الاقتصاد الأميركي هو الأقوى عالميا
الاقتصاد الأميركي هو الأقوى عالميا

مَن يستقي معلوماته من وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام الرسمي العربي يَصل إلى نتيجة بأن الولايات المتحدة الأمريكية على وشَك الانهيار وأن عصر هيمنتها على العالم قد إنتهى نتيجة صعود قوى أخرى تمتلك من عوامل القوة ما لا تملكه أميركا، ومن بين هذه القوى روسيا التي أصبحت حسب هذا الإعلام تحت حكم بوتين في أوج عظَمتها وهي في طريقها للانتقام من الذين أهانوها خلال العُقود الماضية، وتأكيداً على ذلك ينشر هذا الإعلام صُور بوتين وهو يرفع أصبعه مهدّداً أميركا ومن يقف معها أو وهو يمارس هواياته الرياضية ويقارنونه مع صُور لبايدن توضّح تقدّمه في السن وكأن لقوّة بوتين العَضلية علاقة بقوّة روسيا، أما الصين فيصوّرها الإعلام العربي كقوّة لا تُقهر في طريقها لابتلاع العالم كلّه، ويَعرض بحماس تسجيلات عن مناوراتها واستعراضاتها العسكرية، بل هُناك من ينقل بنفس الحماس استعراضات كيم جونغ أون الإعلامية وهو يتوعّد الولايات المتحدة بمعاقبتها نوويّا، مع أن كوريا الشمالية مجرّد دولة صغيرة فقيرة.  

ومن الصعب معرفة على أي أساس اعتمد هؤلاء الإعلاميون والمحلّلون السياسيون العرب في تنبّؤاتهم هذه، فقد أصبحت الحرب التي شنّها بوتين على أوكرانيا في منتصف شهرها السادس والتقدّم الروسي مازال بطيئًا وفي بعض الجبهات إنتقل زمام المبادرة إلى الأوكرانيين وأصبحت البيانات العسكرية الروسية التي تتحدّث عن تدمير عشرات الأهداف وإسقاط أعداد كبيرة من الطائرات وقتل مئات الجنود الأوكرانيين مجالاً للسخرية والتندّر تماماً مثل البيانات العسكرية العربية، وفي الوقت الذي ألحقت فيه العقوبات الغربية ضرراً كبيراً بالإقتصاد الروسي فإن بعض وسائل الإعلام العربية تقول أن بوتين هو الذي يخنق الإقتصاد العالمي!.  

وعندما أعلنت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي عزمها زيارة تايوان، هدّدت الصين بآن هناك ثمن هائل سيدفعه من يخترق خطوطها الحمراء، ولم تغيّر بيلوسي خطّتها وذهبت إلى تايوان فإقتصر الرد الصيني "الهائل" على القيام بمناورات عسكرية قُرب الحدود البحرية لتايوان ورغم أن هذا الرد كان مُحبطاً للكثير من الصينيين الذين قالوا لحكومتهم عبر مواقع التواصل الإجتماعي، لماذا أصدرتم كل هذه التهديدات إذا كنتم لن تفعلون شيئاً، فإن النشطاء العرب على مواقع التواصل الإجتماعي مازالوا يردّدون بثقة أن الإنتقام طبق يُؤكل بارداً، وما على الجمهور العربي سوى الإنتظار لأن الصين ستردّ بالمكان والزمان المناسبين!.  

واستمرّ هذا الإعلام في كلامه عن ضعف أميركا رغم أنها قتلت قبل أيام زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في عمليّة لايستطيع تنفيذها سوى الولايات المتحدة، إن كان من ناحية دقّة معلوماتها الإستخبارية أو من ناحية مواصفات وقدرات الطائرة بدون طيار التي إنطلقت من المحيط الهندي إلى كابول وصوّرت الظواهري على شُرفة منزله وتأكّدت من هويّته ومن عدم وجود أحد حوله أو من ناحية طراز الصاروخ غير المتفجّر الذي قتله دون أن يؤثّر على البناء أو يصيب غير الشخص المُستهدف، وهي نفس الطريقة التي قَتل فيها الجيش الأميركي قبل أسابيع قائد داعش في سوريا، وتأتي هذه العمليات ضمن سلسلة طويلة نجَحت فيها الولايات المتحدة في تصفية جميع قادة الصف الأول لداعش والقاعدة.  

ثم كيف استنتج هؤلاء أن مكانة الولايات المتحدة في تراجُع وهي التي أرسلت تلسكوب جيمس ويب إلى موقع محدّد في الفضاء إستطاع فيه إلتقاط أوضح صوَر للكون، والتي شكّلت ثورة في دقّتها وفي ما وفّرته من معلومات عن مجرّات تبعد 13.5 مليار سنة ضوئية عن الأرض، في نفس الوقت الذي سقطَ فيه صاروخ صيني عشوائيّا في المحيط الهندي بعد فقدان السيطرة عليه في ثالث حادث من نوعه، وأحد هذه الصواريخ سقطَ العام الماضي على ساحل العاج وألحق أضراراً بالمباني السكنيّة.  

