بيلوسي غادرت تايوان الأربعاء والصين تعلن إجراء مناورات عسكرية
بيلوسي غادرت تايوان الأربعاء والصين تعلن إجراء مناورات عسكرية

ما زالت زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان الثلاثاء الفائت، تحظى بتفاعل دولي كبير على الصعيدين السياسي والدبلوماسي. فهي من ناحية خطفت الأضواء نسبياً من نبأ مقتل زعيم القاعدة أيمن الظواهري مطلع الأسبوع إثر استهدافه بطائرة مسيّرة في أول عملية نوعية للجيش الأميركي لمحاربة الإرهاب في أفغانستان بعد انسحابه قبل عام.  

وأعادت تحريك قضية تايوان التي تطالب بكين بالسيادة عليها، والدفع بها إلى دائرة الاهتمام العالمي، فأيقظت بحدة غضب النمر الصيني الذي أخرج مخالبه إلى العلن، وأعلن عن 27 اختراقا جويا لمجال تايوان أثناء الزيارة، كما استدعت خارجيته السفير الأميركي في بكين التي لم تكف حتى اللحظة عن تصريحاتها التصعيدية، والشروع بمناوراتها العسكرية حول هذه الجزيرة التي تبدو على الخارطة أشبه بنقطة أمام حجم العملاق الصيني.  

زيارة بيلوسي عطّلت، في سابقة من نوعها، موقع "رادار فلايت24" جراء تتبع هذه الرحلة من قبل آلاف حول العالم والتسبب بـ"خضوع الموقع لأحمال ثقيلة" كما أفاد مسؤولو الموقع في حينه. مما أكد حساسية الزيارة ومدى القلق العالمي الذي رافقها والتداعيات والسيناريوهات المرتقبة لها في المستقبل المنظور. 

وفي واقع الأمر، وقبل أن تتم زيارة المسؤولة الأميركية، سبق لقضية تايوان أن عادت إلى  التداول واكتسبت زخماً إعلامياً أكبر عقب الغزو الروسي لأوكرانيا قبل نحو ستة أشهر، وأثيرت الشكوك والمخاوف علانية من جانب الولايات المتحدة ومعها المجتمع الدولي خشية أن تقتدي بكين بسلوك موسكو، وتستثار شهيتها بالمثل لقضم تايوان وإعادتها إلى حظيرة "الأخ الصيني الكبير" أسوة بمحاولات موسكو المستمرة إعادة كييف إلى بيت الطاعة الروسي.  

فهل قطعت السيدة بيلوسي 82 عاما، التي بدت لغة جسدها وهي تهبط في مطار "تابيه" أشبه بخفة فراشة، كل هذه المسافة لتحقيق هذه الزيارة الإشكالية، التي تسجل لها في تاريخها الشخصي والمهني كما في تاريخ بلادها، بهدف حماية "الديمقراطية" في الجزيرة، رغم كل ماسبقها وما واكبها من تحذيرات صينية استعملت فيها لغة التهديد والوعيد واتهام الولايات المتحدة "باللعب بالنار" و"التنمر" على الصين؟ 

بحسب التعريف العام المتداول عن تايوان، تقع هذه الجزيرة جنوب شرق المحيط الهادي ويفصلها عن الصين مضيق فورموزا بمسافة لاتتجاوز 140 كيلو متر. يخترقها مدار السرطان في وسطها وتغطي الغابات نصف مساحتها التي لاتتجاوز 36193 كيلومتر مربع. يطلق التايوانيون اسم تايوان على الجزيرة منذ تنامي الحركة الاستقلالية الداعية لاستقلالها والعمل على الاعتراف بها شرعياً كدولة مستقلة.  

وإلى زمن ليس ببعيد، كانت أرخص البضائع التي تصل للعديد من دول العالم، وبشكل خاص إلى بلدان الشرق الأوسط، هي البضاعة التايوانية. وكان أي منتج يحمل ملصق (صنع في تايوان) يعني رداءة التصنيع ولايحظى بأية ثقة في المطلق. حتى إن البعض كان يطلق صفة (نسخة تايوانية) على أي تقليد رديء أو غير متقن لمنتج عالمي.  

لكنها، وفي غفلة عن الجميع، وبصمت الحكماء، فاجأت العالم بنهضتها السريعة خلال سنوات قليلة، وانضمت بمهارة وتقدير كنمر صغير وشديد الذكاء إلى قائمة كبار نمور آسيا ذات الاقتصادات القوية والصاعدة. ولم تتوقف هذه النهضة عند حدود الاقتصاد، بل شملت جميع مناحي الحياة وفي مقدمها الحياة السياسية،  حيث تعتبر تايوان اليوم واحدة من الدول الديمقراطية التي تتمتع بصحافة حرة وتجري فيها انتخابات وتداول سلمي ودائم للسلطة. 

وبناء على هذه المعطيات، حظيت منذ عقود برعاية خاصة من الولايات المتحدة التي تزودها بالسلاح ضد أي غزو محتمل، وحماية المضائق المحيطة بها لأجل الحفاظ على سير التجارة العالمية. كما حظيت بعلاقات تجارية أكثر تميزاً معها، حيث تشير بعض الأرقام إلى أن أميركا تستورد مايقارب 2,5 % من مجمل وارداتها من هذه الجزيرة، كما أمنت هذه العلاقة الناجحة والمتبادلة عشرات الآلاف من الوظائف لدى الجانبين. 

تايوان دولة غير نفطية وتعداد سكانها يقارب 25 مليون نسمة، لكنها تصدر في الوقت ذاته مامقداره 750 مليار دولار للعالم، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف صادرات إحدى كبرى الدول النفطية ذات التعداد السكاني ذاته. وتشمل صادراتها التقنيات رفيعة المستوى والموصلات الفائقة ومنتجات الكومبيوتر والتصوير والاقتصاد الرقمي والعلوم والأبحاث. كما تشير الأرقام إلى أن نصف عدد السفن التجارية بالعالم تمر من مضائقها ومعظم السفن العالمية العملاقة تستخدم ممراتها المائية سنوياً.  

وعليه، من الطبيعي أن تصبح تايوان عرضة لمثل هذه التجاذبات السياسية ومحاولات الهيمنة عليها. لكن هذه الجزيرة الذكية والمؤثرة، اختارت استقلاليتها ودربها المنفتح على الجميع، تمد يدها للتعاون الندي مع جيرانها الآسيويين الكبار وفي مقدمهم الصين وتطالبهم بالاحترام المتبادل، وإن بدا أن هواها غربي، وهو خيار استراتيجي يبدو محسوماً لدى "تابيه" التي تدرك أن الديمقراطية في النهاية تحمي معجزتها الاقتصادية، والاقتصاد القوي يصون ديمقراطيتها.  

فما أشبه موقف تايوان بأوكرانيا، وما أشبه الأجواء الآسيوية اليوم بالأجواء الروسية الأوكرانية الأوربية التي سبقت يوم الرابع والعشرين من فبراير هذا العام. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.