نتائج هذه الجولة التفاوضية النووية في فيينا قد لا تختلف عن ما سبقها
نتائج هذه الجولة التفاوضية النووية في فيينا قد لا تختلف عن ما سبقها

عاد الطرفان الإيراني والأميركي بوساطة أوروبية إلى فيينا، المكان الأول الذي انطلقت منه المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة دول 5+1 ووُقع فيه الاتفاق الاول سنة 2015 وانسحب منه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. 

ومنذ خروج ترامب من البيت الأبيض بعد خسارته الانتخابات أمام الديمقراطيين باعتبارهم الأب الروحي للاتفاق النووي، وقرار إدارة الرئيس بايدن استئناف المفاوضات النووية مع طهران عام 2021 لم تستطيع أطراف المفاوضات التوصل إلى حل مُرض للطرفين (الأميركي والإيراني)، لذلك ليس بالضرورة أن تكون العودة  إلى مكان المفاوضات الأول أي فيينا أن تكون عاملا إيجابيا يساعد على إحداث اختراق في هذه الجولة التفاوضية، فما يجري الحديث عنه داخل الأروقة المغلقة وفقا لبعض التسريبات الموثوقة لا يختلف عما قيل أو قدم في أماكن أخرى بديلة جرت فيها مفاوضات علنية أو سرية، مباشرة أو غير مباشرة، ثنائية بين طهران وواشنطن أو متعددة دخل عليها أطراف أوروبية أو وسطاء إقليميون.

الأرجح أن العودة إلى فيينا أقرب إلى العودة من حيث انتهت الجولات التفاوضية السابقة، التي تعطلت عندما لامست قضايا جوهرية لدى الطرفين، ولكن هذه المرة يبدو أن طهران ترغب في إظهار مرونة معينة في بعض القضايا، خصوصا فيما يتعلق بموضوع رفع الحرس الثوري عن قائمة العقوبات الأميركية، وهذا ما ألمح إليه أكثر من مسؤول إيراني كبير، وبالرغم من الجدل الذي أثاره هذا الموضوع داخل إيران هناك تلميحات إيرانية في إمكانية تخطيه أو تأجيل البحث فيه مقابل قضايا أخرى يجب حلها، وهذا يعني أن المفاوض الإيراني يدفع مجددا إلى معادلة التنازلات المشتركة، التي تربح الطرفين، لا أن يكون فيها طرف رابح وطرف خاسر.

جاءت واشنطن إلى فيينا متمسكة بما قدمته سابقا خصوصا بموضوعين اساسيين الحرس الثوري وضمانات عدم الخروج من الاتفاق مستقبلا، إضافة إلى صعوبة رفع كامل للعقوبات، في المقابل فإن طهران التي قبلت بالعودة بالرغم من وجود هذه الشروط على طاولة المباحثات، وتعاملت بواقعية معها، إلا انها تركز الآن على أزمتها الجديدة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول تقريرها عن أنشطة إيرانية نووية مشبوهة في ثلاثة مواقع نووية، حيث تطالب طهران الوكالة بإنهاء التحقيق وإغلاق الملف وتقديم ضمانات بعدم فتحه مجددا، ووفقا لما نشره موقع جادة إيران فإن طهران أكدت وبشكل رسمي قبل وصول كبير مفاوضيها النوويين إلى فيينا بأنه "عندما يتم حل وإغلاق ما يسمى بقضايا الإجراءات الوقائية والمواقع المشبوهة، يمكن تحقيق الاتفاق النهائي".

تفاوض واشنطن تحت ضغوط الحرب الأوكرانية ومشاريع عزل روسيا سياسيا واقتصاديا وإيجاد  مصادر بديلة للطاقة الروسية، بينما تفاوض طهران تحت ضغوط الحرب الأوكرانية أيضا وتداعيات قرار واشنطن عزل روسيا ومعاقبة من يتحالف معها أو يدعمها، وتحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة تهدد جديا هذه المرة الداخل الإيراني بموجة احتجاجات واسعة خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء، وتراجع في خدمات كثير من المرافق العامة وتعطيل في دورة إنتاج بعض المصانع الكبرى نتيجة للعقوبات، وهذا ما دفع أصحاب القرار في طهران إلى اظهار بعض الليونة بالرغم من أن هناك قناعة لديهم بأن أطرافا في إدارة الرئيس بايدن غير مستعجلين  للتوصل إلى اتفاق معها، لكن طهران تريد أن ترمي الكرة في الملعب الأميركي وتُحمل واشنطن مسؤولية فشل المفاوضات أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.

من هنا يمكن القول إن نتائج هذه الجولة التفاوضية النووية في فيينا قد لا تختلف عن ما سبقها، فجميع الأطراف متفقة على إبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة، وقد تنتهي هذه الجولة بالاتفاق على عقد جولة أخرى حتى لا تكون الأخيرة حيث يتجنب الجميع إعلان فشلها، فجولة الفرص الضئيلة التي دبرها الأوروبيون على عجل لا تملك متسعا لتحقيق أي اختراق ما دام الطرفان الأساسيان متمسكين ببعض شروطهما الصعبة وليست المستحيلة.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.