ما هو مصير جماعة الإخوان المسلمون؟
ما هو مصير جماعة الإخوان المسلمون؟

تعيش جماعة الإخوان المسلمين في مصر، منذ فترة، صراعا داخليا حادا بين جبهتين، إحداهما يقودها من لندن نائب المرشد العام، القائم بأعماله، إبراهيم منير، والأخرى يقف على رأسها الأمين العام السابق للجماعة محمود حسين، تدير نشاطها من إسطنبول.

وقد تصاعدت الخلافات بين الجبهتين بعد أن أعلن حسين تكوين لجنة تقوم بأعمال المرشد وعزل منير من منصبه، وذلك بعد قرار الأخير بإحالة حسين وآخرين إلى التحقيق، وتشكيل لجنة لإدارة الجماعة وإجراء انتخابات داخلية للعمل على إنهاء الانقسام. 

وفي خضم الصراع المستعر بين الجبهتين، أدلى منير بتصريح مثير لوكالة رويترز يوم 29 يوليو الماضي، قال فيه إن الجماعة ترفض الصراع على الحكم بأي صورة من الصور (حتى لو الصراع بين الأحزاب في الانتخابات السياسية أو غيرها التي تديرها الدولة، هذه الأمور عندنا مرفوضة تماما ولا نقبلها).

ورغم أن القائم بأعمال المرشد لم يقل بوضوح أن الجماعة ستنسحب من العمل السياسي والمنافسة للوصول للسلطة، إلا أن ردود الأفعال من قبل الجبهة التي تصارعه على قيادة التنظيم، بل العديد من القيادات الإخوانية، توحي بأن الرجل قد أطلق هذا البالون في الهواء، انتظاراً لردود الأفعال حتى يتخذ الخطوة التالية. 

بينما رفضت جبهة إسطنبول التصريحات، وأصدرت في اليوم الأول من الشهر الجاري بيانا رسميا جاء فيه أن : (مؤسسات الجماعة، وعلى رأسها مجلس الشورى العام هو المعني حصرا باتخاذ القرارات المعبرة عن جماعة "الإخوان"، ولم يناقش المجلس وليس مطروحا على جدول أعماله مسألة المنافسة على السلطة في ظل الظروف التي تعيشها الجماعة وتعيشها مصر الآن).

ومن ناحية أخرى، كانت قراءة القيادي الإخواني، حمزة زوبع، التي سطرها في صفحته على "فيسبوك" كالتالي : ( بحسابات السياسة، فالإجابة هي إعادة نظر فيما جرى، وليست تنازلاً من الإخوان، وهذه الخطوة تشكل تحدياً للأحزاب التي ظلت تتحجج حين تراجعها بوجود الإخوان في المنافسة السياسية، وأمّا بحسابات الدعوة، فالخطوة تعني تفرغ الإخوان للعمل الدعوي والتربوي والعمل العام وتأسيس جيل مسلم يواجه كل حركات الإلحاد والفساد ).

وكذلك كتب القيادي محي الدين عيسى في صفحته على "فيسبوك": ( بينما مجموعة الـ6, يعني جبهة إسطنبول، تنشغل بالخصومة والمشاحنة نرى الطرف الثاني، منير ومن معه، يهتم فعلياً بإحداث تغييرات جوهرية في منهج وفكر الجماعة) مما يعني قبوله  ضمنيا لفكرة إنسحاب الإخوان من المنافسة السياسية للوصول للسلطة.

إن فكرة خروج الجماعة من المنافسة السياسية وحصر نشاطها في المجالين الإجتماعي والدعوي تمثل قطيعة حقيقية مع الأفكار التأسيسية التي قام عليها بنيان التنظيم منذ أكثر من 90 عاماً، ذلك أن المباديء التي أرساها المرشد المؤسس، حسن البنا، تقوم على فكرة أن الإسلام "دين ودولة" وأن التغيير التي تنشده الجماعة لا يكتمل إلا بالوصول للسلطة.

وفي هذا الخصوص يقول المرشد المؤسس في رسالة المؤتمر الخامس : (وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن").

وبما أن الحكومة عند الإخوان تعتبر ركنا لا يكتمل بنيان الدين بدونه، فإن السعي لإقامتها أصبح فرضا لا مناص منه وأولوية تسبق أي مطلب آخر، حيث اعتبر البنا أن (قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف).

ولا يكتفي المرشد بدعوة جماعته للوصول إلى السلطة في بلد معين، بل يدعو في إطار مراحل التغيير الست التي وضعها إلى إقامة الخلافة الإسلامية في المرحلة الخامسة، وذلك بعد أن تستلم الجماعة السلطة في جميع البلاد الإسلامية ومن ثم تنشأ القيادة الكونية للجماعة فيما أسماه "أستاذية العالم" في المرحلة الأخيرة ! 

وقد سار جميع قادة الجماعة ( المفكرين) وفروعها في مختلف البلاد العربية والإسلامية طوال الفترة الممتدة منذ تأسيسها وحتى اليوم على نهج حسن البنا القاضي بالسعي للسيطرة الكاملة على السلطة بمختلف الطرق و الوسائل (إنقلابات عسكرية وانتخابات).

وكان أقصى إجتهاد قام به فرع من فروع الجماعة هو دعوة حركة النهضة التونسية بزعامة راشد الغنوشي إلى التمييز بين الشأنين الدعوي والسياسي، وليس التخلي الكامل عن الشأن السياسي والتفرغ للعمل الدعوي، وقد وجدت تلك الدعوة معارضة شديدة من تنظيمات الإخوان في مختلف الدول العربية.

وعندما اشتدت الضغوط على الجماعة في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 اضطرت إلى إستحداث فكرة "الحزب السياسي ذو المرجعية الإسلامية" بحيث يمثل الواجهة السياسية للجماعة، ولكن الخطوة لم تمثل أي تغيير في منهج الجماعة الهادف للوصول للحكم.

وإذا صح تحليلنا بأن منير قد تعمد إطلاق بالون إختبار حتى يقرر الخطوة التالية، فقد يكون أحد دوافعه السعي لتخفيف الضغط الشديد الذي يتعرض له الإخوان في مواجهتهم المستمرة مع الدولة منذ عام 2013، خصوصا أنه اعترف بأن الجماعة قد مرت بأوقات عصيبة من قبل لكن ( بالتأكيد هذه المرة أقسى من كل المرات الماضية، من كل المحن الماضية التي شهدتها منذ تأسيسها قبل ما يربو على (90) عاما).

وبناءا على الإفتراض أعلاه تكون دعوة القائم بأعمال المرشد لإبتعاد الجماعة عن المنافسة السياسية من أجل الوصول للحكم ليست سوى خطوة تكتيكية تهدف إلى الحفاظ على مكانة ووجود التنظيم في الشارع المصري.

أما إذا كان منير يعني ما يقوله حقا بإبتعاد الجماعة عن العمل السياسي بصورة كاملة، فسيكون هذا الطرح جديداً تماماً ويحتاج لعملية تأسيسية جديدة تقوم على مباديء وأفكار وشعارات مختلفة عن تلك التي سادت طوال مسيرة الجماعة منذ تأسيسها وحتى اليوم، وهو الأمر الذي يستبعده كاتب هذه السطور، وما ستكشف عنه الأيام.   

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.