الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن

من الصعب على أي رئيس أميركي أن ينظر إلى المستقبل بارتياح، حين يجد أن شعبيته بقيت على مدى أشهر تتراوح بين الأربعين بالمئة وما دون، خاصة أن ما يفصله عن الانتخابات النصفية هو أقل من مئة يوم. ولكن الإنجازات والانتصارات الخارجية والداخلية التي أحرزها الرئيس بايدن وحزبه الديمقراطي خلال الأسبوع الماضي غيّرت  من طبيعة السردية المتشائمة التي التصقت به وبمستقبله منذ سنة، وتحديدا منذ الانسحاب العسكري الفوضوي والدموي من أفغانستان.

وخلال أيام قليلة أعلن بايدن عن عملية عسكرية سرية أدت الى مقتل أيمن الظواهري زعيم تنظيم "القاعدة" الإرهابي في قلب العاصمة الافغانية كابول، في انتصار واضح للاستخبارات الأميركية، وتأكيد جديد بأن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على مكافحة الإرهاب في أفغانستان دون أن يكون لها قوات على الأرض. هكذا بدأ بايدن أول يوم له الأسبوع الماضي.

في اليوم التالي، وقّع بايدن على قانون أقره الكونغرس، بدعم من الحزبين، يقضي بتخصيص 52 مليار دولار لتحفيز صناعة شرائح الكومبيوتر وأشباه الموصلات الضرورية للصناعات المتطورة من عسكرية ومدنية، التي اكتشفت الولايات المتحدة خلال عرقلة الحركة التجارية الدولية التي تسببت بها جائحة كورونا، مدى اعتمادها على دول اخرى وأبرزها تايوان لتوفير هذه المنتجات المتطورة.

وفي اليوم ذاته رفع مجلس الشيوخ إلى الرئيس بايدن مشروع قانون جديدا لتوفير خدمات صحية إضافية لآلاف الجنود الأميركيين الذين تعرضوا لعوارض كيماوية خلال خدمتهم في أفغانستان والعراق، بعدما عارضه الجمهوريون مؤقتا، مما عرضهم إلى انتقادات قوية من قبل المنظمات المعنية بقدماء المحاربين.

واعتبرت الخطوة إنجازا للرئيس بايدن والديموقراطيين. وأعطى يوم الثلاثاء انتصارا انتخابيا للحزب الجمهوري حين صوتت ولاية كنساس المحافظة تقليديا، بنسبة عالية، ضد مشروع محلي يقضي عمليا بتحريم الاجهاض.

قرار هذه الولاية المحافظة هو موقف مشجع للحزب الديمقراطي الذي يريد استخدام قرار المحكمة العليا بإلغاء القانون الذي كان يسمح للمرأة بحق الإجهاض، الذي حظي بدعم كبير من الجمهوريين كحافز لتعبئة الناخبين (وخاصة الناخبات المستقلات) ضد مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية.

ويوم الجمعة، فوجئ البيت الأيض ومعظم الخبراء الماليين والاقتصاديين بإحصائيات جديدة بشأن معدلات التوظيف أظهرت خلق 528 ألف وظيفة خلال شهر يوليو، وهو ضعف الرقم الذي توقعته وزارة العمل، الأمر الذي قلّص معدل البطالة إلى 3.5 بالمئة وهو أدنى رقم منذ وصول بايدن إلى البيت الأبيض، ويعادل معدل البطالة قبل بداية الجائحة والأزمة الاقتصادية التي صاحبتها.

واعتبرت هذه الإحصائيات دليلا جديدا على استمرارية حيوية الاقتصاد الأميركي على الرغم من القلق المستمر من معدلات التضخم وهو ما يشعر به المستهلك والناخب الأميركي كلما تزود بالوقود أو اشترى الأغذية.

وفي هذا السياق، ذّكر الرئيس بايدن وكبار مساعديه المواطنين الأميركيين الأسبوع الماضي أن أسعار الوقود مستمرة بالانخفاض منذ أكثر من خمسين يوما، وأنها انخفضت بحوالي دولار واحد للغالون منذ منتصف يونيو الماضي، حين زاد سعر الغالون الواحد عن 5 دولارات.

