رجل دين مسيحي يحمل بين يده الإنجيل بعد عودته إلى برطلة
رجل دين مسيحي يقرأ في الإنجيل

ليست الرواية «الكتابية» عقبة أمام التقدم البحثي والفكري وحسب، بل هي أيضاً إحدى وسائل اعتراض بناء الهوية الوطنية الجامعة. والحاجة قائمة إلى خروج واضح وصادق منها.

المقصود بالرواية «الكتابية» تلك المبنية على افتراض أن «الكتاب المقدس» هو الأصل في الذاكرة والتاريخ، وهي تشمل بالتالي كافة تصورات الماضي في السياقات الدينية  المسيحية واليهودية، كما الإسلامية، بناءاً على أن القصص القرآني متوائم في معظمه مع التفاصيل الواردة في الأسفار والأناجيل. وفي حين أنه ثمة مسعى، في الاتجاهين، لتمييز الرواية القرآنية عن الرواية الكتابية، أي باعتبار الأولى تنقيحاً للتحريف الكتابي إسلامياً، أو مجتزأة عنها وقاصرة بل خاطئة في تفاصيلها مسيحياً، فإن هذا المسعى لا ينفي الاشتراك بالمضمون. وقائعياً، أي باستثناء الغيبية كمصدر للمعرفة، الرواية الكتابية هي الأصل، والرواية القرآنية هي الفرع. قد يقتضي الإيمان خلاف ذلك لأصحابه، دون أن يلزم غيرهم. والإشارة إلى الرواية الكتابية تشمل إذن الكتابية والقرآنية على حد سواء.

ليس في تأكيد الحاجة إلى الخروج من الرواية الكتابية نقضاً للدين، إلا لدى من شاء إكراه القصص الديني على أن يكون مصدراً للتاريخ. أي أنه بالإمكان المحافظة على كامل الموروث الديني، الإيماني والشعائري، الروحي والطقسي، عبادات ومعاملات، إسلامياً ومسيحياً، دون افتراض وقائعية القصص الكتابي، سيما وأن حكايات القصص لم ترد على أنها تاريخ موثّق، بل جاءت، خاصة في النص القرآني، كإشارات اعتبارية.

على أن التوجه إلى الشمولية الدينية، أي افتراض إحاطة الدين بكل شي، هو التوجه الغالب في المحيط العربي. والميل بالتالي، في الموروث الضمني في كافة الأوساط الاجتماعية، كما في الكتابات الفصيحة، هو إلى اعتبار الرواية الكتابية مصدراً وأساساً، والسعي إلى تطويع الأخبار التاريخية لتتوافق معها، أو على الأقل لكي لا تتعارض معها صراحة.

لا يقتصر الاعتماد على الرواية الكتابية على المحيط العربي، بل يشمل كذلك الغرب برمّته، وإن كان التعويل على مرجعية هذه الرواية غربياً قد تراجع في القرون القليلة الماضية من خلال استدعاء تراث أخر، اليوناني السابق للمسيحية، والسعي الدؤوب إلى تأصيل التراث اليوناني ثم الروماني كمرجعية أولى ومؤسِّسة بل نقيضة في أحيان عدة للمرجعية الكتابية. ورغم المزاعم التي ترى في الحداثة انتصاراً لهذا السعي، فإن نجاحه يبقى جزئياً، وحديث العهد، وقابلاً للتراجع.

 ويتجلّى قدر هيمنة المرجعية الكتابية في أن المسعى الغربي للتنصل من هذه المرجعية، بشقّها اللاهوتي المسيحي تحديداً، قد اعتمد في مراحل عدة، ولا يزال، على تثبيت خارج عن سياق المنهجية العلمية التأريخية لأوجه أخرى من الكتاب المقدس نفسه. رواية البنائين الأحرار (الماسونيون) لنشأة مذهبهم، مثلاً، تعود به إلى «معبد سليمان» في مقولة تأصيلية لعنصر من الكتاب المقدس مفتقد لأي مقوم وقائعي.

