صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

أحيا موتُ ضابط في جهاز الأمن المغربي، أحزانا طافحة بالآلام والانكسار، وقلَّب مواجع دفينة طفت جلية فوق وجوه المغاربة، وبالأخص منهم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الأحياء وذويهم. ذكريات فظيعة موشومة تتمنع على المحو، تجري في العروق مجرى الدم لتصب في الذاكرة والروح، ممتدة كلظى حارق يعلو أمواجا بلا سواحل.

تفاجأ كثيرون أن رئيس "معتقل درب مولاي الشريف"، المتهم بخرق حقوق الإنسان إبان "سنوات الجمر والرصاص"، وأشهر مطور لمناهج التعذيب في المغرب، قد فارق الحياة ولم يمت قبل هذا التاريخ.

وعلق آخرون في إشارة إلى قساوته الشديدة:

 - متى كان المعني حيا، أو كان يملك قلبا يمكن أن تتوقف نبضاته؟ 

تأخر وصول الخبر، ولم ينتشر حتى اليوم الثالث من غيابه، وقد صادف ذكرى جلوس محمد السادس على عرش المملكة.  

كما لم يتسرب الشيء الكثير عن مراسيم الجنازة، سوى صورة راجت على الفيس بوك، لقبر حديث، وضعت فوقه وردة حمراء (!)، مع لوحة حجرية صغيرة، كتب عليها بصباغة زرقاء: تاريخ الدفن واسم الميت مع دعاء له بالرحمة. وجاءت بالشكل التالي:

["28: 7: 2022- الفقيد- قدور اليوسفي- تغمده الله برحمته- الواسعة امن"].. (هكذا). 

ومن المصادفات أن تزامن التاريخ المذكور مع اليوم العالمي لالتهاب الكبد الوبائي، وقد أصيب قدور اليوسفي قُبيْل تقاعده بأمراض عدة، منها التشمع الكبدي.

 لم تصل معلومات عمن مشوا في الجنازة ولا عن مكان الدفن. علما أن الدار البيضاء المدينة الميتروبولية تكثر مدافنها وتتصدر معدل الوفيات في البلاد، وتتوزع مقابرها بين موتى المسلمين واليهود والنصارى. وبعد امتلاء "مقبرة الشهداء"، صار الدفن بها نادرا إلا بتدخلات استثنائية من سلطات ولاية المدينة. كما اقتربت مقبرتا "الرحمة" و"الغفران" من الاكتظاظ الكامل.

من المؤكد أنه قد لا يوافق كثيرون، إذا ما استشيروا، على أن يدفن قدور اليوسفي بمقبرة "الشهداء"، التي تضم رفات شهداء الوطن، والمناضلين من أجل الديمقراطية، وضمنهم من نال منهم الجلاد وعذبهم حتى الهلاك.

ولا يقبلون أن تحتضن مقبرة "الغفران" رفاته، وقد أفلت من العقاب دون اعتذار أو طلب الغفران من ضحاياه...

صرح لنا موظف أمني بأن جثمان قدور اليوسفي دفن بمسقط رأسه مدينة "أوطاط الحاج"، شرق المغرب. (تبعد عن الدار البيضاء بحوالي 600 كلم). في الوقت الذي تردد فيه أيضا احتمال دفنه بمقبرة صغيرة ببلدة بوسكورة بضاحية الدار البيضاء.

وعلى الأرجح أن مراسيم دفن "بطل سنوات الرصاص" تمت سرا وبسرعة، كما لو جرت تحت جنح الظلام.

يقول رجل: "بعد إفلاته من المساءلة والعقاب.. ها هو يحظى في الأخير بقبر معلوم، خلافا للعديد من ضحاياه من مجهولي مصير، ممن لقوا الموت على يديه بعد أن عذبهم بوحشية".

وتضيف امرأة: "لا تجوز الرحمة على من لم تكن في قلوبهم رحمة".

