شواطئ لبنان
لبنان يعاني من الصراعات المذهبية

استعرض وجيه كوثراني في كتيب عنوانه "اشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية"، علاقة الطوائف  بالدولة اللبنانية، مظهراً تأثرها بإيديولوجيات نبعت من التيارات الفكرية الفاعلة في التاريخ العربي المعاصر. لكني سأكتفي هنا باستعراض مقولات كمال الصليبي.  

صدر هذا الكتيب في العام 2014، أي قبل ان توصلنا سياسات الممسكين بزمام الطوائف والدولة الى جهنم. 

كان السؤال في لبنان دائماً: كيف نصلح هذه الدولة وكيف نبني وطنا، يعلي فيه المواطن انتماءه لوطنه ودولته وجنسيته، التي بالمناسبة نسميها "تذكرة هوية"، والقصد من التسمية جعلها تذكرة سفر وولاء الى الدولة اللبنانية، لتغليبها على  الولاءات الهوياتية الاخرى. لكن تلك السياسات عمّقت ارتباط اللبناني بهويته الطائفية والمذهبية وأضعفت هويته الوطنية وولاءه للدولة!!  

من المسلم به ان اللبنانين طالما اختلفوا على تاريخهم، لاختلافهم على فكرة الدولة اللبنانية والانتماء اليها. كان الحل قوننة الميثاق الوطني، لا شرق ولا غرب، بنص دستوري ملزم: " لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه وهو عربي الهوية والانتماء". ولم يطبق. 

كان الصراع على من هو أحق بحكم لبنان والتحكم بأبنائه. مرة بالاستناد الى أسبقية وجوده على هذه الأرض - في منافسة جلية للفكر الصهيوني عندما برر احتلاله لفلسطين- ومرة لأنه سبب وجوده ومرة اخرى لأنه ملجأ للمضطهدين. لكن ولا مرة من باب الدفاع عنه ك "وطن" للجميع بالتساوي. فالكتابة التاريخية استهدفت غالباً كتابة تاريخ لدولة تتلاءم او تعبر عن مصالح او ايديولوجيا الطرف المؤرخ.  

اختار كوثراني نقاش كمال الصليبي لتمتعه بأخلاقية مهنية وبصدقية عالية و يعتمد منهج تاريخي علمي.   

عالج الصليبي مسألتان رئيسيتان: 

المسألة الاولى: مرجعية فخر الدين والامارة اللبنانية. طرح السؤال الإشكالي التالي: هل لهذه الامارة ميزة او ميزات تجعلها ذات خصوصيات، تبرر القول بانها كانت الصيغة التاريخية، او النواة، المؤسسة او الممهدة للدولة اللبنانية الحديثة؟ وان بطلها فخر الدين المعني؟  

توصل كمال الصليبي، عبر منهجه التجريبي، الى انه لا يرى اساسا لهذه الخصوصية. 

المسألة الثانية: كيف يتصور اللبنانيون ماضيهم؟ هل يصلح هذا التصور، وهو غالبا تصور طوائف لماضيها، اساسا لبناء لبنان جديد؟ 

بالنسبة لفخر الدين، هو رسميا ملتزم لجباية الضرائب لا غير في المناطق التي يسيطر عليها. لكن مكانته كانت تختلف من منطقة الى اخرى. كان له في الشوف حكم تقليدي موروث مستقل عن الالتزام الرسمي المرتبط بالدولة، وكان لفخر الدين في كسروان تبعية تلقائية بين الموارنة. اما خارج تلك المناطق فكانت سيطرة فخر الدين مجرد التزام من الدولة العثمانية تدعمه قوة الأمير العسكرية. 

لكن هذا التوصيف لا يمنع من إعادة الاعتبار لفكرة فخر الدين كأسطورة (mythe) لها دورها في أسطرة التكون التاريخي للبنان الحديث. بدأت هذه الاسطورة صغيرة ثم نمت مع نمو لبنان حتى اصبح فخر الدين اليوم رائد الاستقلال اللبناني ورمز الوحدة. 

