الدم الفلسطيني هو القاسم المشترك الذي يجمع قيادات إسرائيل، فهم يعتبرونه طريقهم، وبوابتهم لصناديق الاقتراع، وهم يستثمرون بالدم الفلسطيني الذي يُراق في معاركهم السياسية لاستقطاب أصوات الناخبين.
هذه القاعدة ترسخت في المعركة التي خاضتها إسرائيل ضد حركة الجهاد الإسلامي في غزة، وسمتها "بزوغ الفجر"، وهي ذات السياسة التي اعتمدها قادة إسرائيل بغض النظر عن أسمائهم، وتوجهاتهم في حسم صراعاتهم الداخلية، فالدم الفلسطيني جسرهم للوصول، أو البقاء في السلطة.
بوساطة مصرية أعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة الجهاد، ولا يمكن التكهن منذ الآن إن كانت العملية العسكرية قد انتهت، وما يُقال على لسان المسؤولين الإسرائيليين أن العملية حققت أهدافها، والأكيد أن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" أوصى بوقف عاجل لإطلاق النار قبل أن تتداعى الحكومة الإسرائيلية المؤقتة، وتفقد تأييدها الشعبي، وتنهار في ظل تواصل سقوط الصواريخ حولها، وقبل أن تلحق حركة حماس في المعركة التي ظلت خارجها، فتتغير الموازين، والمعطيات.
الإحصائيات الأولية تشير إلى سقوط 44 قتيلا في غزة، و311 جريحا، و1500 وحدة سكنية تضررت، ومحطة توليد الكهرباء توقفت، وفي مقدمة الأهداف الإسرائيلية كان اغتيال تيسير الجعبري، وخالد منصور أبرز قادة "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد.
الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، وفي مؤتمر صحفي من طهران لم يتردد بالقول "إذا لم تلتزم إسرائيل بشروط وقف إطلاق النار، فسوف نستأنف القتال مرة أخرى"، مشيرا إلى أن إسرائيل هي من سعت وبقوة إلى وقف إطلاق النار.
في الحرب الأخيرة على غزة لم تعلن إسرائيل عن أهدافها بشكل تفصيلي، ولهذا لا يهم لتحقيق الردع، وإظهار قوة الجيش الإسرائيلي أن يُسقط عشرات الأطفال، أو يحيا الناس في غزة مع الجوع، وبدون كهرباء.
لا تريد إسرائيل لتنظيمات المقاومة أن تلتقط أنفاسها، وأن تستعيد بناء قوتها، واستنادا لهذه النظرية تستنزفها في المعارك، وما بين الحرب والحرب حرب، وهي تفعل ذلك لتُظهر سطوتها، وقدرتها الماحقة على تدمير خصومها، وترميم صورتها التي تشوهت في حرب آيار من العام الماضي 2021.
بعد صمت اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، تتكرر نفس الاسطوانة التي حصّنت إسرائيل من المساءلة، والعقاب، وجعلتها دولة فوق القانون، لا تأبه بالمجتمع الدولي، ولا بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا تُصغي لصوت منسقة الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لين هاستينغز، التي تُعلي الصوت بأن الوضع في غزة مريع، وصعب، وخطير بعد الاعتداءات الأخيرة.
بعد تهافت الأنظمة العربية على التطبيع مع إسرائيل؛ لماذا على قادة إسرائيل أن يقلقوا من غضب الشارع العربي إذا ما دكت طائراتهم شوارع غزة المكتظة بالبشر؟، إذا كانوا يدركون بثقة مطلقة أن الأنظمة العربية كفيلة بوأد أي حراك شعبي تضامني مع غزة المحاصرة، ولن يسمحوا بمناصرة حقيقية للشعب الفلسطيني.
بعد كل حرب على غزة يتحرك المجتمع الدولي لإنقاذها من الكارثة الإنسانية التي تعيشها، فتُفتح المعابر لتقديم المساعدات الطبية والغذائية، وتقدم تعهدات بإصلاح الأضرار التي خلفتها الصواريخ، وما هي إلا أشهر حتى تهدأ، وتتلاشى الهبّة، وتعود غزة لتقبع خلف أسوار الحصار.