وكتب آخرون على الفيس بوك والتويتر: "إلى الجحيم.. إلى مزبلة التاريخ..". إلى جانب عبارات مماثلة حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتشار نعيه، مع سيل من اللعنات. ولأنَّ "الموت" يكون للإنسان، فقد فضل آخرون هنا تصريف فعل "نَفَقَ" الذي يخص الحيوانات، عوض "مات".

مما دفع البعض إلى التساؤل: "ألهذه الدرجة وصلت حدة التشفي والشماتة والحقد والسخط والغضب، مع رغبة جارفة في الانتقام من شخص قضى، لم يعد له وجود ليدافع عن نفسه".

لا أعتقد أن المغاربة أجمعوا في السابق على موقف مماثل ومشابه...

يحصل هذا بالرغم من انتشار القيم الدينية وثقافة التسامح مع الموتى في المجتمع المغربي، وتداول عبارات مثل "اذكروا محاسن موتاكم"، و"اذكروا موتاكم بخير"، وغيرها من الأحاديث المنسوبة لنبي الإسلام.

بغضب واضح ترد أمينة، وهي ابنة واحد من ضحايا سنوات الرصاص:

- "أي محاسن يا ترى تركها هذا المائت؟ ثم من قال لكم إنه من موتانا حتى نأتي على سيرته بالخير؟!". 

عاش المغاربة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني عقودا ثقيلة تحت وطأة الاستبداد. لقي العديد مصائر مجهولة بالاختفاء القسري. واقتيد الآلاف إلى المعتقلات، السري منها والمعلوم، وتم تعريضهم لصنوف من التعذيب حتى الموت، بـ"هجمية احترافية". وردم آلاف المغدورين في مقابر جماعية، هذا وغيره من الفظائع التي لا يمكن للمرء مشاهدتها سوى في أفلام الرعب السينمائية. كما صدرت أحكام بالإعدام تم تنفيذها في حق معارضين من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ونطقت المحاكم بقرون من السجن في حق الاتحاديين، ومناضلي "إلى الأمام، ومنظمة "23 مارس"، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وبعد فشل انقلابي 1971 و1972، جرى اختطاف مجموعة من العسكريين من السجن المركزي بالقنيطرة وترحيلهم إلى المعتقل السري الرهيب "تازمامارت"، بغاية ألا يغادروه أحياء، وبالفعل مات نصف عددهم. ولم يفرج عن البقية إلا بعد حوالي عقدين من الأعوام. إثرها تم الكشف في التسعينيات عن خريطة جديدة للبلاد مرصعة بعلامات حمراء تشير إلى مواقع المعتقلات السرية، التي ظل النظام ينفي وجودها نفيا قاطعا، مبعدا عنه اتهامات هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي.

رغم فظاعة جحيم "تازمامارت"، مع باقي المعتقلات السرية، فقد حاز المعتقل السري "درب مولاي الشريف" الصدارة، وبرز اسم مديره بين "زملائه" من جلادي سنوات الرصاص. فقدور اليوسفي، وفق ما صرح به حقوقي، لم يقتصر عمله فقط على "درب مولاي الشريف"، بل كان يحرر أحكاما ينطقها قضاة المحاكم ضد المعارضين. وبوصفه من أبرز قادة المخابرات المميزين، قدم خبراته الميدانية في أغلب المعتقلات السرية والعلنية بالمملكة، منها مراكز التعذيب في "دار المقري"، وسراديب "كومسارية المعاريف"، و"الدائرة السابعة" بالدار البيضاء. لقد كان للرجل "دور محوري في الجهاز المافيوزي المكلف بانتهاك خصوصية الأفراد، والاختطاف، والاعتقالات العشوائية، والاحتجاز والتعذيب الذي كثيرا ما أدى إلى وفيات، والإرسال إلى المعاقل السرية التي كانت في الغالب كهوفا للقتل البطيء لا يتوقع أن ينجو منها من دخلها"، كما يؤكد الحقوقي والمعتقل السياسي السابق فؤاد عبد المومني.

