إسرائيل نفذت ضربات على غزة
"الجهاد الإسلامي خرج من المواجهة مثخناً بالجراح، أكثر من 140 هدفاً للتنظيم تعرضت للضربات الجوية والصاروخية". غزة خلال المواجهات مع إسرائيل.

أعطت إسرائيل لعمليتها العسكرية الأخيرة في غزة، اسما مستوحى من الأسماء التي تطلقها الفصائل الفلسطينية على عملياتها: "بزوغ الفجر". وأعطت "الجهاد الإسلامي" للعملية اسما مشتقا من فلسفتها ورؤيتها لما يتعين أن يكون عليه نضال الفلسطينيين ضد إسرائيل: "توحيد الساحات"، في تلخيص بليغ لشعار الحركة وخطابها: ساحة واحدة، معركة واحدة، عدو واحد. 

لا فجر إسرائيليا بزغ بعد العملية، ولا الساحات الفلسطينية توحدت بعد تولي الجهاد الرد عليها، بل ازداد الطين بلّة وتعقيداً، سواء في وجه من بادر للعدوان أو من تصدى لمقاومته. 

لا شيء تغير من منظور الحسابات الأبعد والأكثر عمقاً بالنسبة لإسرائيل، غزة كانت قبل "بزوغ الفجر" وبعده، وستظل حتى إشعار آخر، مصدراً للقلق والصداع المقيم، وتهديداً لأمن إسرائيل، في عمقها وجبهتها الداخلية، وليس على حدودها وفي "غلافها" فحسب. 

الجهاد الإسلامي خرج من المواجهة مثخناً بالجراح، أكثر من 140 هدفاً للتنظيم تعرضت للضربات الجوية والصاروخية، وخسارة اثنين من كبار قادة ذراعه العسكري، وأزيد من عشرة من خيرة مقاتليه وخبرائه. لكن الجهاد في المقابل، حظي بتعاطف واسع من الشارع الفلسطيني، واكتسب صدقية أعلى، فلم يبق أحدٌ من الفلسطينيين إلا وأثنى على "مناقبيته وانضباطه وروح التضحية والفداء عنده". 

حماس تجنبت الدخول على خط المواجهة، للمرة الثانية في غضون ثلاثة أعوام، فحافظت على مقدراتها البشرية والمادية دون مساس، لكنها في المقابل، كانت عرضة لوابل من الشك والتشكيك والاتهام بالتخلي عن الجهاد، واختيار طريق المساومة على رأس الحركة المنافسة، بل والسعي لتقديم نفسها، بديلا "عقلانيا"، "مسؤولا" و"يافعا" لسلطة رام الله "الشائخة"، يمكن للمجتمع الدولي الوثوق به. خسرت الجهاد ماديا وربحت معنوياً، ربحت حماس مادياً وخسرت معنوياً. 

الجهاد، ستستثمر في صمودها خلال حرب الأيام الثلاثة، وبقدرتها على إطلاق ألف صاروخ خلالها، برغم التخلي والخذلان، إن بتعزيز ثقة حلفائها بها، وزيادة دعمهم لها مادياً وعسكرياً، أو بكسب قواعد شعبية جديدة، خصوصاً في الضفة الغربية التي بدا أن الجهاد أخذ يحظى بنفوذ متزايد في أوساط أهليها مؤخراً. حماس ستستثمر سياسياً بعزوفها عن المشاركة في القتال، من خلال توسيع دوائر الاتصال والتعاون بينها وبين عواصم عربية ودولية لا تكن لها أية مودة، بل وما زالت تنظر لها بعين الحذر والاتهام. يمكن للحركة اليوم، أن تقدّم أوراق اعتماد ما كانت تتوفر عليها بالأمس. 

في المعادلة الداخلية الفلسطينية، يمكن للجهاد أن تحصد مزيداً من القمح من حقل حماس، ويمكن لحماس أن تأخذ قليلاً من رصيد السلطة وعلاقاتها العربية والدولية. بهذا المعنى، يمكن لحرب الأيام الثلاثة، أن تستحدث تغييراً في بنية العلاقات الفلسطينية وتوازناتها، وهذا ما يعمل الأفرقاء على تعظيمه، وكل لصالحه، وعلى حساب الآخر بالضرورة، وفقاً للمعادلة الصفرية الحاكمة: "Zero Sum Game". 

لكن في معادلة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، هذه واحدة من المعارك الخاسرة فلسطيناً، تنضاف إلى فشل آخر سبقها، في معركة "مسيرة الأعلام"، واضطرار قادة الفصائل في غزة، لابتلاع تهديدهم ووعيدهم، قبل أن يتبدد أثيره أو يجف حبره. الانقسام الفلسطيني الداخلي، كان سبباً في الخسارة والفشل وفي الحالتين معاً: انقسام فتح وحماس من قبل، وشرخ حماس والجهاد من بعد. 

الساحات لم تتوحد، كما كانت تأمل الجهاد، بل أن الانقسام امتد إلى ساحة غزة ذاتها، وبين حركتين حليفتين، المفروض أنهما تجلسان في "غرفة عمليات مشتركة" واحدة. التحركات في الضفة ظلت محدودة، والعدوانية الإسرائيلية بلغت حد مفرطاً باقتحام قلب نابلس واغتيال النشطاء الثلاثة من فتح، كتائب شهداء الأقصى، فضلاً عن استمرار العربدة في الخليل والقدس والمسجد الأقصى. فلسطينيو – 48 لم يعيدوا إنتاج سيناريو أيار 2021، ولم تخرج المدن المختلطة عن رتابة يومياتها، برغم الاحتجاجات المتفرقة هنا وهناك، والشتات الفلسطيني لم يحظ بفرصة تجميع أوراقه للتعبير من جديد عن التحاقه بساحة الاشتباك الرئيسة: غزة. 

