سجن في المغرب
حارس سجن القنيطرة قرب العاصمة المغربية الرياض يحمل مفاتيح زنزانات وجامعات يدين- أوغست 2021.

في العقود الأخيرة، صار السجن موضوعا حاضرا بقوة في الأحاديث المتداولة بين الناس في المجتمع المغربي. حتى لا تكاد تجد شارعا بحيٍّ من الأحياء السكنية الشعبية في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، لا يمثله عشرات الشباب داخل السجون. فإن لم يكونوا دخلوه بسبب السرقة البسيطة، أو التورط في عراك ينتج عنه ضرب وجرح، أو بسبب السكر العلني، فقد يحدث بسبب استهلاك وترويج المخدرات، أو الاغتصاب، أو النصب والاحتيال، وأحيانا بسبب الهجرة السرية، إلى ما هنالك من "الجرائم الصغيرة" التي تتنامى بصورة  تكاد تتحول إلى نمط عيش أو أسلوب حياة لدى الشباب العاطلين في المغرب. 

وحسب تقرير رسمي نشر قبل أيام قليلة، صادر عن المندوبية السامية للتخطيط (حكومية)، يوجد أكثر من ربع الشباب في المغرب ما بين 15 و24 سنة، أي ما يمثل 2 ,16 % من الساكنة الإجمالية خلال 2021، "لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين". وبالتالي ليس أمامهم سوى الضياع والانخراط في دروب المجهول وسبل الجريمة المؤدية إلى بوابات السجون. 

ناهيك عن المحكوم عليهم من المعتقلين على خلفية الحراك الاجتماعي، مثل الحراك الشعبي في الحسيمة وجرادة وزاكورة، أو بسبب آراء ومواقف معارضة، إلا أن معظم هؤلاء المعتقلين يقبعون اليوم في الزنازين بملفات جنائية لا صلة لها بحقيقة حرمانهم من الحرية. 

كل هذا يفسر عزم الدولة بناء سجون جديدة، لتدبير ظاهرة الاكتظاظ في السجون، من أجل استيعاب أعداد السجناء الذين عرف عددهم ارتفاعا بنسبة حوالي 40 في المائة خلال العقد الأخير.  

حسب إفادة أدلى بها المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك، بشأن الاكتظاظ، فإن الاستثناء الحاصل في انخفاض عدد السجناء، حدث خلال تفشي جائحة كورونا، ما بين نهاية ديسمبر 2019 ونهاية أبريل 2022. أي خلال أربعة أشهر سجل فيها انخفاضا من 84 ألف و393 معتقلا إلى 78 ألف و256 معتقلا. وهو استثناء "لم يسبق تسجيل مثيل له منذ أواخر سنة 2016"، كما أكد المسؤول الأول عن سجون المملكة. إذ إن الانخفاض النسبي لمعدلات الجريمة جاء نتيجة مباشرة لفرض الحجر الصحي، في المدة التي عرفت فيها المحاكم تعليق أنشطتها مقتصرة على القضاء الاستعجالي. لكن ما إن تم رفع الإجراءات الاحترازية وإنهاء الحجر الصحي، حتى استأنفت المحاكم عملها، لتعود  ماكينة أرقام الساكنة السجنية إلى الارتفاع، عائدة إلى الأرقام المسجلة سابقا قبل جائحة "كوفيد- 19".  

رافق هذا الوضع العام، تزايد الاهتمام بالشأن السجني من طرف هيئات المجتمع المدني خلال الألفية الحالية، بإنشاء جمعيات محلية ووطنية متخصصة تعنى بأوضاع السجناء، خاصة الفئات المستضعفة، النساء والأحداث منهم مع الشباب، إذ تسعى هذه الجمعيات لمساعدة هؤلاء المساجين وإعادة إدماجهم في المجتمع بعد استرجاع حريتهم. 