تتباهى إسرائيل أن قبتها الحديدية استطاعت اعتراض 95 بالمئة من الصواريخ التي أطلقتها حركة الجهاد الإسلامي، ولكنها لا تستطيع أن تخفي حالة الهلع، والرعب التي اجتاحت المجتمع الإسرائيلي الهش، حين تقترب منه الصواريخ، مهما كانت قوتها التدميرية، فنظرية الأمن الإسرائيلي تنهار في لحظة واحدة، والرسالة التي تصل المستوطنين واضحة، لا استرخاء بعد اليوم.
أكثر ما كان يشغل قادة إسرائيل إبعاد حركة حماس عن هذه المعركة، والاستفراد بحركة الجهاد الإسلامي وحدها، والحقيقة أن حركة الجهاد الأكثر قربا من إيران كانت وحدها، ولم يُفهم بقاء حماس خارج المعركة، والتقارير الاستخبارية الإسرائيلية كانت تُشير إلى أن إطالة أمد الحرب على غزة، وتزايد سقوط الضحايا قد يجبر حماس على الانخراط في المواجهة حتى لا تخسر صورتها كحركة مقاومة.
يعترف أمين عام الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، أن حماس لم تتدخل عسكريا، ويستدرك الأمر بشعارات عن وحدة "قوة المقاومة"، وأن "المقاومة" لا تعني أن تكون بالميدان عسكريا، وحماس العمود الفقري، وحاضنة المقاومة، وهو كلام لم يُجب على السؤال؛ لماذا لم تنخرط حماس في المعركة، ولماذا لم تطلق ما في جعبتها من صواريخ؟
تصريحات المتحدث الرسمي باسم حماس، فوزي برهوم، لم تفك اللغز، بل ضاعفت الغموض، والتكهنات، واكتفى بالقول "هذه جولة من جولات القتال، ومحطة من محطات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي لن تنتهي إلا بزواله".
ما بين إطلاق الصواريخ، وإطلاق التصريحات النارية حضرت تصريحات القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، الذي هدد أن حزب الله يملك 100 ألف صارخ تفتح باب جهنم على إسرائيل، والفلسطينيون ليسوا وحدهم في مواجهة إسرائيل.
وتبع تصريحات سلامي كلام أمين عام حزب الله، حسن نصر الله أنهم يتواصلون مع قيادة الجهاد الإسلامي، وحماس، وأنهم يترقبون ما ستؤول إليه الأمور في الأيام القادمة.
المخابرات المصرية أنجزت ترتيب وقف إطلاق النار بعد زيارات إلى تل أبيب، ولقاءات، واتصالات مع قادة الجهاد الإسلامي في غزة، والخارج، غير أن أصوات أهل غزة "يا وحدنا" لم تجد بلسمها في الوعيد، والتهديدات الإيرانية الكلامية بحرق إسرائيل.
حين تعلو أصوات المعارك، تختفي مفردات السلام، والواقع الأكيد في السنوات الماضية أن المجتمع الإسرائيلي يذهب نحو التطرف، وقيادته تزاد يمينية، وشعبوية، وتتسابق فيما بينها نحو إشعال الحروب، فهو يُطيل أمد مكوثها في السلطة، ويُرضي المستوطنين الذين توسع حضورهم، وباتوا يفرضون شروطهم، وأجندتهم.
قُبيل أسابيع من انتخابات الكنيست يجد القادة المتضامنون في السلطة يائير لبيد، وبيني غانتس في الحرب على غزة ضالتهم لعلها تُثبت تحالفهم، وتُعزز فرصهم في الفوز، وتقطع الطريق على خصمهم اللدود نتنياهو الذي لا يمل ولا يكل، ويُطل برأسه باعتباره الأجدر بالحكم.
الحرب على غزة ليست حالة عارضة لإسرائيل، بل مخطط يُرسم، ويُنفذ، وبالتزامن مع قذائف الطائرات، تعطي الحكومة الإسرائيلية الضوء الأخضر للمستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى بحماية الشرطة في ذكرى ما يُسمى "خراب الهيكل".
يُستنزف الشارع العربي في بكائهم على قتلى يودعون قتلى في غزة، والقدس، وجنين، والعالم في أحسن أحواله يُصدر بيانات تنديد خجولة، لا تحمي الأحياء من موت قادم، وتظل إسرائيل بلا منازع دولة مارقة، ترتكب جرائم الحرب أمام عدسات الكاميرات، وكل منظومة الأمم المتحدة عاجزة عن ملاحقتها.