عقلاء إسرائيل، وهم قلة على أية حال، بعد كل هذا الانزياح صوب التطرف الديني والقومي، لم يشتروا البضاعة التي حاول الثنائي لبيد – غانتس بيعها لهم. فإسرائيل لم تسجل نصراً استراتيجياً، وقوتها الردعية، لم تترمم على النحو الكافي، والمعركة التي خاضتها ليست سوى فاصل قصير بين حربين، والأيام القادمة حبلى بمزيد من الشيء ذاته. 

البعض يعتقد أن إسرائيل ستظل تراوح في دائرة الفشل، ما لم تتوفر على استراتيجية بعيدة المدى حيال غزة. والحقيقة أن لإسرائيل مثل هذه الاستراتيجية، بخلاف ما يظن هذا البعض، واستراتيجيها هي الإبقاء على غزة على ما هي عليه اليوم. لا يسمح لأهلها بالشبع والحياة الكريمة، ومن غير المرغوب تركهم نهباً للجوع وعرضة للانفجار. مفيد إسرائيلياً، الإبقاء على "غزة المنفصلة"، فهي تخدم كذريعة لنفي وجود شريك فلسطيني وإحباط أي مسعى لاستنقاذ "حل الدولتين". والإبقاء على "غزة المنفصلة" مقابل السلطة المتهالكة في رام الله، يفيد كذلك في إشاعة الخوف المتبادل بين طرفي الانقسام، وتكريس اعتمادية السلطة على إسرائيل، والتلويح لها دائماً، بشبح حماس وفرص تمدده إلى الضفة. 

إسرائيل تجني اليوم، ومنذ سنوات الانقسام المديد والمرير، ثمار انسحابها أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، فهي زرعت بذرة انقسام عميق، لا تلوح في الأفق بوادر رأبه أو ترميمه، وهي أخرجت أكثر من مليوني فلسطيني على مساحة لا تزيد عن 365 كم مربع، من حسابات الديموغرافيا وهواجسها. وهي تفعل ما تفعل في غزة اليوم، وأعينها متسمرة على القدس والضفة، اللتين تعيث بهما استيطاناً وتقتيلاً وتقطيع أوصال وتهديم منازل. 

حكومة إسرائيل فرحة اليوم، فاستطلاعات الرأي تظهر أن ثلثي سكانها اليوم، أبدوا درجة من الرضا عن أدائها خلال المعركة. لكن لحظة الفرح ستتبدد عند أول مواجهة قادمة، وقد لا تطول. وإسرائيل تشعر بالرضا لنجاحها اليوم في تبديد بعض مكاسب معركة الأحد عشر يوماً قبل عام: حارس الأسوار، أو سيف القدس، وهي ستظل تعمل على "تقطيع الساحات وفصلها"، وستستمر في سعيها لتعميق الشقاق بين الفصائل، حتى الإسلامية منها. مقابل ذلك، ثمة إحساس بالخيبة فلسطينياً، فمناخات "سيف القدس" المفعمة بالأمل والمشاركة والشمول، والتي أعادت الاعتبار لوحدة الشعب والقضية والمعركة، لم تعد كما كانت عليه. 

لكن ما ينبغي أن يدركه طرفا هذا الصراع الممتد في الزمان والمترامي في المكان، هو أن إسرائيل لن تنجح في تفكيك أوصال الشعب الفلسطيني وفك عرى وحدة قضيته وكفاحه ومستقبله وسرديته، هي لم تنجح في ذلك طوال مئة عام، ولن تنجح فيه في قادمات السنين. 

أما الفلسطينيون فعليهم أن يدركوا أن "وحدة الساحات" لا تعني أن أي اقتحام لمخيم، أو قرية، أو اعتقال لمناضل، أو أسير محرر في الضفة، يملي بالضرورة إشعال حرب على جبهة غزة، أو حتى الدخول في معركة بين حربين. ترابط الساحات، ووحدة القضية والهدف والمعركة، يجب أن يفهم بالمنحى الشمولي والاستراتيجي، وليس بالمعنى اليومي – التكتيكي، أو حتى "الإجرائي" أحيانا. 

وحدة الساحات مصلحة فلسطينية استراتيجية، شريطة أخذها بهذا الاتساع، وهي مصدر قلق استراتيجي لإسرائيل، إن فَهِمَهَا الفلسطينيون بالمعنى الذي أشرنا إليه، فلا تدخل غزة في كل جولة، لتصبح هي محور المواجهة وعنوان المعركة، ولا تتحمل وحدها عبء النضال الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال، ولا تختصر بتدخلها "الصاروخي"، مختلف أشكال الكفاح الأخرى، من شعبية وحقوقية وغيرها، ولا يكون دخولها المعركة أو خروجها منها، المعيار الأوحد للنصر والهزيمة، ولا أن تكون "الطليعة المقاتلة" التي تصطف بقية ساحات الشعب الفلسطيني ومكوناته خلفها، بانتظار شارة البدء أو النهاية، لتصدر عنها، وربما، بانتظار أن تقوم هي بدور "البطولة المنفردة"، أصالة عن نفسها، ونيابة عن الكل الفلسطيني. هذا ليس خياراً.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!