هذا إضافة إلى مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء (رسمية)، تم إنشاؤها ﺳﻧﺔ 2002 "ﺗﻧﻔﯾذا ﻻﺳﺗراﺗﯾﺟﯾﺔ ﺟﻼﻟﺔ الملك ﻣﺣﻣد اﻟﺳﺎدس اﻟراﻣﯾﺔ إﻟﯽ ﺗوﻓﯾر اﻟدﻋم واﻟﻣواﮐﺑﺔ ﻟﻔﺎﺋدة اﻟﺳﺟﻧﺎء اﻟﻣﻔرج ﻋﻧﮭم". تأسست في سياق حيوية المجتمع المدني في المغرب جمعيات حقوقية غير حكومية ومستقلة. منها "جمعية حلقة وصل سجن/ مجتمع"، أنشئت في سنة 2005،  لـ"مكافحة ارتداد السجناء إلى حياة الجريمة، ومن أجل توفير المساعدة وتقديم خدمات إعادة التأهيل والعمل على إعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد مغادرة السجن، مع أنشطة تدريب للسجناء السابقين وتوفير الخدمات للسجناء الحاليين". 

قبلها، في سنة 1999 تأسست منظمة "المرصد المغربي للسجون"، بهدف "حماية وتعزيز حقوق السجينات والسجناء". 

 وفي الأعوام الأخيرة شرع المرصد في إصدار دراسات وتقارير سنوية حول أوضاع المؤسسات السجنية والسجناء في المغرب.  

وقد تميز الأسبوع المنصرم بتقديم التقرير السنوي للمرصد المغربي للسجون للعام 2021، تحت شعار: "حالة السجون مرآة المجتمع، فكيف نريدها؟"، وذلك خلال ندوة صحفية عقدت بالعاصمة الرباط، صباح الخميس 4 أغسطس 2022.  

اشتمل التقرير على مجموعة من البيانات والمعطيات الإحصائية الخاصة بالمؤسسات وبالساكنة السجنية، ووضعية الفئات الهشة وذوي الإعاقة والأحداث والأجانب، ومعالجة وتحليل ومتابعة الشكايات والتظلمات الواردة على المرصد، وانتهى بخلاصات وتوصيات. 

حسب التقرير وصل عدد المعتقلين في المؤسسات السجنية في المغرب نهاية سنة 2021، ما مجموعه 88914 معتقلا، 2.34% منهم نساء. من بينهن 69 سجينة أجنبية.  

- 43 %  من الساكنة السجنية تتراوح أعمارهم ما بين 20 و 30 سنة. 

-  30 % أعمارهم ما بين 30 و40 سنة. وعدد الأحداث دون سن 18 سنة 1028 حدثا.  

-  79 % من الصادر في حقهم حكم الإعدام، بينهم امرأتان. علما أن تنفيذ أحكام الإعدام متوقف منذ  ثلاثة عقود. 

- 1132 أجنبيا سجينا.  

تتصدر جهة الدار البيضاء- سطات المرتبة الأولى بـ 19% من عدد السجناء، تليها جهة الرباط - سلا - القنيطرة بنسبة 18%. 

يسجل انخفاض في عدد المؤسسات السجنية مقابل ارتفاع عدد السجناء، مع تقليص في المساحة المخصصة لكل سجين، التي وصلت إلى 2.0 متر مربع، دون أن تستجيب للمعاير الدولية الموصى بها والاتفاقيات المصادق عليها (4 متر مربع)، والتي توفر لكل سجين مرفقا صحيا معزولا.  

كما تتكرر ظاهرة احتجاج آلاف السجناء على سوء أوضاع حبسهم والمعاملات اللإنسانية التي يتلقونها، بلجوئهم إلى خوض الإضراب عن الطعام، إضافة إلى ارتفاع الوفيات وحالات الانتحار بين السجناء، علما أن بعض تلك الحالات لا يتم إجلاء الحقيقة كاملة بشأن ملابساتها. 

