الرئيس الأميركي جو بايدن
الرئيس الأميركي جو بايدن

من الصعب على أي رئيس أميركي أن ينظر إلى المستقبل بارتياح، حين يجد أن شعبيته بقيت على مدى أشهر تتراوح بين الأربعين بالمئة وما دون، خاصة أن ما يفصله عن الانتخابات النصفية هو أقل من مئة يوم. ولكن الإنجازات والانتصارات الخارجية والداخلية التي أحرزها الرئيس بايدن وحزبه الديمقراطي خلال الأسبوع الماضي غيّرت  من طبيعة السردية المتشائمة التي التصقت به وبمستقبله منذ سنة، وتحديدا منذ الانسحاب العسكري الفوضوي والدموي من أفغانستان.

وخلال أيام قليلة أعلن بايدن عن عملية عسكرية سرية أدت الى مقتل أيمن الظواهري زعيم تنظيم "القاعدة" الإرهابي في قلب العاصمة الافغانية كابول، في انتصار واضح للاستخبارات الأميركية، وتأكيد جديد بأن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على مكافحة الإرهاب في أفغانستان دون أن يكون لها قوات على الأرض. هكذا بدأ بايدن أول يوم له الأسبوع الماضي.

في اليوم التالي، وقّع بايدن على قانون أقره الكونغرس، بدعم من الحزبين، يقضي بتخصيص 52 مليار دولار لتحفيز صناعة شرائح الكومبيوتر وأشباه الموصلات الضرورية للصناعات المتطورة من عسكرية ومدنية، التي اكتشفت الولايات المتحدة خلال عرقلة الحركة التجارية الدولية التي تسببت بها جائحة كورونا، مدى اعتمادها على دول اخرى وأبرزها تايوان لتوفير هذه المنتجات المتطورة.

وفي اليوم ذاته رفع مجلس الشيوخ إلى الرئيس بايدن مشروع قانون جديدا لتوفير خدمات صحية إضافية لآلاف الجنود الأميركيين الذين تعرضوا لعوارض كيماوية خلال خدمتهم في أفغانستان والعراق، بعدما عارضه الجمهوريون مؤقتا، مما عرضهم إلى انتقادات قوية من قبل المنظمات المعنية بقدماء المحاربين.

واعتبرت الخطوة إنجازا للرئيس بايدن والديموقراطيين. وأعطى يوم الثلاثاء انتصارا انتخابيا للحزب الجمهوري حين صوتت ولاية كنساس المحافظة تقليديا، بنسبة عالية، ضد مشروع محلي يقضي عمليا بتحريم الاجهاض.

قرار هذه الولاية المحافظة هو موقف مشجع للحزب الديمقراطي الذي يريد استخدام قرار المحكمة العليا بإلغاء القانون الذي كان يسمح للمرأة بحق الإجهاض، الذي حظي بدعم كبير من الجمهوريين كحافز لتعبئة الناخبين (وخاصة الناخبات المستقلات) ضد مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية.

ويوم الجمعة، فوجئ البيت الأيض ومعظم الخبراء الماليين والاقتصاديين بإحصائيات جديدة بشأن معدلات التوظيف أظهرت خلق 528 ألف وظيفة خلال شهر يوليو، وهو ضعف الرقم الذي توقعته وزارة العمل، الأمر الذي قلّص معدل البطالة إلى 3.5 بالمئة وهو أدنى رقم منذ وصول بايدن إلى البيت الأبيض، ويعادل معدل البطالة قبل بداية الجائحة والأزمة الاقتصادية التي صاحبتها.

واعتبرت هذه الإحصائيات دليلا جديدا على استمرارية حيوية الاقتصاد الأميركي على الرغم من القلق المستمر من معدلات التضخم وهو ما يشعر به المستهلك والناخب الأميركي كلما تزود بالوقود أو اشترى الأغذية.

وفي هذا السياق، ذّكر الرئيس بايدن وكبار مساعديه المواطنين الأميركيين الأسبوع الماضي أن أسعار الوقود مستمرة بالانخفاض منذ أكثر من خمسين يوما، وأنها انخفضت بحوالي دولار واحد للغالون منذ منتصف يونيو الماضي، حين زاد سعر الغالون الواحد عن 5 دولارات.