وأنهى بايدن وحزبه الديموقراطي أسبوعه الحافل بهذه الإنجازات بعد ظهر الأحد، حين صوت مجلس الشيوخ بأصوات أعضائه الديموقراطيين الخمسين (الذين أعطتهم نائبة الرئيس كامالا هاريس الاكثرية البسيطة) على أحد أهم مشاريع القوانين التي كانت في صلب خطط بايدن الاقتصادية والمعروف باسم "قانون تخفيض التضخم"، والقاضي بتخصيص ميزانية ضخمة لمكافحة التغيير البيئي والاحتباس الحراري، تصل إلى 370 مليار دولار وتخفيض أسعار الأدوية للمسنين ووضع سقف سنوي لقيمة هذه الأدوية لا يتعدى ألفي دولار، وتخصيص 64 مليار دولار لتوفير الضمان الصحي لحوالي 13 مليون أميركي من ذوي الدخل المحدود.

وتعتبر الميزانية المخصصة لمكافحة الآثار السلبية للتغيير البيئي أكبر ميزانية في تاريخ الولايات المتحدة لمثل هذا الهدف.

وسوف يتم تمويل هذه الخطة من خلال فرض حد أدنى من الضرائب على الشركات الكبيرة، يصل إلى 15 بالمئة.

وعلّق الرئيس بايدن على إقرار الخطة قائلا إن الأعضاء الديموقراطيين في مجلس الشيوخ "وقفوا إلى جانب العائلات الأميركية وليس إلى جانب المصالح الخاصة وصوتوا لتخفيض أسعار الأدوية وتوفير الضمان الصحي وتخفيض أسعار الطاقة وتخفيض العجز في الميزانية، وأخيرا أرغموا الشركات الكبيرة على دفع حصتها العادلة من الضرائب".

ولاحظ بايدن أن الخطة "أقرت أكبر استثمار في مكافحة الأزمة الوجودية التي يمثلها التغيير البيئي". بيان بايدن مصمم ضمنا لمناشدة الناخبين للتصويت لمرشحي الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل.

لا شك أن الأسبوع الماضي كان من أفضل الأسابيع للرئيس بايدن وفريقه منذ وصولهم إلى البيت الأبيض، ولكن هذه الإنجازات لا تلغي حقيقة أن الاقتصاد الأميركي لا يزال يواجه التحدي العنيد الذي تمثله معدلات التضخم العالية، على الرغم من الانحسار الملحوظ في أسعار الوقود، إضافة إلى التحديات الأخرى التي لا تزال تواجهها التجارة الدولية بسبب مضاعفات جائحة كورونا.

داخليا لا تزال البلاد تعاني من الانقسامات والاستقطابات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي تنعكس سلبا على السجال السياسي وحتى على المعدلات العالية  للجريمة. على الصعيد الخارجي هناك توترات كبيرة في العلاقات مع روسيا ومع الصين ليست مرشحة لحلول في المستقبل القريب.

ولكن  إنجازات الاسبوع الماضي سوف توفر لبايدن وللحزب الديموقراطي فرصة جديدة ومعطيات جديدة لسردية سياسية متفائلة أكثر مما كان متوفرا للديمقراطيين خلال السنة الماضية. في الأيام الماضية تصرف الديموقراطيون وكأن الروح قد عادت إلى إدارة الرئيس بايدن بعد أن هجرتها لأشهر طويلة. 

المشكلة التي يواجهها الرئيس بايدن وحزبه، أن بعض هذه الإنجازات ومن بينها "قانون تخفيض التضخم" ليس من المتوقع أن تترجم عمليا في المستقبل القريب أو بطريقة يشعر بها الناخب الأميركي قبل الانتخابات النصفية.

وهذا يعني أن التحدي الآني لبايدن وحزبه هي في شرح فوائد هذه الإنجازات وبوضوح للناخبين، وخاصة الناخبين المستقلين الذين سيحسمون نتائج الانتخابات.

