FILE - Members of Palestinian Civil Defense evacuate a wounded man following an explosion in Jebaliya refugee camp, northern…
حين تعلو أصوات المعارك، تختفي مفردات السلام، والواقع الأكيد في السنوات الماضية أن المجتمع الإسرائيلي يذهب نحو التطرف، وقيادته تزاد يمينية، وشعبوية- نضال منصور

الدم الفلسطيني هو القاسم المشترك الذي يجمع قيادات إسرائيل، فهم يعتبرونه طريقهم، وبوابتهم لصناديق الاقتراع، وهم يستثمرون بالدم الفلسطيني الذي يُراق في معاركهم السياسية لاستقطاب أصوات الناخبين.

هذه القاعدة ترسخت في المعركة التي خاضتها إسرائيل ضد حركة الجهاد الإسلامي في غزة، وسمتها "بزوغ الفجر"، وهي ذات السياسة التي اعتمدها قادة إسرائيل بغض النظر عن أسمائهم، وتوجهاتهم في حسم صراعاتهم الداخلية، فالدم الفلسطيني جسرهم للوصول، أو البقاء في السلطة.

بوساطة مصرية أعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة الجهاد، ولا يمكن التكهن منذ الآن إن كانت العملية العسكرية قد انتهت، وما يُقال على لسان المسؤولين الإسرائيليين أن العملية حققت أهدافها، والأكيد أن رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" أوصى بوقف عاجل لإطلاق النار قبل أن تتداعى الحكومة الإسرائيلية المؤقتة، وتفقد تأييدها الشعبي، وتنهار في ظل تواصل سقوط الصواريخ حولها، وقبل أن تلحق حركة حماس في المعركة التي ظلت خارجها، فتتغير الموازين، والمعطيات.

الإحصائيات الأولية تشير إلى سقوط 44 قتيلا في غزة، و311 جريحا، و1500 وحدة سكنية تضررت، ومحطة توليد الكهرباء توقفت، وفي مقدمة الأهداف الإسرائيلية كان اغتيال تيسير الجعبري، وخالد منصور أبرز قادة "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد.

الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، وفي مؤتمر صحفي من طهران لم يتردد بالقول "إذا لم تلتزم إسرائيل بشروط وقف إطلاق النار، فسوف نستأنف القتال مرة أخرى"، مشيرا إلى أن إسرائيل هي من سعت وبقوة إلى وقف إطلاق النار.

في الحرب الأخيرة على غزة لم تعلن إسرائيل عن أهدافها بشكل تفصيلي، ولهذا لا يهم لتحقيق الردع، وإظهار قوة الجيش الإسرائيلي أن يُسقط عشرات الأطفال، أو يحيا الناس في غزة مع الجوع، وبدون كهرباء.

لا تريد إسرائيل لتنظيمات المقاومة أن تلتقط أنفاسها، وأن تستعيد بناء قوتها، واستنادا لهذه النظرية تستنزفها في المعارك، وما بين الحرب والحرب حرب، وهي تفعل ذلك لتُظهر سطوتها، وقدرتها الماحقة على تدمير خصومها، وترميم صورتها التي تشوهت في حرب آيار من العام الماضي 2021.

بعد صمت اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، تتكرر نفس الاسطوانة التي حصّنت إسرائيل من المساءلة، والعقاب، وجعلتها دولة فوق القانون، لا تأبه بالمجتمع الدولي، ولا بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا تُصغي لصوت منسقة الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لين هاستينغز، التي تُعلي الصوت بأن الوضع في غزة مريع، وصعب، وخطير بعد الاعتداءات الأخيرة.

بعد تهافت الأنظمة العربية على التطبيع مع إسرائيل؛ لماذا على قادة إسرائيل أن يقلقوا من غضب الشارع العربي إذا ما دكت طائراتهم شوارع غزة المكتظة بالبشر؟، إذا كانوا يدركون بثقة مطلقة أن الأنظمة العربية كفيلة بوأد أي حراك شعبي تضامني مع غزة المحاصرة، ولن يسمحوا بمناصرة حقيقية للشعب الفلسطيني.

بعد كل حرب على غزة يتحرك المجتمع الدولي لإنقاذها من الكارثة الإنسانية التي تعيشها، فتُفتح المعابر لتقديم المساعدات الطبية والغذائية، وتقدم تعهدات بإصلاح الأضرار التي خلفتها الصواريخ، وما هي إلا أشهر حتى تهدأ، وتتلاشى الهبّة، وتعود غزة لتقبع خلف أسوار الحصار.

