رجل دين مسيحي يحمل بين يده الإنجيل بعد عودته إلى برطلة
رجل دين مسيحي يقرأ في الإنجيل

ليست الرواية «الكتابية» عقبة أمام التقدم البحثي والفكري وحسب، بل هي أيضاً إحدى وسائل اعتراض بناء الهوية الوطنية الجامعة. والحاجة قائمة إلى خروج واضح وصادق منها.

المقصود بالرواية «الكتابية» تلك المبنية على افتراض أن «الكتاب المقدس» هو الأصل في الذاكرة والتاريخ، وهي تشمل بالتالي كافة تصورات الماضي في السياقات الدينية  المسيحية واليهودية، كما الإسلامية، بناءاً على أن القصص القرآني متوائم في معظمه مع التفاصيل الواردة في الأسفار والأناجيل. وفي حين أنه ثمة مسعى، في الاتجاهين، لتمييز الرواية القرآنية عن الرواية الكتابية، أي باعتبار الأولى تنقيحاً للتحريف الكتابي إسلامياً، أو مجتزأة عنها وقاصرة بل خاطئة في تفاصيلها مسيحياً، فإن هذا المسعى لا ينفي الاشتراك بالمضمون. وقائعياً، أي باستثناء الغيبية كمصدر للمعرفة، الرواية الكتابية هي الأصل، والرواية القرآنية هي الفرع. قد يقتضي الإيمان خلاف ذلك لأصحابه، دون أن يلزم غيرهم. والإشارة إلى الرواية الكتابية تشمل إذن الكتابية والقرآنية على حد سواء.

ليس في تأكيد الحاجة إلى الخروج من الرواية الكتابية نقضاً للدين، إلا لدى من شاء إكراه القصص الديني على أن يكون مصدراً للتاريخ. أي أنه بالإمكان المحافظة على كامل الموروث الديني، الإيماني والشعائري، الروحي والطقسي، عبادات ومعاملات، إسلامياً ومسيحياً، دون افتراض وقائعية القصص الكتابي، سيما وأن حكايات القصص لم ترد على أنها تاريخ موثّق، بل جاءت، خاصة في النص القرآني، كإشارات اعتبارية.

على أن التوجه إلى الشمولية الدينية، أي افتراض إحاطة الدين بكل شي، هو التوجه الغالب في المحيط العربي. والميل بالتالي، في الموروث الضمني في كافة الأوساط الاجتماعية، كما في الكتابات الفصيحة، هو إلى اعتبار الرواية الكتابية مصدراً وأساساً، والسعي إلى تطويع الأخبار التاريخية لتتوافق معها، أو على الأقل لكي لا تتعارض معها صراحة.

لا يقتصر الاعتماد على الرواية الكتابية على المحيط العربي، بل يشمل كذلك الغرب برمّته، وإن كان التعويل على مرجعية هذه الرواية غربياً قد تراجع في القرون القليلة الماضية من خلال استدعاء تراث أخر، اليوناني السابق للمسيحية، والسعي الدؤوب إلى تأصيل التراث اليوناني ثم الروماني كمرجعية أولى ومؤسِّسة بل نقيضة في أحيان عدة للمرجعية الكتابية. ورغم المزاعم التي ترى في الحداثة انتصاراً لهذا السعي، فإن نجاحه يبقى جزئياً، وحديث العهد، وقابلاً للتراجع.

 ويتجلّى قدر هيمنة المرجعية الكتابية في أن المسعى الغربي للتنصل من هذه المرجعية، بشقّها اللاهوتي المسيحي تحديداً، قد اعتمد في مراحل عدة، ولا يزال، على تثبيت خارج عن سياق المنهجية العلمية التأريخية لأوجه أخرى من الكتاب المقدس نفسه. رواية البنائين الأحرار (الماسونيون) لنشأة مذهبهم، مثلاً، تعود به إلى «معبد سليمان» في مقولة تأصيلية لعنصر من الكتاب المقدس مفتقد لأي مقوم وقائعي.

