جدل في البرلمان الأردني حول قانون الطفل
جدل في البرلمان الأردني حول قانون الطفل

الشكوى من المؤامرات الخارجية والتدخلات الأجنبية في شؤون بعض البلدان والمجتمعات العربية والإسلامية أصبحت حالة مرضية مزمنة مستعصية على كل علاج. بل أنها اتسعت وانتشر نطاقها وبات من الصعب السيطرة عليها.

كلما واجهت هذه الدولة أو تلك تحديات من أي نوع أشارت بأصابع الاتهام إلى جهات خارجية (في الغالب وهمية ولا وجود لها) وحملتها مسؤولية ما يجري لها وفيها.

الغريب أنه عندما تأخذ هذه الدول المساعدات الاقتصادية والعسكرية وغيرها من الدول الكبرى أو عندما توقع على اتفاقيات من هذا النوع لا نسمع شيئا عن التدخل الخارجي أو المؤامرات الأجنبية! هذه الاسطوانة يتم تشغيلها فقط عندما يتعلق الأمر بالحقوق والحريات وقيم العصر وبضمنها المواثيق الدولية.

في الأيام الماضية كان هناك صخب وجلبة في الأردن بسبب تقديم الحكومة للبرلمان مشروع قانون حقوق الطفل لسنة 2022.

وهو قانون أقرته الحكومة في أبريل الماضي وجاء بعد سنوات من التعثر والمماطلة في إقرار قانون يوفر الحماية الأساسية للأطفال بحسب ما تنص عليه اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل والتي وقع عليها الأردن.

لكن نوابا في البرلمان بينهم إسلاميون وقوميون وحكوميون أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ضد مشروع القانون. فقد اعتبروا أنه يأتي تنفيذا لأجندة خارجية وأنه تدخل في شؤون الدولة والمجتمع ويهدف إلى تفكيك بنية الأسرة الأردنية واستهداف الجيل القادم.. إلى آخره.

بل أن الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي مراد العضايلة ذهب أبعد من ذلك حيث هدد كل من يريد نزع العروبة والإسلام من الأردن بنزع روحه قبل ذلك.

هؤلاء ركزوا على مسألتين، جاءتا في الاتفاقية الدولية بوضوح وهما (المادة 14 من الاتفاقية) المتعلقة بحرية الفكر والدين حيث "الأطفال أحرار في تكوين الأفكار والآراء وتحديد دينهم، طالما أنّ ذلك لا يمنع الآخرين من التمتّع بحقوقهم. يمكن للوالدين توجيه أطفالهم كي يتعلموا استخدام حقوقهم بشكل مناسب أثناء نموهم".

والثانية المتعلقة بحماية الخصوصية، حيث تنص (المادة 16 من الاتفاقية) أنه " يحق لكل طفل التمتع بالخصوصية. على القانون أن يحمي خصوصية الأطفال، وأن يحمي عائلاتهم وبيوتهم واتصالاتهم وسمعتهم من أي اعتداء".

لكن مشروع القانون الأردني وإن كان يغطي بوضوح مسألة الخصوصية فإنه لا يأتي على ذكر حرية الفكر والدين صراحة.

لكنه يلمح إلى إمكانية لجوء الأطفال (أو من يساعدهم) للاتصال بالأجهزة المختصة للشكوى ضد الأب أو الأم أو الشخص الموكل بالرعاية في حال تعرضهم لإساءة المعاملة، كما هو معمول به في معظم الدول الغربية.

كما أنه وسع من دائرة أشكال العنف والإساءة بحق الطفل بحيث تشمل الجوانب النفسية والجسدية والجنسية. واعتبر أن صفة الوالدين أو الشخص الموكل برعاية الطفل لا تشكل عذرا لارتكاب أي فعل من هذه الأفعال.

في المجمل كما هو واضح فإن الهدف من القانون هو ليس الإساءة للأسرة وإنما حماية الأطفال من سوء المعاملة والعنف ومن تسلط الكبار عليهم سواء تحت مسميات "التأديب" أو "التربية" أو "ضبط السلوك" أو "صون الشرف" وغيرها من المسميات التي لها هدف واحد وهو السيطرة والتحكم في الطفل، وبرمجته دينيا، واجتماعيا، وسياسيا. وإذا اقتضى الأمر ممارسة أقصى أشكال العنف والقهر لإخضاعه.

وأي محاولة لإبطال هذه السيطرة أو تحجيمها أو وضعها تحت مجهر القانون، تصيب الكثيرين في مجتمعاتنا وخاصة المحافظين والمُؤَدْلَجين والإسلاميين بينهم تحديدا بالفزع.

فنشاط هؤلاء قائم على تجنيد الأطفال وغسل أدمغتهم منذ الصغر (مدارس التحفيظ والمعسكرات والدورات.. الخ) كي يحصلوا على أعضاء جدد ومقاتلين وناشطين.. إلخ.

اذ لا يوجد عاقل ينخرط في هذه المنظمات الإرهابية المتخلفة وهو في سن ما بعد المراهقة، إلا إذا كان يعاني من مشكلات نفسية!

لذلك فان تشجيع تحرير الأطفال وتخليصهم من قبضة هذه المنظمات والجمعيات والمدارس الإسلامية أو القومية أو الأيديولوجية عموما عبر منحهم حرية الاختيار وتربيتهم على الاستقلالية والروح النقدية من شأنها أن تنقذ مستقبلهم ومعه مستقبل هذه المجتمعات.

وإذا تزامن ذلك مع تغيير أنظمة التعليم وبرامجه فمن شان هذا أن يحدث فارقا هائلا في المجتمع.

المشكلة أن أجيالا عديدة تربت على أن الطفل وما يملك ملكا لأبويه، وهي نفس المشكلة أيضا في النظرة إلى المرأة، ومن النادر أن يعاقب الأبوين على الإساءة لأطفالهم حيث تغض السلطات وكذلك المجتمع النظر عن مثل هذه الجرائم، الأمر الذي يجعل مجتمعاتنا تنتج باستمرار أجيالا مشوهة نفسيا واجتماعيا وسياسيا.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.