 لهذا لا يذكر المعتقل السري "درب مولاي الشريف" إلا مقرونا باسم المسؤول الأول عنه، منعوتا بـ "سيء الذكر"، وما إلى ذلك من قواميس الشتائم والبذاءات.

إننا ولا شك إزاء شخصية استثنائية، بالمعنى السلبي للكلمة، جلاد عذب آلاف الرجال والنساء والأطفال، شخصية تتجاوز أحيانا شخصيات سادية شبيهة عرفها التاريخ. تزخر بكل مقومات العمل الروائي المبهر، بل تصلح لإنجاز فيلم سينمائي ناجح. بهذا الصدد يقترح الأكاديمي والمحلل السياسي د. محمد الشرقاوي، إخراج فيلم بمواصفات هوليودية حول سيرة قدور اليوسفي، فيلم "قد يتجاوز معاناة المحبوسين في سجن "ألكاتراز"، الذي احتكر لقب السمعة السيئة القياسية"، بسردية آسرة حول مغرب الجمر والرصاص، يعرض "يوميات المعاناة وضيق أنفاس مئات ممن مرّوا عبر عتمة درب مولاي الشريف".

ليس من باب المصادفة أن تلجأ واشنطن، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى الاستفادة من "الخبرة المغربية"، وتستأجر من الإدارة العامة لمراقبة التراب المغربي "خدماتها" بالمركز السري في "تمارة" (ضاحية الرباط). وقد كشف الغطاء في 2004 عن وجود معتقلات سرية في المغرب وأوروبا الشرقية، نقل إليها معتقلون للتحقيق معهم في "جرائم الإرهاب الدولي". وتأكد حدوث حالات تعذيب واستنطاق جرت بالمعتقل السري "تمارة"، شملت مغاربة وأجانب نقلوا إلى المغرب بعد إيقافهم في بلدان أخرى، قبل ترحيلهم لاحقا إلى معتقل غوانتانامو.

هو "النبوغ المغربي" بالمقلوب، الذي يعد قدور اليوسفي من أعلامه الكبار في فنون التعذيب، مترجما مقولة جان بول سارتر: "الإنسان هو أكثر الحيوانات فُحشاً وضراوة وجبناً". فقبل حوالي عقد ونصف من إقدام الأميركيين على الاستنجاد بـ"الخبرة المغربية" في التحقيق مع الموقوفين بواسطة الجلد والتعليق والصعق الكهربائي، سعت الدولة المغربية للاستفادة من خبرة قدور اليوسفي، حين وضعته ضمن الوفد الرسمي المشارك في المؤتمر الدولي لمناهضة التعذيب سنة 1995. لكن المفاجأة التي لم تكن السلطات العليا في المغرب وضعتها بالحسبان كانت بالانتظار، لما كُشِفَت هوية الجلاد الخطير، رئيس أكبر مراكز التعذيب في المغرب، متخفيا وراء قناع حقوقي متمرس، بقبعة دبلوماسي هادئ ولبق يرطن بلغة أناتول ديبلار (أشهر جلاد فرنسي في القرن العشرين)، ومتأهب للدفاع عن المغرب "الذي يلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان ويجرم التعذيب والاختطاف والاحتجاز!".

حضر المؤتمر منظمات غير حكومية مع بعض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. يومها تكفل إدريس بنزكري المعتقل السياسي السابق، (سيرأس لاحقا هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب)، ورفيقه جمال بنعمر، أيضا معتقل سياسي سابق، ودبلوماسي لاحقا بالأمم المتحدة، (عمل وسيطا أمميا في الأزمة اليمنية).

وكانت "فضيحة بجلاجل" كما يقولون في مصر، وهزيمة دبلوماسية قاسية لمن كان ينتظر في الرباط تلقي ورود تثني على جهود مزعومة تبذلها الدولة "من أجل ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المغرب".