بل الدليل الأقوى على استمرار غلبة، وإن مقتطعة، للرواية الكتابية، هي في القبول الواسع النطاق غربياً لسردها لأخبار الشرق الأدنى القديم، وإن عمدت الجهات العلمية الغربية إلى التبرؤ من هذا القبول بإقصاره على الإجمال دون التفاصيل. واقع الأمر، وفق المنهجية العلمية المتوافق عليها، الرواية الكتابية ليست تأريخاً، لا جملة ولا تفصيلاً. غير أن الوسط الفكري الغربي لا يحتاج إلى مجابهة هذا الشأن بشكل علني ومباشر وقاطع.

ذلك أن الرواية الكتابية، من منظور الغرب، تعالج أحوال أصقاع أخرى، بعيدة. أي أنه ليس من شأنها أن تناقض، أن تطمس، أن تشوّه، أن تعرقل، المسعى المحلي في المجتمعات الغربية إلى تبين تاريخها الوقائعي. إذ يستطيع أي مجتمع غربي أن يقبل الجانب التاريخي المفترض من الرواية الكتابية توقيفاً، الآباء الأوائل، الخروج من مصر، السبي إلى بابل، البشارة في الجليل، الصلب في القدس، دون عواقب. ثم يعمد ذاتياً إلى التقصي الوقائعي المنهجي لتاريخه وتاريخ جواره. لا حاجة إلى نقد الرواية الكتابية، إلا لأغراض المعرفة الخالصة. والتجاور بين هذه الرواية لمضمونها الديني والاستعباري، والتاريخ الوقائعي بعواقبه الفعلية والسياسية، قائم وسلس، وإن كان مفتقداً للدعائم العلمية.

ليس الأمر كذلك في المحيط العربي، فمصر وبابل والجليل هي حقائق حسية، أماكن معاشة بماضيها وحاضرها، وأمسها فاعل بيومها وغدها. وتاريخها المفترض القائم على الرواية الكتابية يناقض تاريخها الوقائعي المستشف من المنهجية العلمية، دون أن يثير هذا التناقض ما يناسبه من مساعي المراجعة والتصحيح. على أن الضرر الأكبر لا يطال هذه التواريخ نتيجة للتناقض، بل من جراء التغييب.

الارتكاز في المحيط العربي على الروايات الدينية كأساس للذاكرة والتاريخ ينتج أحوالاً لو جرى اعتبارها موضوعياً لبانت غرابتها. في مصر، وعموم المشرق، والعراق، ثمة ركون إلى نظرتين للتاريخ، إسلامية ومسيحية، كلاهما تبتدئ بقدر من الهلامية، وكلاهما تبني على تسلسل مفترض لأنبياء عدة توالوا في الدعوة لشعب واحد، ليس شعب الأجداد، تسلسل يصل إلى قمّته عند مفصل تاريخي حاسم، هو وجهة التاريخ ودليله، ليتدرج إلى يومنا هذا في حوار سجالي بين الغيبي والمحسوس، بانتظار خاتمة تستعيد المفصل أو بعض وجوهه. سوى أن هذا المفصل هو لدى الفئة الغالبة بضعة عقود من الزمن في حجاز القرن السابع الميلادي، ولدى البعض الآخر سنوات قليلة في الجليل والقدس ضمن القرن الأول الميلادي. أي أن السردية الكتابية القرآنية تقصر نواة الوعي التاريخي على مجتمع ومكان هما خارج الذات والوطن.

في الحالتين، الحاضر في التاريخ المفترض هي شخصيات وحوادث لا أثر لها في السجل المادي، من حفريات وأنصاب ووثائق، ولا تأييد لها من خارجه.

في الحالتين الغائب هو المؤيّد بكل هذه. حفريات وأنصاب ووثائق ومصادر خارجية. هو تاريخ ألوف السنين للعراق، مهد الحضارة العالمية، بفصوله المستفيضة المتشعبة، ودوله المتتابعة والتي أنتجب نظم حكم متوافقة مع قدراتها المتصاعدة، ونظم فكر متجانسة مع اتساع رؤيتها ومساحتها، ومجابهته للطبيعة بأنهارها وصحارها. وتاريخ ألوف أخرى لمصر، بنتاجها المعماري والعلمي والأدبي والروحي، وسلاسلاتها المختلفة أصلاً وفعلاً، والتاركة للإنجازات والساعية إلى الارتقاء، واالمنشغلة قبل غيرها وقبل المصطلح بدار الفناء ودار البقاء. بالإضافة إلى ما شكّله المشرق من حاضنة ومصهر للأفكار والاكتشافات والمجتمعات والعقائد، وما انطلق منه من رواد، وما أقيم عبره من محطات ودول وممالك.