المشكلة، كما يقر الصليبي، ان هذه الاسطورة لا يُجمع عليها اللبنانيون كصورة وطنية جامعة او تاريخ وطني جامع. حاول معرفة كيف يتصور اللبنانيون ماضيهم في كتابه : "بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصور والواقع". تتلخص وجهة نظره بالتالي: 

لا يمكن لطائفة ان تفرض نظرتها الى تاريخ لبنان على الطوائف الاخرى، وبعد ان يستعرض 3 تجارب طائفية فشلت في كتابة تاريخ مدرسي، يخلص الى انه لا بد من حملة تنظيف عامة في بيوت العناكب المنسوجة داخل البنى الطائفية والمذهبية المختلفة في البلاد لازالة جميع الاحكام المسبقة والاحكام المسبقة المضادة المتعلقة بماضي لبنان وماضي العرب؛ أكان من وجهة نظر القومية العربية الدمجية ام من وجهة نظر القومية اللبنانية التي تسعى الى الخصوصية، أو في البحث في الفينيقية او الامارة او نظرية الملجأ.  

لا يمكن بناء تاريخ وطن - دولة على تاريخ سياسي مختلف عليه. لا بد من الاقرار والاعتراف بهذا الاختلاف على قاعدة البحث التاريخي الموصل الى حقائق تاريخية وان كانت هذه الحقائق لا تحمل معاني الوحدة الوطنية.  

وبناء عليه يطرح الصليبي على اللبنانيين – كجماعة سياسية – المهمة التالية:" عليهم ان يعرفوا بدقة لماذا هم لبنانيون وكيف اصبحوا لبنانيين، وهم لم يكونوا في الاصل الا مجموعة من الطوائف المتفرقة صودف تواجدها في بقعة واحدة من الارض. وان لم يفعلوا ذلك – بغض النظر عن الطريقة التي ستصلح الشجار الحالي في لبنان – فانهم سيستمرون في البقاء مجموعة من العشائر البدائية المتنافرة، تسمي نفسها عائلات روحية دون ان يكون لها اية علاقة بالروحانيات. 

السؤال المغفل او المسكوت عنه في هذا المشروع ، بحسب كوثراني هو التالي: ما هي شروط "الحاضر" التي تمكّن من تصحيح الاحكام المسبقة للوصول الى المعرفة الدقيقة، اي "العلمية" والتي يطلبها الصليبي؟ 

هل يطلبها منهم كطوائف او كأفراد ومواطنين؟ او كمؤرخين ذوي اختصاص؟ وفي الحالة الاخيرة ما العمل اذا اختلفت المدارس والمناهج والمفاهيم بين المؤرخين انفسهم؟ 

عندما يدعو الصليبي اللبنانيين بالجمع، لتنظيف بيوتهم من "العناكب"، أي من التشوهات التي أدخلتها الطوائف على تواريخها، فانه لا يفرق في الدعوة بين "لبنانيين" يفترض مبدئياً أنهم مواطنون، وبين "طوائف" يفترض مبدئيا ايضا انها جماعات دينية او إثنية وليست جماعات سياسة او أحزاباً.  

هل يوجه الدعوة، الى المواطنين أم الى "الطوائف"؟ وبأية صفة، بالصفة الدينية – المذهبية أم بالصفة السياسية؟ 

يبدو ان كمال الصليبي يتوجه الى الطوائف كجماعات، مازجاً بين خصوصياتها الدينية والمذهبية وتطلعاتها السياسية، فيصبح التنظيف المطلوب يقوم على معادلة ميثاقية (ايضا): عروبة تهدئ من غلوها القومي الدمجي، ولبنانية تحد من المبالغة في تمجيد خصوصياتها ذات الطابع الطائفي – المسيحي. 