بل الدليل الأقوى على استمرار غلبة، وإن مقتطعة، للرواية الكتابية، هي في القبول الواسع النطاق غربياً لسردها لأخبار الشرق الأدنى القديم، وإن عمدت الجهات العلمية الغربية إلى التبرؤ من هذا القبول بإقصاره على الإجمال دون التفاصيل. واقع الأمر، وفق المنهجية العلمية المتوافق عليها، الرواية الكتابية ليست تأريخاً، لا جملة ولا تفصيلاً. غير أن الوسط الفكري الغربي لا يحتاج إلى مجابهة هذا الشأن بشكل علني ومباشر وقاطع.

ذلك أن الرواية الكتابية، من منظور الغرب، تعالج أحوال أصقاع أخرى، بعيدة. أي أنه ليس من شأنها أن تناقض، أن تطمس، أن تشوّه، أن تعرقل، المسعى المحلي في المجتمعات الغربية إلى تبين تاريخها الوقائعي. إذ يستطيع أي مجتمع غربي أن يقبل الجانب التاريخي المفترض من الرواية الكتابية توقيفاً، الآباء الأوائل، الخروج من مصر، السبي إلى بابل، البشارة في الجليل، الصلب في القدس، دون عواقب. ثم يعمد ذاتياً إلى التقصي الوقائعي المنهجي لتاريخه وتاريخ جواره. لا حاجة إلى نقد الرواية الكتابية، إلا لأغراض المعرفة الخالصة. والتجاور بين هذه الرواية لمضمونها الديني والاستعباري، والتاريخ الوقائعي بعواقبه الفعلية والسياسية، قائم وسلس، وإن كان مفتقداً للدعائم العلمية.

ليس الأمر كذلك في المحيط العربي، فمصر وبابل والجليل هي حقائق حسية، أماكن معاشة بماضيها وحاضرها، وأمسها فاعل بيومها وغدها. وتاريخها المفترض القائم على الرواية الكتابية يناقض تاريخها الوقائعي المستشف من المنهجية العلمية، دون أن يثير هذا التناقض ما يناسبه من مساعي المراجعة والتصحيح. على أن الضرر الأكبر لا يطال هذه التواريخ نتيجة للتناقض، بل من جراء التغييب.

الارتكاز في المحيط العربي على الروايات الدينية كأساس للذاكرة والتاريخ ينتج أحوالاً لو جرى اعتبارها موضوعياً لبانت غرابتها. في مصر، وعموم المشرق، والعراق، ثمة ركون إلى نظرتين للتاريخ، إسلامية ومسيحية، كلاهما تبتدئ بقدر من الهلامية، وكلاهما تبني على تسلسل مفترض لأنبياء عدة توالوا في الدعوة لشعب واحد، ليس شعب الأجداد، تسلسل يصل إلى قمّته عند مفصل تاريخي حاسم، هو وجهة التاريخ ودليله، ليتدرج إلى يومنا هذا في حوار سجالي بين الغيبي والمحسوس، بانتظار خاتمة تستعيد المفصل أو بعض وجوهه. سوى أن هذا المفصل هو لدى الفئة الغالبة بضعة عقود من الزمن في حجاز القرن السابع الميلادي، ولدى البعض الآخر سنوات قليلة في الجليل والقدس ضمن القرن الأول الميلادي. أي أن السردية الكتابية القرآنية تقصر نواة الوعي التاريخي على مجتمع ومكان هما خارج الذات والوطن.

في الحالتين، الحاضر في التاريخ المفترض هي شخصيات وحوادث لا أثر لها في السجل المادي، من حفريات وأنصاب ووثائق، ولا تأييد لها من خارجه.

في الحالتين الغائب هو المؤيّد بكل هذه. حفريات وأنصاب ووثائق ومصادر خارجية. هو تاريخ ألوف السنين للعراق، مهد الحضارة العالمية، بفصوله المستفيضة المتشعبة، ودوله المتتابعة والتي أنتجب نظم حكم متوافقة مع قدراتها المتصاعدة، ونظم فكر متجانسة مع اتساع رؤيتها ومساحتها، ومجابهته للطبيعة بأنهارها وصحارها. وتاريخ ألوف أخرى لمصر، بنتاجها المعماري والعلمي والأدبي والروحي، وسلاسلاتها المختلفة أصلاً وفعلاً، والتاركة للإنجازات والساعية إلى الارتقاء، واالمنشغلة قبل غيرها وقبل المصطلح بدار الفناء ودار البقاء. بالإضافة إلى ما شكّله المشرق من حاضنة ومصهر للأفكار والاكتشافات والمجتمعات والعقائد، وما انطلق منه من رواد، وما أقيم عبره من محطات ودول وممالك.

