سيكون لميشال سماحة مكان مريح في جمهورية حسن نصرالله وميشال عون اللبنانية. سيتحرك في مساحات واسعة، وسيستأنف وظيفته على رغم "حرمانه من حقوقه المدنية". نعم هو نفذ الحكم الصادر بحقه، وعلينا القبول به "مواطناً لبنانياً" له الحق في أن يمضي ما تبقى له من عمر في منزله، لكن ذلك لا ينفي قسوة المفارقة. رجل اعترف أمام كل اللبنانيين بأنه نقل متفجرات من دمشق إلى بيروت بهدف قتل لبنانيين، وهو الآن حر طليق!
لكن الظروف أيضاً مهيأة لـ"المواطن ميشال سماحة". لا بل أن الظروف أكثر نضوجاً مما كانت عليه حين استؤصل الرجل من بيئته ومن جماعته. لدينا اليوم فراغ حكومي ومن المنتظر أن يكون لدينا فراغ رئاسي. ولدينا أيضاً مدينة مدمرة واقتصاد متداعِ وعملة منهارة، وفساد هائل، وحزب أكثر تسلحاً وصهر يشرب الويسكي الفاخر. كما لدينا وسائل إعلام بدأت تحجز مواعيداً للقاء المواطن المفرج عنه، وأصدقاء ينتظرون لكي يفرغ من لقاء عائلته حتى يتقاطرون إلى منزله.
سيكون لميشال سماحة مكان في هذا المشهد. فالبلد الذي اتسع برلمانه لمتهمين بأكبر انفجار في التاريخ لن يضيق بناقل قنابل صغيرة. وإذا كانت عبارة صديقه السابق جميل السيد الأثيرة عن أن السيارة التي أقلتهما من دمشق "لا تتسع لحمارين" فإن لبنان في زمن ميشال عون لا يتسع لغير نقلة المتفجرات ولغير السفن التي تنقل النيترات والكابتاغون، والتحالف الذي كان حاكماً في "ليلة الصبار" أزيح منه كل من يمكن أن يزعج المواطن ميشال سماحة. له اليوم الجمل بما حمل. دولة وحكومة وبرلمان وقضاء وقدر. والأهم أن الرجل الذي أرسله من دمشق محملاً بالهدايا للبنانيين، أي علي مملوك، هو اليوم أيضاً أحد المنتظرين.
نعم علينا أن نقبل بحكم القضاء، وأن لا نعترض على هذا القدر. لكن لواقعة عودة سماحة رمزية يتكثف فيها البؤس الذي يحاصرنا في هذه الجمهورية المتداعية. إنه المواطن النموذجي للنظام الذي اختاره لنا مرشد الجمهورية وصهرها، وما "الحقوق المدنية" التي حرمه منها الحكم الجائر سوى تفصيل تافه لا يستحق التوقف عنده. هو أصلاً لا يطمح للترشح للبرلمان، وليس مندفعاً لممارسة حقه بالاقتراع، ثم أن مواطنيه غير المحرومين من حقوقهم المدنية أين يمكن أن يصرفوا هذه الحقوق. هم أشد حرماناً من سماحة. فأهالي ضحايا المرفأ محرومين من العدالة، والمودعون في المصارف محرومين من الوصول إلى مدخراتهم، وباستثناء "حركة المحرومين/ أمل"، كل اللبنانيين محرومين. وبهذا المعنى أمام ميشال سماحة فرص غير متاحة لغيره من مواطنيه. لديه وسائل إعلام وأصدقاء وحلفاء ودولة جارة بانتظاره، وهو لن يعاني على أبواب الأفران، ومن المرجح أن يكون قد نجح بتهريب ودائعه إلى الخارج على نحو ما فعل حلفاؤه.
ثم أن الرجل عائد إلى دولته وإلى مكانه وإلى وظيفته، بعد أن جرى "تنظيفها" من زؤان الحلفاء. لا أحد سيزعجه، ولا أحد سيخجل من مصافحته. في السر سيولم له الرئيس، وسيهنئه المرشد هاتفياً، والأرجح أن رفيق رحلته الأخيرة من دمشق، أي جميل السيد، سيعتذر له عن زلة اللسان التي وصفه فيها بـ"الحمار".
لبنان طوال سنوات الغياب كان يُعد لكي يكون وطن ميشال سماحة. وحده الحكم المخفف الذي صدر بحقه كان خروجاً عن هذه المهمة، وكل ما عداه كان عملية تنظيم لحدث العودة. "الشعب اللبناني" بأسره صار جاهزاً لها، وجرى قتل أي حساسية يمكن أن تثيرها العودة المظفرة لبطل الممانعة. جرى قتلها في المرفأ وفي المصرف وفي القضاء وفي وفي الشهادات الجامعية لغير مستحقيها، وفي حرمان اللبنانيين من جوازات السفر، وفي شحنات الكبتاغون المرسلة إلى الإخوان العرب.
وبهذا المعنى يبدو الذهول من عودة سماحة مصطنعاً ومفتعلاً و"fake feeling"، وهو انفصال عن الواقع لا تفسير له سوى أنه نوع من الدفاع اليائس عن النفس. الذهول هو محاولة لكي نقنع أنفسنا بأن شيئاً غير طبيعي جرى. عودة ميشال سماحة حدث طبيعي مثلما انفجار المرفأ حدث طبيعي، ومثلما سيكون الفراغ الذي ينتظرنا طبيعي وعادي.
من الآن وصاعداً يجب أن نعد أنفسنا للحقيقة. ميشال سماحة سيتم تعميمه على مساحة الجمهورية بوصفه نموذج المواطن المرتجى. هو أقرب إلى النشيد الوطني، وهو الرئيس في غياب الرئيس، وهو القضاء والعدالة والأهراءات، وهو جارنا في السكن وفي المقهى، وله في برلماننا تكتل كبير، وسيحل ضيفاً علينا عبر الشاشة وعبر السوشيل ميديا.

