من المقرر أن يحضر الملك عبد الله قمة تعقد في جدة
من المقرر أن يحضر الملك عبد الله قمة تعقد في جدة

المشي حول الجمر وعلى أطراف الأصابع، ربما يكون التشبيه الأكثر دقة في توصيف تفاعل الحالة الأردنية مع محيطها الإقليمي بكل تعقيداته.

ومع احتقان داخلي تختلط فيه مؤشرات اقتصادية حرجة وبطالة ومحاولات إصلاح سياسي وإداري تحاول الخروج من رحم استحالات الواقع، مما يشكل ثغرات "ينفذ" منها تدخل "الخارج الإقليمي" فإن الأردن في سباق محموم مع الوقت للخروج بأقل الخسائر منتظرا "بترقب وتوجس شديدين" انتخابات غرب النهر في إسرائيل قد تعيد "نتنياهو" ومشاريعه الصدامية مع الأردن، وانتخابات تشريعية أميركية لو نجح فيها الجمهوريون فإنها تفتح كابوس عودة "تيار ترمب" مما سينهي الاسترخاء الأردني في العلاقة مع واشنطن.

ليس من شك ان أي قرار سياسي أردني يتم اتخاذه في العاصمة الأردنية عمان له مخاطره وتداعياته كما أن له حساباته الإقليمية والمرتبطة بتصورات قادمة لشكل الإقليم الذي فاضت أزماته إلى حد كبير، وصارت مستحقات الحل النهائي لكل قضاياه واجبة الاستحقاق.

مثلا: تقرر حكومة إسرائيل اليمينية أن تقدم برنامجها الانتخابي الداخلي باستعراض قوة دموي في غزة، استعراض مكلف يدفع ثمنه أطفال ونساء ومدنيون أبرياء في قطاع محاصر لا يملك أهله حتى اللجوء الذي صار ترفا أمام عزلتهم الجغرافية ولا بوابات خروج إلا بيد القرار الأمني- السياسي في القاهرة وعبر بوابة صغيرة هي نافذة التنفس الضيق للقطاع كله.

إظهار الحضور الإيراني في غزة كان هدفا إسرائيليا تحقق في استهداف واضح ومباشر ومعلن لفصائل الجهاد الإسلامي وفصلها عن حزمة المقاومة التقليدية المعتادة التي تقودها منظمة حماس، بحيث بدت حماس مشغولة بالسياسة هذه المرة أكثر من مشروعها "الثوري المقاوم" والذي أظهرت عملية إسرائيل الأخيرة في غزة تجلياته.

في خضم كل ذلك، وبالتوازي بتوقيت مسبق بأيام فقط، تعلن حكومة إسرائيل إعادة إحياء مشروع "بوابة الأردن" وهو مشروع اقتصادي بحت يتسق مع كل التحولات الإقليمية الجارية في الشرق الأوسط "أو شرق المتوسط الجديد" ويمكن أن يكون مثاليا لولا وجود عائق واحد اسمه "القضية الفلسطينية"، القضية الجوهرية التي يحاول الجميع القفز فوقها مكتفين بالوضع الراهن المتمثل بسلطة حكم ذاتي بدأت كمشروع دولة وانتهت بالواقع والوقائع كانتونا أمنيا لا يملك حتى صلاحيات إدارة بلدية، كمحاولة يمينية إسرائيلية لترسيخ إدارة احتلال بالوكالة.

المشروع الأردني – الإسرائيلي في تلك البوابة الحدودية كمنطقة صناعية حرة، كان يمكن تمريره ضمن تداعيات وتحولات الإقليم بصعوبة، وبمبررات تنموية واقتصادية تشمل مصالح الجميع في الإقليم المتأزم بالحروب والاشتباكات، والمأزوم مثل كل العالم بجائحة اقتصادية تبعت جائحة وبائية لا يمكن تخطي كوارثها إلا باتفاقيات تشاركية تضمن سلاسل التوريد والطاقة والغذاء على مستوى العالم، لكن هذا التمرير "الصعب والشاق" أصبح حالة حرج شديد للأردن وشركائه الإقليميين أمام عملية قصف غزة، وهي عملية قد تحقق وبنسبة ضئيلة انتصارا ليمين إسرائيلي "قومي" متشدد ضد احتمال عودة يمين إسرائيلي ديني أكثر تشددا وشراسة يقوده نتنياهو، وتشكل عودة نتنياهو كابوسا سياسيا في العاصمة الأردنية عمان، وهي المنشغلة بتفكيك الأزمات المعقدة في محيطها الإقليمي، سواء في شمالها الملتهب بمحاربة أكبر كارتيل مخدرات في العالم فعليا، مما فرض على الجيش الأردني التدخل مع تغيير كل قواعد الاشتباك التي كان يتبعها، أو في حل أزمة اللجوء السوري التي تضغط على الاقتصاد الأردني دون استشراف حل "ممكن ومنظور" في الأفق ومخاوف من توطين "إضافي" لمليون لاجيء سوري ( وهو قرار مطروح للنقاش سمعته في عمان الصيف الماضي من طرف قريب من صناعة القرار أكد لي فيما بعد أنه رأي شخصي لا أكثر!!)، ويضيف عبئا ثقيلا على مخاوف من حل القضية الفلسطينية بوصفة إسرائيلية يمينية ترى في "ترحيل الفلسطينيين غرب النهر نحو شرقه وتوطينهم" حلا سهلا لإسرائيل مدعوما بطرف خفي من دول في الإقليم.

الأردن، المحكوم بجغرافيا سياسية قاسية ضئيلة الموارد، يجد نفسه أيضا في زاوية لا ترقى لشريك على مستوى الأنداد في مشاريع تنموية ضخمة تقودها السعودية بطموح انفرادي في قيادة الإقليم، ويحاول جاهدا الدخول في مشاريع تكاملية تنموية تشبه حبل النجاة لاقتصاده المنهك مع مصر والإمارات "وبارتياح نوعي وحذر مع العراق"، ويحاول توصيف العلاقة مع إيران بالخصومة التي يمكن أن تجد حلولا وتسويات بدون الوقوع في عداوة مفتوحة مع طهران لا مصلحة له فيها.

حل الدولتين، الورقة التي يتمسك بها الأردن في كل خطابه الرسمي لم تعد إلا إعلان هدنة في كل لعبة الأوراق التي تغيرت جميعها وتفضي إلى أي حلول أخرى إلا "حل الدولتين" نفسه وقد سقط بحكم وقائع الجغرافيا، وواقع السلطة منتهية الصلاحية والمرتهنة بأنفاس محمود عباس شخصيا، وهذا رهان قصير الأجل التكهنات فيما بعده مفتوحة على كل احتمال.

نعم، هو مشي حول الجمر، وعلى أطراف الأصابع.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.