وأنهى بايدن وحزبه الديموقراطي أسبوعه الحافل بهذه الإنجازات بعد ظهر الأحد، حين صوت مجلس الشيوخ بأصوات أعضائه الديموقراطيين الخمسين (الذين أعطتهم نائبة الرئيس كامالا هاريس الاكثرية البسيطة) على أحد أهم مشاريع القوانين التي كانت في صلب خطط بايدن الاقتصادية والمعروف باسم "قانون تخفيض التضخم"، والقاضي بتخصيص ميزانية ضخمة لمكافحة التغيير البيئي والاحتباس الحراري، تصل إلى 370 مليار دولار وتخفيض أسعار الأدوية للمسنين ووضع سقف سنوي لقيمة هذه الأدوية لا يتعدى ألفي دولار، وتخصيص 64 مليار دولار لتوفير الضمان الصحي لحوالي 13 مليون أميركي من ذوي الدخل المحدود.

وتعتبر الميزانية المخصصة لمكافحة الآثار السلبية للتغيير البيئي أكبر ميزانية في تاريخ الولايات المتحدة لمثل هذا الهدف.

وسوف يتم تمويل هذه الخطة من خلال فرض حد أدنى من الضرائب على الشركات الكبيرة، يصل إلى 15 بالمئة.

وعلّق الرئيس بايدن على إقرار الخطة قائلا إن الأعضاء الديموقراطيين في مجلس الشيوخ "وقفوا إلى جانب العائلات الأميركية وليس إلى جانب المصالح الخاصة وصوتوا لتخفيض أسعار الأدوية وتوفير الضمان الصحي وتخفيض أسعار الطاقة وتخفيض العجز في الميزانية، وأخيرا أرغموا الشركات الكبيرة على دفع حصتها العادلة من الضرائب".

ولاحظ بايدن أن الخطة "أقرت أكبر استثمار في مكافحة الأزمة الوجودية التي يمثلها التغيير البيئي". بيان بايدن مصمم ضمنا لمناشدة الناخبين للتصويت لمرشحي الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل.

لا شك أن الأسبوع الماضي كان من أفضل الأسابيع للرئيس بايدن وفريقه منذ وصولهم إلى البيت الأبيض، ولكن هذه الإنجازات لا تلغي حقيقة أن الاقتصاد الأميركي لا يزال يواجه التحدي العنيد الذي تمثله معدلات التضخم العالية، على الرغم من الانحسار الملحوظ في أسعار الوقود، إضافة إلى التحديات الأخرى التي لا تزال تواجهها التجارة الدولية بسبب مضاعفات جائحة كورونا.

داخليا لا تزال البلاد تعاني من الانقسامات والاستقطابات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي تنعكس سلبا على السجال السياسي وحتى على المعدلات العالية  للجريمة. على الصعيد الخارجي هناك توترات كبيرة في العلاقات مع روسيا ومع الصين ليست مرشحة لحلول في المستقبل القريب.

ولكن  إنجازات الاسبوع الماضي سوف توفر لبايدن وللحزب الديموقراطي فرصة جديدة ومعطيات جديدة لسردية سياسية متفائلة أكثر مما كان متوفرا للديمقراطيين خلال السنة الماضية. في الأيام الماضية تصرف الديموقراطيون وكأن الروح قد عادت إلى إدارة الرئيس بايدن بعد أن هجرتها لأشهر طويلة. 

المشكلة التي يواجهها الرئيس بايدن وحزبه، أن بعض هذه الإنجازات ومن بينها "قانون تخفيض التضخم" ليس من المتوقع أن تترجم عمليا في المستقبل القريب أو بطريقة يشعر بها الناخب الأميركي قبل الانتخابات النصفية.

وهذا يعني أن التحدي الآني لبايدن وحزبه هي في شرح فوائد هذه الإنجازات وبوضوح للناخبين، وخاصة الناخبين المستقلين الذين سيحسمون نتائج الانتخابات.