وربّما من الأفضل تذكير الذين يتحدّثون عن ضعف الولايات المتحدة بأن قيمة شركة آبل الأمريكية أكبر من الناتج الوطني لروسيا كلها، وأن هذه الشركة هي التي تنتج الآيفون وعشرات الأجهزة المتطوّرة التي لا يستطيع عالم اليوم الإستغناء عنها، وان شركة "الفابيت" التي دخلت قبل عامين نادي شركات التريليون دولار ومن منتجاتها غوغل محرك البحث الأضخم عالميّاً والذي يجري أكثر من 3.5 مليار عملية بحث في اليوم الواحد، والتي يتبع لها اليوتيوب هي أيضا شركة أمريكية.  

وأن شركة أمازون المتخصصة في تجارة التجزئة والتجارة عبر الإنترنت وخدمات الويب والتي تجاوزت قيمتها منذ اربع سنوات التريليون دولار هي كذلك شركة أمريكية، تماماً مثل شركة ميتا التي تضمّ الفيس بوك والإنستغرام وواتس أب، وقبل كل هذه الشركات هناك شركة مايكروسوفت الأمريكية أيضاً ومن منتجاتها مايكروسوفت ويندوز ومايكروسوفت أوفيس وسكايب وعشرات المنتجات الأخرى.  

وهناك شركة "تسلا" التي تُمثّل مستقبل صناعة السيارات والقطارات في العالم والتي تعتمد على الطاقة الكهربائية والطاقة الشمسية، وكذلك شركة "نفيديا" التي تصنّع الكمبيوتر والآي باد وأشباه الموصّلات ومنتجات الذكاء الإصطناعي وألعاب الفيديو، وفي الأساس لابدّ من التذكير بأن شبكة الإنترنت أو شبكة الحواسيب المتّصلة التي غيّرت العالم هي أيضا من إكتشاف وتطوير وزارة الدفاع الأمريكية، والتي منها خرجت الشبكة العنكبوتية العالمية والبريد الإلكتروني والدردشة عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.  

ويُعتبر إنشاء وتطوير كل هذه الشركات في الولايات المتحدة وحدوث كل هذه الإكتشافات العلمية فيها نتيجة طبيعية لتطوّر جامعاتها ومراكزها البحثيّة مقارنةً مع بقية دول العالم، ففي قائمة أفضل عشر جامعات في العالم هناك ثماني جامعات أمريكية وجامعتان بريطانيتان، وفي نفس الوقت حافظت الولايات المتحدة على تفوّقها في الصناعات التقليدية، فليس من الممكن منافسة "لوكهيد مارتن" أكبر شركة في العالم لتصنيع العتاد العسكري، ولا شركة بوينغ لصناعة الطائرات ولا شركة فايزر للادوية رغم أنه في هذه المجالات تستطيع بعض الشركات الأوروبية واليابانية إنتاج ما يُنافس المنتجات الأمريكية.  

في حين تشتهر المنتجات الصينية بتدنّي مواصفاتها رغم قيام الصين بسرقة الاختراعات الغربية حسب قول مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي كريستوفر راي"إن الصين رائدة في سرقة الابتكارات بأي طريقة ممكنة من الشركات والجامعات، من خلال المخابرات الصينية وشركات مرتبطة بالدولة أو باحثين وطلاب دراسات عليا"، وتعتمد المُنتجات الصينية في المنافسة على رخص أسعارها فقط.  

وحتى في الثقافة والفنون فإن العالم يعيش في العصر الأميركي، فهوليود عاصمة السينما في العالم وليسَ على من يَحلم بالشهرة سوى الانتقال إليها، وفي هوليود وغيرها من عواصم الفن والموضة الأمريكية والأوروبية يتحدد طراز الملابس والأزياء التي سيرتديها الرجال والنساء في كل العالم، كما تتحدّد مقاييس الجمال التي سيحاول الجميع تقليدها إن كان عَبر مُستحضرات التجميل أو حقن البوتكس أو حتى عبر عمليّات التجميل.  

فإذا كانت الولايات المتحدة على هذا القدر من القوّة اقتصاديا وعسكريا وعلميّا وثقافيا وفنيّا فما هي مصلحة العرب في معاداتها والمراهنة على الأطراف الفاشلة والخاسرة، ولماذا يَخدع الإعلام شباب هذه المنطقة ويدفعهم لرفض وكراهية الدول المزدهرة التي تعيش شعوبها في رخاء وسعادة؟، ولا يوجد تفسير لذلك سوى أن القائمين على هذا الإعلام لا يريدون لهؤلاء الشباب معرفة أن النظام الأميركي والغربي عموما القائم على الديمقراطية والليبرالية هو سبب هذا التفوّق وأن أنظمة الحكم الشموليّة والاستبدادية هي سبب تخلّف روسيا والصين وكل من يدور في فلكهما من الدول والتي يقتصر وجود أغلبها حاليا على منطقة الشرق الأوسط.  

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!