Austin Butler, left, and Tom Hanks pose for photographers upon arrival for the premiere of the film 'Elvis' in London Tuesday,…
الفيلم ينسج بشكل متواز ومتداخل، سيرة بريسلي والكولونيل معاً، وأين تقاطعت السيرتان وتقاربتا، وأين تنافرتا وابتعدتا- كوليت بهنا

في السادس عشر من شهر أغسطس الجاري، تحل الذكرى السنوية الـ45 لوفاة ملك البوب والكانتري بلوز والروك أند رول، المغني الأميركي العالمي الأشهر إلفيس بريسلي. وهي مناسبة تكتسب العام زخماً وجدانياً مضافاً لتقارب توقيتها مع إطلاق فيلم السيرة الذاتية(Elvis#) للعرض الجماهيري الأميركي والعالمي قبل نحو شهرين.

الفيلم الذي حققه المخرج باز لورمان ويشكل مرجعية عاطفية جديدة لعشاق بريسلي، يمنح بطولته مناصفة بين النجم العالمي توم هانكز والنجم الصاعد أوستن بتلر، المتوقع أن يشكل له هذا  الفيلم علامة فارقة في مسيرته السينمائية، لأدائه المتقن والمبهر لدور بريسلي، والذي تخطى فيه حدود الشخصية المكتوبة، وبدا أشبه بالتقمص الروحي والفيزيائي الخالص لها. 

تؤكد التقييمات النقدية العالية التي حظي بها الفيلم، وأيضاً العائدات الخيالية التي حققها في زمن قياسي، استمرار الوهج الاستثنائي لشخصية ملك الاستعراض الأكثر إثارة وإشكالية في العالم رغم مرور مايقارب نصف قرن على رحيله. وكأن وفاته المفجعة عن عمر 42 عاماً، منحته هالةً قدرية مضافة أشبه بتعويذة سحرية تصالحت مع الزمن، الذي لم يخفف وقع مروره من خلود شهرته فقط، بل يمنحه باستمرار هبات فائضة من الاهتمام والإعجاب. 

سبق لهوليوود أن قدمت عشرات الأفلام التي تناولت حياة بريسلي القصيرة وبحثت في خفاياها وجربت في كل مرة أن تقدم رؤية جديدة عنها. لكن الرؤية التي يطرحها فيلم المخرج الاسترالي الأصل باز لورمان، ستبدو الأكثر إحاطة وعمقاً حتى اليوم.

إذ يمكن تصنيف الفيلم أيضاً بمثابة وثيقة سياسية واجتماعية خالصة تعكس بسلاسة خلفيات ثلاثة عقود زمنية هامة واستثنائية من التاريخ الأميركي وتداعياتها على التاريخ العالمي، بحيث تغطي أجواء خمسينيات القرن العشرين حتى منتصف السبعينيات، وهي عمر تألق نجم إلفيس وزمنه.

الفصل العنصري الجائر، حراك الحقوق المدنية، حرب فيتنام، تأثير الزعيم مارتن لوثر كينغ واغتياله الذي تلاه في العام ذاته اغتيال الرئيس جون كينيدي، بدء غزو الفضاء، زمن الرئيس نيكسون وغيرها من المحطات التاريخية المؤثرة، سيمرر المخرج معظمها في مشاهد خاطفة تمزج بين الوثائقي والدرامي ببراعة، وسيترك لعدد منها بعض المساحات الدرامية الكافية لرصد تأثيرها على حياة الأمة وحياة بريسلي الشخصية.

إحدى أبرز المحطات التي تعمد المخرج الاحاطة بها، هي تلك العلاقة الطيبة التي جمعت بريسلي الفتي مع مجتمع السود في "ممفيس-تينيسي"، ومدى تأثير موسيقى البلوز والكنيسة السوداء في تنشئته الموسيقية المبكرة، أو بوصفها حجر الأساس والمحرض الأول لظهور موهبته، وهي علاقة عاطفية مميزة، سيُخلص إلفيس لها بأمانة في كل مراحل عمره كرجل ينبذ العنصرية بصدق، ويسخر شعبيته ونجوميته للدفاع والانحياز لها، أياً كان ثمن تحديه واستفزازه لسلطات بلاده ومجتمعه الأبيض المحافظ، الغارق آنذاك في سياسة التمييز العنصري والتشدد الديني والاجتماعي. 

كل ماتقدم لن يأتي كاستعراض درامي تقليدي عن حياة بريسلي، بل سيصاغ كسردية سينمائية يرويها النجم توم هانكز بلسان الكولونيل توم باركر، الثعلب الماكر الذي تعلم فنون الاحتيال من مدن الملاهي، والذي اكتشف موهبة إلفيس بريسلي وأطلق نجاحه، وظل مديراً لأعماله يتقاسم نصف أرباحه لعشرين عاماً.

بحيث يمكن القول إن الفيلم ينسج بشكل متواز ومتداخل، سيرة بريسلي والكولونيل معاً، وأين تقاطعت السيرتان وتقاربتا، وأين تنافرتا وابتعدتا. وهي رؤية أراد المخرج الاضاءة عليها لتوضيح  مثل هذه العلاقة التجاذبية-الإشكالية، التي استفاد منها الجانبان، لكنها ظلت مثاراً للتساؤلات لسنوات طويلة، يعاد إثارتها في متن السرد، ويترك لجمهور وعشاق بريسلي تقييمها أخلاقياً وتاريخياً.

إما بنبذها واعتبارها أحد الأسباب الهامة للتدهور الذي أصاب حيوية إلفيس بريسلي وأفضى به إلى الادمان وتبذير المال، أو منحها بعض الانصاف، واعتبارها قدراً لم يخطَّط له بنوايا سيئة، وتصادف أنه وجد وسط كمّ من التحولات السياسية والاجتماعية التاريخية التي طبعت تأثيرها على أحداث ذاك الزمن وجميع شخوصه. 

ولعل أبرز مايطرحه فيلم (#Elvis)، هو إعادة إثارة السؤال الإشكالي الأبدي عن مفهوم الموهبة. وهل كانت أية موهبة فردية في العالم، فنية أو رياضية أو أدبية أو سياسية أو غيرها، ستنمو دون دعم أو سند أو تمكين، وأيضاً دون تبني فرد أو جهة ما لها؟ وإلى أي مدى تستفيد الجهات الداعمة للمواهب منها، وتستثمرها وتجني منها أرباحاً خيالية؟

عن هذه العلاقة المنفعية التبادلية التي يمكن أن تقاس على العديد من الأمور الحيوية في الحياة وفي جميع الأوقات، يرتسم الإطار العام والبعد الفكري للفيلم، دون أن يغفل مخرجه-كمبدع-التنويه الموارب، وأحياناً إنحيازه الصريح للموهبة الفردية، التي تبقى وسط عالم "البزنس" الأكثر حساسية وهشاشة، وتسدد الثمن الأكبر الذي قد يكلفها حياتها أحياناً، فيما تستمر عربة الاستثمار التجاري الجشع في مسيرها اللاهث لاصطياد دجاجة جديدة تبيض ذهباً، كلما تقاعست أو عرجت الدجاجة التي سبقتها. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.