، التمرير على الشاشة فعل مكرر، الحياة تعتمد على التكرار، حتى الاستثناءات منبثقة من خلل في التكرار، تداخله مع مكرر آخر، انصهاره في ديمومة من التكرارات- آلي حميدي

"إنها موسيقى السجون، تصنع للاستماع إليها داخل الزنازين، تتكرر على ذات الإيقاع طوال اليوم، لـ تمنعك من التفكير، لتنسى السجن الذي أنت فيه" 

أحب تكرار هذه الجملة في رأسي كلما غرقت في الظلام الفائض بالأجساد الليلية كل نهاية أسبوع في برلين، غارقون جميعاً في محيط من الإيقاعات المتكررة. لا أكررها امتلاكاً، لكن اقتباساً من "غاستون" مصمم رقصات متخصص في الرقص الشعبي التشيلي، أدعي امتلاكها فقط. 

"غاستون" شخصية محورية في فيلم "ema"، سام، حاقد على كل شيء يطفو جمالياً، براقاً، مجملاً، متخففاً عن مبادىء الثورة و"تحطيم الأنظمة".

 محاولات نبيلة، أفهمه، لكن لا أؤمن بهذه الفكر بعد الآن، أتعامل مع هذه الأفكار كمشتهى كما اشتهاء الكشف عن حبوب إكسير الشباب السحرية في لحظة ما مستقبلاً. 

أحب ترديد العبارة أعلاه، على سبيل التكرار ايضاً. محاولة بائسة للوقوع في غرام الألفة والاعتياد، دون الاستعانة بالالتفافات الخفية والطرق الملتوية لكسرها. أكررها مذهولةً بتركيبة الجملة، وحقيقتها المؤلمة في آن. 

 من وجهة نظر شخصية، لا يرتبط ميلي للتكنو بالحاجة إلى إشباع شعور الحصول على تصاعدية متناسقة أو وجود خاصية مميزة في اللحن. يتعلق الأمر أكثر بإيقاع وصوت "طرق" مستمر، تغييرات طفيفة في اللعب الموسيقي، كمحاكاة مألوفة تحدث بطبيعة الحال في التغيرات البديهية في حياتنا وأجسادنا، إذا ما استثنيت منها الكوارث والصدمات المفاجئة. 

إيقاعاتها تمارين جيدة للعقل. محفزة للدوبامين، تخفف الألم إلى أقصاه، تغمر كل خلية في الجسد بالتكرار، والألفة بمعرفة الايقاع القادم. لا مفاجأت، الجسد متحضر تماماً لما سوف يستقبل من إيقاعات قادمة.

أقنع نفسي بأن حبي لموسيقى التكنو غير عشوائي أو بسبب ارتباطات متعلقة بالرائج أو بما تفرضة مساحات الرقص والمجون الليلي، التي تقدم نفسها على أنها مساحات للخيال والخروج عن الواقع واليومي المألوف. هنا تأتي قوة الوهم والتسويق في آن. الجميع يشارك في تسويق غرائبية هذه المساحات، وعلى أنها فضاءات هيتروتوبيا، في النهاية وبطريقة ما، تتحول إلى سجن أسبوعي، اعتيادي، مكرر حد التشابه والتوقع في الأفعال وردوها. تعوم الأجساد متموضعة في المساحات المعترضة أساساً على النهج الرتيب، بممارسات مدروسة، دون أن تلحظ التشابه مع ما تدعي تحطيمه في الأنظمة التقليدية المحافظة، لتصبح نسخة عنها لكن بشعارات مثيرة، تكرر شعاراتها إلى أن تفرغ من محتواها وفاعليتها، إلا ما ندر. أقلها شخصياً وما اختبرته عن قرب. 

ألوم السجن الأول منذ الولادة، "الجسد". أجسادنا. الشكل الفيزيائي الواقع على كاهله امتصاص جميع المهمات وتوزيعها بالتساوي وبشكل متوازن، بما تحمل من سعادة، ألم، حب، كره وصدمات… إلخ إلخ. خلل صغير في التوزيع ينهار الشكل الفيزيائي المرئي واللامرئي (النفسي/العقلي).

أكرر على سبيل اللعب مع الخيال رغبتي في العيش بلا "جسد" أو أقلها جسد أبدي، سواء أكان مطاطياً أو على هيئة "سايبورغ". 

لا أمانع ماهية الشكل، إن كان التحول وسيلة خلاص من الخوف والقلق والاحتياجات البائسة للجسد الحالي، أجسادنا الفيزيائية، الهشة، الثقيلة. 

سابقاً، السعي في ايجاد المتعة في كل شيء كان جوهرياً، مرضياً، قهرياً.بلا إدراك، أصبح تكرار أنماط السعي نحو المتعة الخالصة سجناً من الألم المفرط، ليتحول الأخير إلى متعة احاربها في ظاهرها على أنها النقيض. في الحقيقة كانت إدمانا ونشوة. 

ملأ القطن المبلل رئتاي وفقدت التنفس، حينها، أدركت ما يحصل. بدأت بتمارين التكرار الايجابي، مقنعة نفسي بانعدام أي مشكلة في هذا الفعل، مادام النمط المتكرر على السواء، بألمه المبرح، وساعات السعادة الخالصة، سيحررني بطريقة ما، سيضمن لي السيطرة على الصدمة، الصدمات، بطريقة نشطة ومبدعة. أعني، عيشها عشرات المرات مع أشخاص مختلفين عن بعضهم جذرياً، تشويهها وعكسها. 

الاستدعاء البائس هنا، مجرد محاولة لفهم وتفكيك الادعاءات المجانية، والطهرانية، سريعة الاصطفاف، كسرعة تسويق الألبسة المحاكة من أصابع أطفال عوالمهم أقل حظاً من أصابع أطفال يحركونها برشاقة على الشاشات الذكية نزولاً. لا محاكمات من قبلي، مجرد ألعاب حظ ومصادفات عبيثة، يدعي البعض بوجود مُسير خفي مجهول يمتلك وحده تفسير الممارسات اللاعدالة وما نشهد من كوارث يومية في عالمنا. "هناك سبب نبيل خلف سير ذلك الخراب". 

الحياكة حركة مكررة، التمرير على الشاشة فعل مكرر، الحياة تعتمد على التكرار، حتى الاستثناءات منبثقة من خلل في التكرار، تداخله مع مكرر آخر، انصهاره في ديمومة من التكرارات. "أورجي" من التكرارات اللامنتهية. 

يقال أن الكون يكرر نفسه كل تريليون سنة، العملية بأكملها من سكون، انفجار، توسع، ولادات مختلفة بما فيها من مجرات ونجوم وعوالم، ثم الانكماش إلى جوهره المظلم،"اللاشيء". 

"الانفجار العظيم" جزء بسيط من انفجارات متكررة، حاضنة لهذا الانفجار منتهي الصغر. هل وجودنا نتاج عملية تدوير؟ تكرير مستمر؟ كون لانهائي، كون أبدي أو دوري أبدي؟ بعيداً عن مدى احتمال وجود شيء شبيه بهذه النظريات المطروحة، مثل احتمالية نسخ هذا العالم واللحظة ذاتها في مكان آخر، فإنه في واحدة من هذه الاحتمالات اللانهائية سوف يعيد ويكرر نفسه، بعدد لا حصر له من المرات. 

مفهوم جميل يفسر "العبث" غير المنطقي المحيط بكل ما "يرى" ويدرك.  

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.