تتباهى إسرائيل أن قبتها الحديدية استطاعت اعتراض 95 بالمئة من الصواريخ التي أطلقتها حركة الجهاد الإسلامي، ولكنها لا تستطيع أن تخفي حالة الهلع، والرعب التي اجتاحت المجتمع الإسرائيلي الهش، حين تقترب منه الصواريخ، مهما كانت قوتها التدميرية، فنظرية الأمن الإسرائيلي تنهار في لحظة واحدة، والرسالة التي تصل المستوطنين واضحة، لا استرخاء بعد اليوم.

أكثر ما كان يشغل قادة إسرائيل إبعاد حركة حماس عن هذه المعركة، والاستفراد بحركة الجهاد الإسلامي وحدها، والحقيقة أن حركة الجهاد الأكثر قربا من إيران كانت وحدها، ولم يُفهم بقاء حماس خارج المعركة، والتقارير الاستخبارية الإسرائيلية كانت تُشير إلى أن إطالة أمد الحرب على غزة، وتزايد سقوط الضحايا قد يجبر حماس على الانخراط في المواجهة حتى لا تخسر صورتها كحركة مقاومة.

يعترف أمين عام الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، أن حماس لم تتدخل عسكريا، ويستدرك الأمر بشعارات عن وحدة "قوة المقاومة"، وأن "المقاومة" لا تعني أن تكون بالميدان عسكريا، وحماس العمود الفقري، وحاضنة المقاومة، وهو كلام لم يُجب على السؤال؛ لماذا لم تنخرط حماس في المعركة، ولماذا لم تطلق ما في جعبتها من صواريخ؟

تصريحات المتحدث الرسمي باسم حماس، فوزي برهوم، لم تفك اللغز، بل ضاعفت الغموض، والتكهنات، واكتفى بالقول "هذه جولة من جولات القتال، ومحطة من محطات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي لن تنتهي إلا بزواله".

ما بين إطلاق الصواريخ، وإطلاق التصريحات النارية حضرت تصريحات القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، الذي هدد أن حزب الله يملك 100 ألف صارخ تفتح باب جهنم على إسرائيل، والفلسطينيون ليسوا وحدهم في مواجهة إسرائيل.

وتبع تصريحات سلامي كلام أمين عام حزب الله، حسن نصر الله أنهم يتواصلون مع قيادة الجهاد الإسلامي، وحماس، وأنهم يترقبون ما ستؤول إليه الأمور في الأيام القادمة.

المخابرات المصرية أنجزت ترتيب وقف إطلاق النار بعد زيارات إلى تل أبيب، ولقاءات، واتصالات مع قادة الجهاد الإسلامي في غزة، والخارج، غير أن أصوات أهل غزة "يا وحدنا" لم تجد بلسمها في الوعيد، والتهديدات الإيرانية الكلامية بحرق إسرائيل.

حين تعلو أصوات المعارك، تختفي مفردات السلام، والواقع الأكيد في السنوات الماضية أن المجتمع الإسرائيلي يذهب نحو التطرف، وقيادته تزاد يمينية، وشعبوية، وتتسابق فيما بينها نحو إشعال الحروب، فهو يُطيل أمد مكوثها في السلطة، ويُرضي المستوطنين الذين توسع حضورهم، وباتوا يفرضون شروطهم، وأجندتهم.

قُبيل أسابيع من انتخابات الكنيست يجد القادة المتضامنون في السلطة يائير لبيد، وبيني غانتس في الحرب على غزة ضالتهم لعلها تُثبت تحالفهم، وتُعزز فرصهم في الفوز، وتقطع الطريق على خصمهم اللدود نتنياهو الذي لا يمل ولا يكل، ويُطل برأسه باعتباره الأجدر بالحكم.

الحرب على غزة ليست حالة عارضة لإسرائيل، بل مخطط يُرسم، ويُنفذ، وبالتزامن مع قذائف الطائرات، تعطي الحكومة الإسرائيلية الضوء الأخضر للمستوطنين لاقتحام المسجد الأقصى بحماية الشرطة في ذكرى ما يُسمى "خراب الهيكل".

يُستنزف الشارع العربي في بكائهم على قتلى يودعون قتلى في غزة، والقدس، وجنين، والعالم في أحسن أحواله يُصدر بيانات تنديد خجولة، لا تحمي الأحياء من موت قادم، وتظل إسرائيل بلا منازع دولة مارقة، ترتكب جرائم الحرب أمام عدسات الكاميرات، وكل منظومة الأمم المتحدة عاجزة عن ملاحقتها.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!