في اتصال خاص، يستعيد الحقوقي المغربي الحبيب بلكوش القصة ويختصرها:

"بخصوص حكاية إشراك قدور اليوسفي في مؤتمر جنيف، كنت شاهدا وفاعلا في لحظة الحدث، كمسؤول في المكتب الوطني للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ورفيقٍ متطوع لإدريس بنزكري في إدارة مقر المنظمة بالرباط. وكانت أول مرة يتم فيها اعتماد إدريس بنزكري لتمثيل المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أمام لجنة مناهضة التعذيب في جنيف، حيث قدمت المنظمة تقريرا موازيا لتقرير الحكومة المغربية. في صباح ذلك اليوم بعث لي إدريس بنزكري فاكس يخبرني فيه أن قدور اليوسفي يوجد ضمن الوفد الحكومي للدفاع عن التقرير الرسمي، وأنه تأكد من الأمر مع جمال بن عمر، الذي كان يشتغل وقتها بلجنة حقوق الإنسان بجنيف. أخبرتُ رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان آنذاك، الأستاذ عبد العزيز بناني، وبعد أن تداولنا الأمر مع أعضاء المكتب الوطني للمنظمة، قررنا إصدار بيان خاص، هو الذي اعتمدته المنظمات الدولية، وأصدرت إثره في نفس اليوم بيانات تضامن ومساندة في الموضوع، ثم طرح البعض تحريك المتابعة في حق الجلاد قدور اليوسفي، الذي اختفى وغادر في نفس اليوم جنيف".

هكذا انتصر الضحايا على الجلاد.

ومن تداعيات القضية، احتجاج اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب على "الإهانة"، والإحراج الكبير للحكومة المغربية، واضطرارها لتقديم اعتذار رسمي واضح.

نكأت وفاة قدور اليوسفي الجراحات الغائرة، فرفعت لجنة التنسيق لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري بالمغرب مطلب "الإسراع بإقرار الآلية الوطنية المستقلة للحقيقة قبل وفاة كل المتورطين في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب وفي مقدمتهم الجلادين". والقطيعة النهائية مع الاعتقال السياسي.

فهل فعلا اختفى شبح اليوسفي قدور بموته الأبدي؟ 

تصل الإجابة مشتعلة بحرائق النفي. ما دام الإفلات من العقاب قائما يشجع على تكرار الانتهاكات، وما دامت الدولة توفر الحصانة للجلادين، وما دام تلامذة نجباء يكملون ما بدأه "معلمهم" قدور، يؤسسون لفصل جديد من "سنوات الرصاص"، ويعيدون إنتاج ممارسات القمع بتقنيات جديدة ومتجددة، كتلك التي ذكرتها "هيومان رايت ووتش" مؤخرا...

في أخريات أيامه، حاول الجلاد أن يفتش عن مجد يداري به هزيمته، بعد أن نبذه الجميع، فلم يعثر سوى على جسده الكسيح، وقد صار ثقيلا عليه أكثر مما أضحى عبئا على من انتهى بين أيديهم، شخص هرم مريض مصاب بالخرف.

من شاهدوه سنة 2019 بمسقط رأسه بأوطاط الحاج، يروون أنه "كان يجلس فوق كرسي متحرك تدفعه امرأه، وكلما دنا منه شخص يحاول قدور، وهو يبكي، الإمساك بيده لتقبيلها طالبا منه الصفح". لقد صار الجلاد يعتقد أنه أوقع الأذى والعذاب بكل الناس، وليس بضيوفه فقط في "درب مولاي الشريف". لكنها هي الحقيقة الساطعة التي ليست في حاجة لشروح.

هكذا، لا يصدق الجلاد كيف يتحول في النهاية هو أيضا إلى ضحية... فيصاب بالذعر والخرف وبالجنون.. ويموت وحيدا ويندم...

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!