ما هو مؤكد أن هذه الإنجازات وخاصة قانون تخفيض التضخم، ومعدلات التوظيف والانخفاض الملحوظ في معدلات البطالة، كلها عوامل وضعت الحزب الجمهوري وقياداته في موقع دفاعي قبل تسعين يوما من الانتخابات النصفية. هذه الإنجازات وغيرها من التطورات الانتخابية، خلقت توقعات انتخابية مختلفة عن التوقعات التي كانت سائدة حتى قبل ثلاثة أشهر.

وعلي سبيل المثال لم يعد هناك تسليم في أوساط المحللين الانتخابيين بأن الجمهوريين باتوا على مقربة من استعادة سيطرتهم على مجلس الشيوخ، لا بل هناك مؤشرات تبين أن فرص الديمقراطيين بالحفاظ على أكثريتهم البسيطة، أو ربما زيادتها بصوت أو اثنين في مجلس الشيوخ، قد تحسنت في الأسابيع والأيام الماضية. والصورة معقدة أكثر بالنسبة لمستقبل مجلس النواب.

المفارقة أن هذا المشهد السياسي والانتخابي الديمقراطي الإيجابي نسبيا، لا يعني بالضرورة أنه سيؤدي إلى تغيير كبير في شعبية الرئيس، وإن كان بالإمكان أن يرفع من نسبة المؤيدين لأداء بايدن.

وأي تحسن في نسبة تأييد بايدن في أوساط الرأي العام، لن تؤدي بالضرورة إلى طمس أو تحييد التحفظات أو المعارضة داخل الحزب الديمقراطي لقرار الرئيس بايدن الترشح مرة اخرى للرئاسة في 2024، خاصة أن استطلاعات الرأي تبين بوضوح أن أكثرية من الناخبين الديمقراطيين تؤيد ترشح ديمقراطي آخر.

الأحد، كتبت المعلقة مورين داود في صحيفة نيويورك تايمز مقالا لخص مشاعر تلك العينة من الديمقراطيين النافذين الذين يريدون مرشحا ديمقراطيا أصغر سنا من بايدن .

ورأت مورين داود أن بايدن كان رئيسا لمرحلة انتقالية بعد الولاية المضطربة والخطيرة للرئيس السابق ترامب، وأضافت أن الإنجازات الأخيرة لبايدن، تؤكد أنه وفى بوعوده الانتخابية واعاد الثقة والاحترام إلى البيت الأبيض بعد حقبة ترامب، وأن الوقت حان له لأن يعلن أنه لن يترشح لولاية ثانية وأن يفعل ذلك وهو في أفضل وضع له، واأ يحرر نفسه من متطلبات ومساومات السنتين المقبلتين وأن يحاول تحقيق ما تبقى من برامجه قبل أن يتنحى لمرشح ديمقراطي آخر.

ما كتبته مورين داود هو ما يقوله همسا بعض أقطاب الحزب الديمقراطي الذين يريدون مرشحا جديدا يفرض تحديا مختلفا على قيادات الحزب الجمهوري، خاصة إذا فرض الرئيس السابق ترامب نفسه مرة اخرى على القيادات الجمهورية وفاز بترشيح الحزب لولاية جديدة.

لا يوجد هناك قائد ديمقراطي يطرح نفسه بديلا عن الرئيس بايدن، وليس من السهل على أي مرشح ديمقراطي تحدي الرئيس بايدن إذا قرر بالفعل أن يترشح لولاية ثانية.

آخر مرة تحدى فيها مرشح ديمقراطي رئيسا ديمقراطيا كانت عندما ترشح السناتور إدوارد كينيدي ضد الرئيس جيمي كارتر للحصول على ترشيح الحزب.

السناتور كينيدي أخفق في الحصول على ترشيح الحزب، كما أخفق الرئيس كارتر بالتجديد لنفسه لولاية ثانية.

ولكن إذا أعلن بايدن – بعد الانتخابات النصفية -  أنه لن يسعى إلى ولاية ثانية، فإن ذلك سيعطي الديمقراطيين سنتين أو اقل لاختيار المرشح البديل.

الموسم الانتخابي الأميركي موسم طويل ولا مثيل له في العالم. وأحيانا في هذا الموسم الطويل يبدو الشهر – ناهيك عن السنة – بمثابة أبدية لا أحد يعرف ما يحدث فيها أو يقدر على التنبؤ بما ستجلبه من تطورات ومفاجآت.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.