كل هذه الحضارات تختصر وتختزل في إشارات عابرة متقطعة من وجهة نظر معادية لها، طاعنة بها، شاتمة لنجاحها وشامتة بفشلها، من مرأى قبلي ضيّق في مطلعه، مترقّب لأهوال تطال هذه الأمم عند الخواتم.

وإذ بالورثة المباشرين لهذه الحضارات، الأحفاد الحقيقيين لبناتها، يجهلونها اليوم ويتجاهلونها، ويتغافلون عن ثراء تجاربها المادية والروحية، ويتمسكون بالأقوال الهادمة لها ديناً وتاريخاً، وهي أقوال منتقاة من نصوص يتبين وقائعياً أن تدوينها وجمعها لم يعاصر مقولاتها البتة.

والأنكى هو أن محاولات تخفيف الضيق المفروض على تاريخ هذه المنطقة، دون الخروج عن الرواية الكتابية، يدفع بمن يعمل عليه إلى محاولات توفيق وتأويل واستقراء تقحم هذا التاريخ بمتاهات جديدة، ليضاعف من ابتعاده عن وجهه الوقائعي. أي فرعون هو الفرعون؟ ما هو درب إبراهيم؟ أين كان عبور البحر الأحمر؟ أيهم جبل الطور؟ أجوبة عديدة متوهمة. أما الجواب المتكرر حين يرتقي المعيار من الوهم إلى الشك إلى الظن إلى الصدق، فلا شيء.

المسألة تتعدى التقصي التاريخي. هي قضية اليوم لا قضية الأمس. الطائفية. لا يمكن بالتأكيد ألقاء اللوم على نصوص الرواية الكتابية للتفتّت الاجتماعي والطائفي الذي تعيشه المنطقة. لا بل ربما أن هذا التفتت هو ما أضفى على هذه النصوص التفتيتية قيمة لمجتمعات المنطقة. على أن المشترك في الدول الوارثة للهلال الخصيب، وما يتعداها، هو أن تأطير صراعات الهوية الداخلية يجري على أساس استعارة أوجه رواية من خارجها، مع ارتماء كامل في مزاعمها القبلية وتخلٍ يقارب المطلق عن الحقائق الوقائعية.

هو يقارب المطلق دون أن يوافيه لأن الرصيد التأريخي الغربي قد أتاح المجال لبعض الطوائف (المسيحية) هنا لأن تقتطع لنفسها حضارات قديمة تنسب نفسها إليها، اعتباطياً في جميع الحالات، أقلّه في زعم الحصرية.

الحصيلة تقترب من العبثية. في الرواية الكتابية لعنات وسخط إلهي يطال ما هي اليوم مدن لبنانية (وفلسطينية وغيرها)، أهلها يتنازعون في استنسابهم إلى هذه الرواية، وآخرون يستنصرون برصيد تاريخي من الحجاز، فيما هم جميعاً على جهل وتجاهل لوحدة أصولهم، وغفلة تامة من تجربة أسلافهم الروحية التي احتوت، كما ما هم عليه اليوم، أوجه مضيئة وأخرى مظلمة.

ليس المطلوب بالتأكيد إعادة اعتناق قناعات الأولين ومعتقداتهم. غير أنه من المفيد الإدراك بأن هؤلاء القدماء هم بالفعل أجداد الجميع هنا، وأن تداخلت الأنساب.

وليس المطلوب إخراج حلقة يسوع المسيح أو حلقة الرسول محمد، لمن يثمّن كل منها، من موقع الحلقة الفاصلة في تصوّره للمسار الإنساني. غير أنه من الواجب الذي تقتضيه المعطيات الموضوعية اليوم الفصل بين هذا التصور وبين القراءة المجرّدة للتاريخ.

الهدف فكرياً هو فك القيود الموضوعة على مساعي البحث التاريخي المنهجي، بما يتيح المجال أمام استيعاب كامل تاريخ المنطقة وتراثها وتوضيح موقعها في التاريخ الإنساني العام. ولكن الهدف كذلك وطنياً هو تمكين الرؤية التي تقرّ بواقع وحدة الأصل، وتسمح ببناء الهوية الوطنية الجامعة.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!