حركة حماس يبدو كما لو أنها قد اقتنعت بالخطاب الإسرائيلي
حركة حماس يبدو كما لو أنها قد اقتنعت بالخطاب الإسرائيلي

تضاف العملية العسكرية الأخيرة في قطاع غزة إلى العمليات التي حققت فيها إسرائيل نجاحا ملحوظا ضد جماعة فلسطينية إسلامية مسلحة، حيث أنجزت أهدافها ولم تؤد إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين المدنيين بحيث بدت أشبه بالعملية الجراحية الدقيقة. ولذلك أيضا لم يتسن للناشطين حشد الرأي العام العربي أو الدولي ضد إسرائيل التي سارعت إلى الموافقة على إنهاء القتال خلال ثلاثة أيام فقط.

ومن الناحية العسكرية يبدو أن حركة الجهاد الإسلامي التابعة لإيران قد فوجئت بهذه العملية، ولم تتمكن من حماية قادتها الميدانيين، حيث قتل عشرة منهم على الأقل، بما في ذلك قائدي المنطقتين الشمالية والجنوبية لقطاع غزة. ورغم إطلاق مئات الصواريخ والقذائف على أهداف داخل إسرائيل، إلا أن حركة الجهاد لم تحقق شيئا تقريبا، إذ اعترضت القبة الحديدية الغالبية الساحقة من الصواريخ التي كانت موجهة نحو المدن والبلدات الإسرائيلية، وما تبقى سقط إما في مناطق غير مأهولة أو داخل غزة نفسها.

أيضا من المهم رصد حدث كان مثارا للاستغراب وهو أن حركة حماس يبدو كما لو أنها قد اقتنعت بالخطاب الإسرائيلي الذي حصر القتال مع الجهاد الإسلامي ولذلك فهي لم تتدخل في المعارك.

بعبارة أخرى فإن إسرائيل نجحت في القضاء على قيادة أركان حركة الجهاد من دون أن تتكبد أية خسائر. ولو قدر للمعارك أن تستمر فربما أمكن تصفية المزيد من النشطاء الميدانيين للحركة، لكن إسرائيل ربما كانت ستغامر بسقوط المزيد من الضحايا وربما أيضا إحراج حماس للدخول في القتال. لذلك فقد اتسم قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لابيد بالموافقة على وقف القتال بالحكمة.

لكن من الناحية الأخرى يمكن القول إن ما جرى كان مجرد إزاحة تكتيكية موفقة قد لا يكون لها مردود استراتيجي كبير.

فقطاع غزة يظل مشكلة لإسرائيل ومشكلة للفلسطينيين أيضا.

فهذا القطاع الذي تبلغ مساحته حولي 365 كلم مربع ويسكن فيه حوالي مليونين نسمة موزعين على خمس محافظات، هو خاضع بشكل كلي لحكم حركة حماس ولا يوجد ما يشير إلى أن هذا الواقع سوف يتغير في المستقبل المنظور. على العكس من ذلك يبدو أن الضفة الغربية تتجه هي الأخرى إلى أن تصبح تحت سيطرة حماس. ولو أجريت انتخابات فلسطينية فالراجح أن مسلحي الحركة سوف يفوزون فيها، وحتى أولئك الذين لا ينتمون إلى حركة حماس تنظيميا ويحملون أسماء أخرى، فالكثير منهم في الواقع يشاطر حماس نفس الفكر والعقيدة والتوجهات. وعدم إجراء الانتخابات لا يعني أن الضفة سوف تبقى تحت سيطرة فتح إلى الأبد. فليس هناك ما يمنع من تكرار السيناريو الذي حدث في غزة عام 2007 والذي بموجبه قامت حماس بتصفية وجود فتح بالقوة وأحكمت سيطرتها العسكرية والسياسية على القطاع. وحتى الآن فإن العائق الفعلي الوحيد أمامها للسيطرة على الضفة الغربية هو إسرائيل والتي تقوم أجهزتها الأمنية بصورة دورية بالقضاء على العناصر المسلحة الأكثر خطورة وعنفا، فضلا عن الاعتقالات في صفوف نشطاء حماس والجهاد وغيرهم من الفصائل المتشددة. ولو خففت إسرائيل من قبضتها على الضفة لابتلعتها حماس والفصائل المتحالفة معها بكل بسهولة.

بكلام آخر فإن إسرائيل مهما حققت من خطوات أمنية أو عسكرية فإنها سوف تظل تواجه وضعا فاشلا متحققا في غزة وآخر منتظرا في الضفة الغربية. وهو فشل يحاكي الفشل الاقتصادي والسياسي في الدول العربية المجاورة لإسرائيل.

وحتى الآن سعت الحكومة الإسرائيلية إلى التخفيف من حدة الأوضاع المعيشية التي يعاني منها الفلسطينيون عبر منح المزيد من تصاريح العمل لهم وتسهيل دخول البضائع والمساعدات الأخرى إلى مناطقهم.

لكن هذه مجرد خطوات تسكينية، فالمشكلة تظل قائمة، وهي في انسداد أفق السلام من جهة ومن جهة أخرى وقوع المجتمع الفلسطيني رهينة للميليشيات الإسلامية المسلحة وكذلك العصابات الأمنية. ولا توجد بارقة أمل في أن يتمكن الفلسطينيون في أي وقت قريب من إنشاء مؤسسات مدنية حقيقية يمكن أن تشكل نواة لدولتهم المستقبلية. بل أن هذا الهدف يبتعد أكثر فأكثر مع استمرار سيطرة الميليشيات المسلحة وشيوع الأفكار الدينية المتطرفة والاستسلام لواقع انعدام الأمن والاستقرار الاقتصادي والمؤسساتي بين الفلسطينيين.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه إسرائيل اليوم وفي المستقبل أيضا في التعامل مع قطاع غزة والضفة الغربية.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.