ما هو مؤكد أن هذه الإنجازات وخاصة قانون تخفيض التضخم، ومعدلات التوظيف والانخفاض الملحوظ في معدلات البطالة، كلها عوامل وضعت الحزب الجمهوري وقياداته في موقع دفاعي قبل تسعين يوما من الانتخابات النصفية. هذه الإنجازات وغيرها من التطورات الانتخابية، خلقت توقعات انتخابية مختلفة عن التوقعات التي كانت سائدة حتى قبل ثلاثة أشهر.

وعلي سبيل المثال لم يعد هناك تسليم في أوساط المحللين الانتخابيين بأن الجمهوريين باتوا على مقربة من استعادة سيطرتهم على مجلس الشيوخ، لا بل هناك مؤشرات تبين أن فرص الديمقراطيين بالحفاظ على أكثريتهم البسيطة، أو ربما زيادتها بصوت أو اثنين في مجلس الشيوخ، قد تحسنت في الأسابيع والأيام الماضية. والصورة معقدة أكثر بالنسبة لمستقبل مجلس النواب.

المفارقة أن هذا المشهد السياسي والانتخابي الديمقراطي الإيجابي نسبيا، لا يعني بالضرورة أنه سيؤدي إلى تغيير كبير في شعبية الرئيس، وإن كان بالإمكان أن يرفع من نسبة المؤيدين لأداء بايدن.

وأي تحسن في نسبة تأييد بايدن في أوساط الرأي العام، لن تؤدي بالضرورة إلى طمس أو تحييد التحفظات أو المعارضة داخل الحزب الديمقراطي لقرار الرئيس بايدن الترشح مرة اخرى للرئاسة في 2024، خاصة أن استطلاعات الرأي تبين بوضوح أن أكثرية من الناخبين الديمقراطيين تؤيد ترشح ديمقراطي آخر.

الأحد، كتبت المعلقة مورين داود في صحيفة نيويورك تايمز مقالا لخص مشاعر تلك العينة من الديمقراطيين النافذين الذين يريدون مرشحا ديمقراطيا أصغر سنا من بايدن .

ورأت مورين داود أن بايدن كان رئيسا لمرحلة انتقالية بعد الولاية المضطربة والخطيرة للرئيس السابق ترامب، وأضافت أن الإنجازات الأخيرة لبايدن، تؤكد أنه وفى بوعوده الانتخابية واعاد الثقة والاحترام إلى البيت الأبيض بعد حقبة ترامب، وأن الوقت حان له لأن يعلن أنه لن يترشح لولاية ثانية وأن يفعل ذلك وهو في أفضل وضع له، واأ يحرر نفسه من متطلبات ومساومات السنتين المقبلتين وأن يحاول تحقيق ما تبقى من برامجه قبل أن يتنحى لمرشح ديمقراطي آخر.

ما كتبته مورين داود هو ما يقوله همسا بعض أقطاب الحزب الديمقراطي الذين يريدون مرشحا جديدا يفرض تحديا مختلفا على قيادات الحزب الجمهوري، خاصة إذا فرض الرئيس السابق ترامب نفسه مرة اخرى على القيادات الجمهورية وفاز بترشيح الحزب لولاية جديدة.

لا يوجد هناك قائد ديمقراطي يطرح نفسه بديلا عن الرئيس بايدن، وليس من السهل على أي مرشح ديمقراطي تحدي الرئيس بايدن إذا قرر بالفعل أن يترشح لولاية ثانية.

آخر مرة تحدى فيها مرشح ديمقراطي رئيسا ديمقراطيا كانت عندما ترشح السناتور إدوارد كينيدي ضد الرئيس جيمي كارتر للحصول على ترشيح الحزب.

السناتور كينيدي أخفق في الحصول على ترشيح الحزب، كما أخفق الرئيس كارتر بالتجديد لنفسه لولاية ثانية.

ولكن إذا أعلن بايدن – بعد الانتخابات النصفية -  أنه لن يسعى إلى ولاية ثانية، فإن ذلك سيعطي الديمقراطيين سنتين أو اقل لاختيار المرشح البديل.

الموسم الانتخابي الأميركي موسم طويل ولا مثيل له في العالم. وأحيانا في هذا الموسم الطويل يبدو الشهر – ناهيك عن السنة – بمثابة أبدية لا أحد يعرف ما يحدث فيها أو يقدر على التنبؤ بما ستجلبه من تطورات ومفاجآت.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!