لكن التماثل ما بين التوافق السياسي والتوافق التاريخي، بل وجعل "التوافق التاريخي" شرطاً للتوافق السياسي، يغفل عدداً من المعطيات والحقائق المغفلة، هناك فرق بين الطوائف ذات الخصوصيات الدينية والمذهبية من جهة، وبين الطائفيات السياسية من جهة ثانية؛ فهذه الاخيرة تتجسد زعامات وأحزاب ومؤسسات وسياسات من شأنها تحويل الطائفة من حالة دينية ومذهبية وثقافية الى حالة كيان سياسي. ناهيك عن الفرق بين الذاكرة التاريخية الجماعية والمعرفة التاريخية. فالذاكرة الجماعية عفوية وأسطورية بطبيعتها وخالطة للأزمنة، بل وهي مخزن نفسي جماعي منقص للأخبار والصور احيانا او مضيف اليها احيانا اخرى، مزين او مشوه... وكلها تنشأ عبرالزمن، وبفعل وطأة الحدث الراهن واستفزازاته وتحدياته التي لا تكتفي بان يكون البشر فاعلين في الحاضر، بل مغيّرين ايضا للماضي، اكان باتجاه تقبيحه او تحسينه، تثويره ام تهئته بحسب الصراع بين القوى التي تستغل الهويات المختلفة.  

ما يتجنبه الصليبي: من هو المسؤول عن التجهيل والتشويه وبناء بيوت العنكبوت، او إدخالها الى بيوت اللبنانيين؟ أهو لاهوت الطوائف وعلم الكلام وفقهها؟ أم سياسيوها، ومن هم؟  

أليس المسؤول النظام السياسي المهيمن واشكال معينة من ممارسة السلطة وتوزيع الثروة وسياسات زبونية محددة في الاقتصاد والتنمية والتعليم توزيع الثروة... 

الهرم مقلوب هنا على رأسه. فما ينبغي تنظيفه ليس بيوت الطوائف (او تواريخها) ليستقيم أمر الدولة – الوطن، بل تنظيف السياسات اولا بالبرامج والخطط لبناء دولة – وطن، وتنشئة مواطن منفتح ومتفهم لخصوصيات الطوائف الدينية وذاكرتها التاريخية. 

وحتى العام1970، وعند عزوف الرئيس شهاب عن إعادة ترشحه للرئاسة، لم يكن قد حصل اي تقدم في مسيرة إرساء دولة المواطنية الرشيدة، وهذا كان من اسباب عزوفه وكتب في رسالته: 

ان المؤسسات السياسية اللبنانية والاصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي، لم تعد في اعتقادي تشكل اداة صالحة للنهوض بلبنان وفقا لما تفرضه السبعينات في جميع الميادين، وذلك ان مؤسساتنا التي تجاوزتها الانظمة الحديثة في كثير من النواحي سعيا وراء فعالية الحكم، وقوانيننا الانتخابية التي فرضتها احداث عابرة ومؤقتة، ونظامنا الاقتصادي الذي يسهل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات، كل ذلك لا يفسح في المجال للقيام بعمل جدي على الصعيد الوطني. ان الغاية من هذا العمل الجدي هو الوصول الى تركيز ديموقراطية برلمانية أصيلة صحيحة ومستقرة، والى الغاء الاحتكارات ليتوفر العيش الكريم والحياة الفضلى للبنانيين في اطار اقتصادي حر سليم، يتيح سبل العمل وتكافوء الفرص للمواطنين، بحيث تتأمن للجميع الافادة من عطاءات الديموقراطية الاقتصادية الاجتماعية الحق. 

ان الاتصالات العديدة التي اجريتها والدراسات التي قمت بها عززت قناعتي، بأن البلاد ليست مهيأة بعد، ولا معدة لتقبل تحولات لا يمكنني تصور اعتمادها الا في اطار احترام الشرعية والحريات الاساسية التي طالما تمسكت بها. 

مارس سياسيونا كل الالاعيب لتأجيج الصراعات الطائفية تأميناً لهيمنتهم على ابناء طوائفهم، تحت شعار حمايتهم. وما حفظهم في مراكزهم وأمن مكاسبهم، خضوعهم لمختلف الاحتلالات.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!