*** 

يحاول المرصد المغربي للسجون الإشارة إلى ما تحقق من مكتسبات لفائدة السجناء والأوضاع داخل السجون عموما، إلا أن مهمته الأساسية تتجلى في رصد النواقص والمشاكل وكشف الاختلالات، بلفت الانتباه إلى وضعية المؤسسات السجنية ومدى احترامها للمعايير المعمول بها، في أفق البحث في إمكانيات النهوض بها لجعلها تلعب أدوارا رئيسية في التأهيل وإعادة الإدماج، وانتقاد كل ما يحول دون تحقيق مصلحة السجناء وحفظ كرامتهم الإنسانية، وفق المبادئ الأساسية الكونية وانسجاما مع التشريع الوطني ذي الصلة بالسجون. 

ويعد التقرير السنوي للمرصد وثيقة هامة تتضمن أرقاما دقيقة وتفاصيل محققة حول ما يجري داخل السجون المغربية. وكثير من معطياته هي رد مباشر على الصورة الزاهية التي تقدم حول السجون بالمغرب، صورة جعلت أحدهم يقول بسخرية مريرة: "علينا الانتقال جميعا إذن للعيش بـ"منتزهات التامك"، التي يعيش فيها "النزلاء" في عز ونعيم أين منه نزلاء الفنادق المصنفة ضمن الخمس نجوم". 

يحمل التقرير مجموعة من التوصيات العملية، الموجهة إلى الحكومة والبرلمان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والقضاء والنيابة العامة، وإلى كل المتدخلين في الشأن السجني، إذ تمحورت توصيات تقرير المرصد حول إصلاح المنظومة القانونية الجنائية والعمل على ملائمتها مع المعايير الدولية ذات الصلة بالشأن السجني، ورسم سياسة عقابية إنسانية وملائمة للالتزامات التعاقدية للمغرب، والتسريع في تفعيل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، وتعزيز دور القضاء في الرقابة على تدبير السجون ووضعية السجناء، وتجسيد المقاربة التشاركية في تدبير القطاع السجني، وضمان وتعزيز الحقوق الأساسية للسجناء، بما فيها الحق في التكوين والتعليم والتواصل والاندماج. 

ولا يفوت مسؤولو المرصد مناسبة تقديم تقريره السنوي دون المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي والاحتجاجات السلمية والإفراج عن النساء السجينات المرفقات بأطفالهن، والسجناء في وضعية إعاقة وذوي الأمراض المزمنة والمسنين للتقليص من ظاهرة الاكتظاظ  داخل المؤسسات السجنية، وتقليص عدد السجناء الاحتياطيين. 

وقد سبق للأستاذ عبد الرحيم الجامعي (نقيب سابق لهيأة المحامين، ومن مؤسسي مرصد السجون) توجيه رسالة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ينتقد فيها ما أعلن بشأن إجراءات تعتزم الحكومة تفعيلها للحد من اكتظاظ السجون، ومن بينها التوجه إلى بناء 11 مؤسسة سجنية. مؤكدا ضمن رسالته أن "بناء السجون ليس الحل الحقيقي"، مضيفا أن مشكلة الاكتظاظ "لا تعود إلى قلة عدد السجون، ولا تجد حلها في بناء السجون، لكن تعود للأوضاع المزرية للمحاكم، ولظروف اشتغال القضاة، والضغوط التي يتحملها الرجال والنساء منهم". 

***  

يقول المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، أول الفلاسفة الذين ناقشوا ظاهرة السجن: "بالنسبة إلى السجن، لا معنى للاكتفاء بالخطابات عن السجون.. وإنما ينبغي الانتباه أيضا إلى ما هو صادر عن السجون نفسها من قرارات وأنظمة داخلية (...) صادرة عن أناس عاشوا داخل تلك المؤسسات وقاموا بتسييرها".  

كما لو أن فوكو يتحدث هنا عن المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك (69 عاما)، الذي كتب له في حياته أن يكون سجينا ثم سجّانا، بعد أن كان ضمن المعتقلين الصحراويين بسجن "سيدي سعيد" في مدينة مكناس. وفي سنة 2013 تم تعيينه للإشراف على تسيير سجون المملكة. خصوصا إذا ما علمنا أن التامك حاصل على شهادة دكتوراه في مجال تحليل الخطاب.  

فمن أين سيبدأ يا ترى السجَان الأكاديمي للإقناع بحالة السجون التي يديرها ولا نريدها؟! 

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.