العراق كان يضمّ في الماضي "30 مليون نخلة"
"التفكير النقدي" هو واحد من أسس الأسلوب العلمي في التفكير. الصورة تعبيرية.

لا يختلف كثيرون في العالم العربي أن الأخير يحتاج إلى ثورة فكرية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني. 

ولا نحتاج إلى تذكير القارئ بالمشاكل الفكرية الموجودة، مثل مشكلة التطرف والتعصب ورفض الآخر وعدم قبول الاختلاف. وكلها آفات مجتمعية وفكرية تقوض تطور بعض المجتمعات العربية للأفضل. 

وللأسف الشديد فإن القصور في بعض نواحي المحتوى التعليمي في بعض الدول العربية ساعد في انتشار هذه الآفات الفكرية – إن لم يكن خلقها. 

بالتأمل قليلا في بعض هذه المشاكل نجد أن العديد منها ينبع من عدم وجود أسلوب علمي في التفكير.  

فعلى سبيل المثال، فإن "التفكير النقدي" هو واحد من أسس الأسلوب العلمي في التفكير، والتي تجعل الإنسان قادرا على نقد - بل وأحيانا نقض - مايسمعه وما يقال له. 

ولا أنسى أبداُ أن أول ما قيل لي حينما اشتركت في الجماعة الإسلامية هو أن "الفكر كفر". وأتذكر أيضاً وأنا أكتب هذه الكلمات كيف سألني أحد الحضور المرموقين وأنا أتحدث في أحد المؤتمرات بالعاصمة الأميركية واشنطن عن كيف أصبح أيمن الظواهري (زعيم القاعدة الذي تم قتل مؤخرا) متطرفاً وإرهابياً وكيف تم إحباط التفكير النقدي في عقله بالرغم من دراسته للطب وحصوله على أعلى الشهادات! وكانت إجابتي ببساطة أن الحصول على المعلومات وتذكرها هو خاصية في العقل البشري تختلف تماماً عن التفكير النقدي، الذي يشكك في المعلومة ويبحث عن إثبات لها. فعلى سبيل المثال فإن أيمن الظواهري وغيره من الأطباء قد يتعلمون أن جرعة البنسليين مثلا هي 500 ميلليغرام كل 6 ساعات. والمعلومة عندهم وكما كنا نتلقاها في كلية الطب يتم حفظها كما هي ومن ثم لا يتم البحث عن مصداقيتها وحقيقتها. والفارق كبير فقبول المعلومة بلا تفكير قد يكون أحد أسباب انتشار التطرف في العديد من كليات الطب المختلفة وذلك لأنهم لم يتعودوا مناقشة ما يقال لهم، وبنفس المنطق اتبعوا فكر التطرف دون مناقشة أو نقد. وتجلى ذلك الأمر في كلمة شهيرة في فيلم "طيور الظلام" حين كان أمير الجماعة يقول للفنان عادل إمام -والذي قام بدور المتطرف - جملته الشهيرة "لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي". 

أما الأمر الثاني في هذا السياق فهو الاهتمام بوجود دليل أو برهان على الحقائق. فكما نرى في العديد من الأحيان فإن كثيرين في بعض المجتمعات العربية يصدقون إدعاءات بدون أي دليل علمي عليها مما يفتح المجال للخرافات لتسيطر على عقول كثيرين. ومن الجدير بالذكر هنا أن القرآن أقر أهمية مبدأ وجود الدليل أو البرهان لتصديق الشيء، فكما جاء في الآية الكريمة "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".  

ويأتي بعد ذلك في الترتيب وليس في الأهمية في الأسلوب العلمي الأمانة والدقة في النقل وعدم اجتزاء الحقيقة بصورة تخدم غرض بعينه. وقد رأينا عكس  هذا مراراً وتكراراً في شيوخ التطرف ومن يصدقونهم حين يدعون على سبيل المثال إعجازاً علمياً أو طبياً في كتب التراث ويقولون "أثبت العلماء" بدون ذكر أسمائهم أو المجلات العلمية الطبية التي قامت بالبحث مما يفتح المجال للكذب وتغيير الحقائق بصورة تخدم أغراض البعض.   

ولا ننسى في هذا السياق أن من مبادئ الأسلوب العلمي في التفكير هو الأخذ بالأسباب. أما التواكل وعدم الأخذ بالأسباب والاكتفاء بالدعاء دون الأخذ بأسباب النجاح فلا ينتهي إلا بالفشل. فلا يكفي أن يطالب البعض بعمل صلاة الاستسقاء وإهمال زيادة كفاءة استخدام المياه وترشيد استهلاك الماء في شتى مناحي الحياة. والأخذ بالأسباب ليس مبدأ لادينيا كما يتصور البعض، بل هو من صميم الدين. فكما قال الشاعر العربي في وصف القرآن للسيدة العذراء مريم بأن تهز جزع النخلة ليتساقط الرطب أي البلح الطري: 

(وهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا - سورة مريم)  

وكان بيت الشعر الذي قاله الشاعر هو في سياق الدعوة للأخذ بالأسباب كما جاء في بيت الشعر التالي: 

"ألم تر أن الله قال لمريم .... وهزي إليك الجزع يساقط الرطب 

ولو شاء أن تجنيه من غير هزِّه ...  جنته، ولكن كلُّ شيءٍ له سبب

وباختصار شديد فإن نشر الأسلوب العلمي في التفكير هو محور أساسي لنهضة المجتمعات العربية ومقاومة فكر التطرف عند البعض منها. 

وللحديث بقية!   

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.