العراق إلى أين؟
العراق إلى أين؟

الفوضى والعبثية التي تمارسها الطبقة السياسية في العراق لم تعد تقف عن حدٍ معين، إنما باتت تمتد إلى العبث بكل ركائز ومفاهيم النظام الديمقراطي. إذ تريد الطبقة الحاكمة التعاطي مع الديمقراطية على وفق مزاجياتها، فالانتخابات يُنظر لها من منظور التطابق أو التعارض مع مزاج الزعمات السياسية! إذا كانت الرابحة فيها، عندئذ تكون نزيهة ونتائجها تعبر عن إرادة الشعب، وفي حالة خسارة المقاعد تكون مزوّرة، وتم التلاعب بها لتنفيذ مؤامرات خارجية.

في العراق فقط، تسمع نظريات ودعوات تريد التحايل على الانتخابات، ولا تريد أن تكون نتائجها هي الأساس في تشكيل الحكومة وتقاسم السلطة، وإنما يجب أن يكون المعيار هو (الأوزان السياسية) وليس الأوزان الانتخابية! ولا يريد عباقرة هذا الطرح الإجابة عن سؤال محوري: ما الفائدة من الانتخابات إذا كانت منظومة الحكم قائمة على أساس الأوزان السياسية وليس نتائج الانتخابات؟ 

لا تريد الطبقة السياسية في العراق الاعتراف بأن مصداقية الانتخابات لا تقف عن حدود نزاهتها، بل هي رهن قدرتها على إقناع المواطن بأنها قادرة على التغيير السياسي أو تغيير الطبقة الحاكمة. أو كما يقول مهاتير محمد: ينبغي للديمقراطية أن تمنع قائدًا سيئاً من البقاء في السلطة. أما انتخاباتنا فيتم التحايل عليها من خلال الزعامات السياسية التي تعتقد أن رمزيتها أعلى من إرادة الجمهور.

والقادة السيئون والفاشلون لا يدخلون الانتخابات لكنهم الفاعلون الأقوى في منظومة الحكم.  

الانتخابات في العراق لم تعد تملك حلاً لأزمة النظام السياسي الذي فشل حتى في احتواء الصراعات السياسية، لأنّ المأزق السياسي في العراق هو نتاج منظومة حاكمة تريد إعادة تدوير نفسها من خلال طرح مبادرات ودعوات لمرحلة انتقالية، وذلك يعني الهروب من الاستحقاقات السياسية التي تستوجب استعادة ثقة الجمهور بالنظام السياسي والشروع نحو إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها. 

الأزمة السياسية في العراق لا يمكن أن تُحل بالذهاب نحو حل البرلمان والانتخابات المبكرة، لأنها نتاج لشخصنة الخلافات بين الزعامات السياسية، وانتقلنا من مرحلة التوافق على قبول تقاسم مغانم السلطة بين الشركاء- الأعداء، إلى رفض تلك المعادلة والبدء بتصفية الحسابات مع الخصوم والإعلان الصريح عن الرغبة بتصفية الحسابات واقصائهم عن المشهد السياسي.

إنّ دعوة مقتدى الصدر الأخيرة إلى الذهاب نحو انتخابات مبكرة، تواجهها عقبات إجرائية، إذ قبل الذهاب نحو حل البرلمان يحتاج أولاً حسم موضوع حكومة الكاظمي، وتشكيل حكومة جديدة بصلاحيات كاملة لإعداد الموازنة المالية التي يتم فيها تخصيص تكاليف إجراء الانتخابات، وقبل هذا يحتاج التصويت على مفوضية جديدة للانتخابات، والاتفاق على شكل النظام الانتخابي الذي تتعالى الأصوات المعترضة عليه.

ربما لم يكن قرار مقتدى الصدر باستقالة نوابه من البرلمان قرارًا مدروسًا ومخططًا له؛ لأن الصدر فقد القدرة على المناورة السياسية من داخل البرلمان، وأعطى فرصة لخصومه للانفراد بتشكيل الحكومة، وبقي يحتفظ بالقدرة على التحشيد الاحتجاجي. ومشكلة الاحتجاجات في العراق بأنها تبدأ قوية لكنها تفقد بريقها عندما لا يتم تحديد أهدافها الرئيسة وخطوات الانتقال نحو التصعيد وتتحول إلى عمل روتيني تتلاشى قوته بمرور الأيام. 

وقد يحسب إلى الصدر تمسكه بمبدأ تشكيل حكومة الأغلبية، ولكن كان يمكن للصدر الابقاء على تواجده داخل البرلمان، ويفرض التوافق على تغير النظام السياسي والدستور للشراكة مع حلفائه وخصومه في تشكيل الحكومة. وبذلك كان بإمكانه أن يُحرجهم أمام الشارع، ويكسب الكثير من تعاطف الجمهور والنخب بدعوته لتحقيق الثورة من الداخل على فشل النظام السياسي.

بالمقابل، لا تريد الطبقة السياسية في العراق التفكير بحلول لأزمات النظام السياسي وتلاشي ملامح الدولة، ودليل ذلك الهروب من مواجهة الاعتراف بالتعفّن الذي أصاب النظام السياسي، بالمبادرات التي تدعو الفرقاء السياسيين إلى الجلوس على طاولة الحوار. فأي حوار يمكن أن ينتح حلولًا حقيقة، وهو يتم بين أطراف سياسية وجودها أصلاً هو المشكلة بذاتها!

والانتخابات المبكرة، أيضاً، لا تملك حلاً سحرياً لهذا النظام، ولكنها تمدّ بعمر منظومة الحكم التي شاخت وباتت عاجزة عن الاستجابة لواقع التغيير، وتريد إبقاء الوضع السياسي على ما هو عليه من فوضى وفشل وفساد، والهروب من استحقاقات كثيرة يطالب بها الشارع. 

ورغم إيماني بأن الانتخابات هي الفرصة والحل الوحيد لإحداث التغيير السياسي في العراق، لكنّ الدعوة إلى الانتخابات المبكرة من دون أن تتم في بيئة سياسية تنافسية صحيحة، وأن تحظى بأعلى مستوى من المشاركة والرضى بنتائجها، تبقى نوعًا من العبث السياسي والرغبة بتحقيق مصالح ضيقة تستهدف الإبقاء على حكومة الكاظمي، باعتبارها ضامنة لديمومة منافع ومكاسب لزعامات وشخصيات سياسية محددة.

إذاً، الانتخابات المبكرة لا تملك حلاً وإنما تدخل البلاد في دوامة عدم الاستقرار السياسي، وتتحول إلى سلاح بيد الفرقاء السياسيين، يستخدمونه متى تضررت مصالحهم. لا سيما أن مشكلة في ثقافتنا السياسية  التي بلغت حدًا من الغرق في الوهم الخطابي، بحيث ما عاد ممكنا قياس حجم التناقضات بين القول والفعل أو فهم المعايير السائدة في التقويم مع احتدام الخطاب الغريزي والعاطفي. لذلك لا يمكننا الراهن على أن التغيير الحقيقي يأتي عن طريق طبقة حاكمة تتعامل مع الانتخابات بمزاجية ومصلحية ولا تعرف الثبات على موقف سياسي، ولا تؤمن بترسيخ نفوذها عن طريق الولاء الخارجي وسطوة السلاح المنفلت. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.