بيلوسي
زيارة بيلوسي إلى تايوان هي الأولى منذ 25 عاما لشخصية في هذا المنصب

زيارة زعيمة الكونغرس نانسي بيلوسي إلى تايوان هي الأولى منذ 25 عاما لشخصية في هذا المنصب نجحت في وضع العلم والعلامة الأميركية في عقر دار الصين، وفي إعادة الملعب الجيوسياسي إلى حجمه الطبيعي وفرض هيبة واشنطن.

بيلوسي (82 عاما) التي تنحدر من أصول إيطالية لا تخاف التحدي. فطوال عقود لها في الكونغرس أخذت مواقف نارية، بينها زيارة ساحة تيانيمين في الصين عام 1991 حيث طاردتها الشرطة الصينية، وتمزيق خطاب دونالد ترامب في الكونغرس عام 2020 وزيارة كييف هذا الربيع.

البيت الأبيض ومعه الجيش الأميركي كان يحبذ ألا تقوم سيدة الكونغرس بهذه الزيارة لعدم تأجيج العلاقة مع الصين التي هددت بإنزال طائرتها العسكرية في حال تمت الزيارة.

الزيارة تمت يوم الثلاثاء والطائرة العسكرية الأميركية حطت في مطار تابيي، وأمضت بيلوسي 20 ساعة في تايوان وهي في صدد إنهاء زيارتها الآسيوية الجمعة في اليابان. 

أبرز النقاط الجيوسياسية التي حققتها الزيارة:

- قرار أميركا بيدها: ما من قوة عالمية أو إقليمية اليوم يمكنها أن تردع نائبا في الكونغرس من القيام بزيارة إلى دولة أو إقليم في حال أن الحكومة هناك ترحب بقدومه. بيلوسي ليست من النوع الذي يرضخ لضغوط الصين أو روسيا أو غيرها، وحين قررت أن تزور تايوان أضحى السؤال متى وليس هل ستزورها أم لا.

- قوة الصين محدودة في كسر أنف واشنطن أو تقويض تايوان. فتجربة التسعينات والتحدي الصيني المفتوح للجزيرة أوصل فريقا مخاصما للصين للحكم في تايبي. من هنا فإن التدريبات والتصعيد العسكري الذي تقوم به الصين سيكون محدودا لأن لا مصلحة لبكين في هز الواقع السياسي الحالي ولا بدخول مواجهة مع الغرب. 
 
- الصين ليست روسيا وشي جينبينغ ليس بغباء فلاديمير بوتين لدخول حرب استنزاف وإذلال ضد حكومة خصم. فالصين قد تستعيد سلطتها فوق تايوان كما استعادت هونغ كونغ إنما ليس بالمنحى الروسي ولا بشن حرب من دون نهاية. 

- الصين وأميركا يقودان توازنا شديد الحساسية في علاقتهما: فزيارة بيلوسي لحقت اتصالا لساعتين ونصف تقريبا بين الرئيسين جوزيف بايدن وشي وهو وضع نقاط التعاون والتنافس على الحروف. فالتنافس بمعظمه اقتصادي وحول محاور إقليمية في آسيا والقارة الأفريقية والشرق الأوسط. إنما التعاون حاضر أيضا في التبادل التجاري والتغيير المناخي بينهما. 

بالنسبة لدول الشرق الأوسط التي ضاعفت حجم تبادلها التجاري والتكنولوجي في السنوات الأخيرة وتدرس التعاون الدفاعي مع الصين، فعليها أن تتعظ من زيارة بيلوسي.

الصين لن تأتي لنجدة أي دولة شرق أوسطية من أي اعتداء إرهابي أو غيره، وهي غير مستعدة للمجازفة بقوتها العسكرية حتى في إقليمها المباشر.

على هذه الدول أن تدرك أيضا أن واشنطن تراقب عن كثب أي صفقات دفاعية مع الصين وتعتبرها خطا أحمر. فهل تريد هذه الدول حماية من البوارج الأميركية أو من الجيش الصيني في حال حدوث طارئ؟ واشنطن لن تقبل بالتلاعب في القضايا والشؤون الدفاعية وهذه الرسالة أوصلها مسؤولون أميركيون إلى المنطقة. 

عشية هبوط طائرة بيلوسي في تايوان، أعلنت واشنطن مقتل عراب الجهاديين وزعيم القاعدة أيمن الظواهري ومن دون وجود جندي أميركي واحد على الأرض في أفغانستان وفي مفارقة أخرى للمتغيرات في القوة الأميركية. اليوم القوة الديبلوماسية الأميركية الناعمة والاستخباراتية التكنولوجية الذكية تقول كلمتها في إعادة تثبيت دور واشنطن دوليا وإقليميا ولتذكر من ظن أن القوة الأميركية تتراجع بأنها أكثر من حاضرة وأكثر من قادرة على رسم مفترقات حاسمة على الأرض. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.