كل هذه الحضارات تختصر وتختزل في إشارات عابرة متقطعة من وجهة نظر معادية لها، طاعنة بها، شاتمة لنجاحها وشامتة بفشلها، من مرأى قبلي ضيّق في مطلعه، مترقّب لأهوال تطال هذه الأمم عند الخواتم.

وإذ بالورثة المباشرين لهذه الحضارات، الأحفاد الحقيقيين لبناتها، يجهلونها اليوم ويتجاهلونها، ويتغافلون عن ثراء تجاربها المادية والروحية، ويتمسكون بالأقوال الهادمة لها ديناً وتاريخاً، وهي أقوال منتقاة من نصوص يتبين وقائعياً أن تدوينها وجمعها لم يعاصر مقولاتها البتة.

والأنكى هو أن محاولات تخفيف الضيق المفروض على تاريخ هذه المنطقة، دون الخروج عن الرواية الكتابية، يدفع بمن يعمل عليه إلى محاولات توفيق وتأويل واستقراء تقحم هذا التاريخ بمتاهات جديدة، ليضاعف من ابتعاده عن وجهه الوقائعي. أي فرعون هو الفرعون؟ ما هو درب إبراهيم؟ أين كان عبور البحر الأحمر؟ أيهم جبل الطور؟ أجوبة عديدة متوهمة. أما الجواب المتكرر حين يرتقي المعيار من الوهم إلى الشك إلى الظن إلى الصدق، فلا شيء.

المسألة تتعدى التقصي التاريخي. هي قضية اليوم لا قضية الأمس. الطائفية. لا يمكن بالتأكيد ألقاء اللوم على نصوص الرواية الكتابية للتفتّت الاجتماعي والطائفي الذي تعيشه المنطقة. لا بل ربما أن هذا التفتت هو ما أضفى على هذه النصوص التفتيتية قيمة لمجتمعات المنطقة. على أن المشترك في الدول الوارثة للهلال الخصيب، وما يتعداها، هو أن تأطير صراعات الهوية الداخلية يجري على أساس استعارة أوجه رواية من خارجها، مع ارتماء كامل في مزاعمها القبلية وتخلٍ يقارب المطلق عن الحقائق الوقائعية.

هو يقارب المطلق دون أن يوافيه لأن الرصيد التأريخي الغربي قد أتاح المجال لبعض الطوائف (المسيحية) هنا لأن تقتطع لنفسها حضارات قديمة تنسب نفسها إليها، اعتباطياً في جميع الحالات، أقلّه في زعم الحصرية.

الحصيلة تقترب من العبثية. في الرواية الكتابية لعنات وسخط إلهي يطال ما هي اليوم مدن لبنانية (وفلسطينية وغيرها)، أهلها يتنازعون في استنسابهم إلى هذه الرواية، وآخرون يستنصرون برصيد تاريخي من الحجاز، فيما هم جميعاً على جهل وتجاهل لوحدة أصولهم، وغفلة تامة من تجربة أسلافهم الروحية التي احتوت، كما ما هم عليه اليوم، أوجه مضيئة وأخرى مظلمة.

ليس المطلوب بالتأكيد إعادة اعتناق قناعات الأولين ومعتقداتهم. غير أنه من المفيد الإدراك بأن هؤلاء القدماء هم بالفعل أجداد الجميع هنا، وأن تداخلت الأنساب.

وليس المطلوب إخراج حلقة يسوع المسيح أو حلقة الرسول محمد، لمن يثمّن كل منها، من موقع الحلقة الفاصلة في تصوّره للمسار الإنساني. غير أنه من الواجب الذي تقتضيه المعطيات الموضوعية اليوم الفصل بين هذا التصور وبين القراءة المجرّدة للتاريخ.

الهدف فكرياً هو فك القيود الموضوعة على مساعي البحث التاريخي المنهجي، بما يتيح المجال أمام استيعاب كامل تاريخ المنطقة وتراثها وتوضيح موقعها في التاريخ الإنساني العام. ولكن الهدف كذلك وطنياً هو تمكين الرؤية التي تقرّ بواقع وحدة الأصل، وتسمح ببناء الهوية الوطنية الجامعة.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.