"إلى الآن.. أقول إن أفكاري وطريقة سير المفاهيم في عقلي لا تشبه الكتلة الفيزيائية المعكوسة في المرآة"
"إلى الآن.. أقول إن أفكاري وطريقة سير المفاهيم في عقلي لا تشبه الكتلة الفيزيائية المعكوسة في المرآة"

"لا أعلم كيف أقولها بطريقة لا يُساء فهمها لكن أنتِ girlish، لا أعتقد أنك قادرة على شغل وظيفة كهذه".

أعلاه، جواب أستاذي في جامعة برلين للفنون بعد سؤالي الحصول على وظيفة شاغرة (مساعدة صف) كان قد أُعلن عنها في الاجتماع الأسبوعي.

وظيفة خالية من الإبداع، تتضمن مسؤولية ترتيب الجداول، تحديد مواعيد الاجتماعات الأسبوعية. تحويل إيميلات المنح الفنية والأحداث الفاعلة في المدينة والجامعة للطلاب. مهمات بيروقراطية مملة، أغلبها يتطلب تمرير الأصبع على شاشة الموبايل، لا أكثر.

في ذلك الوقت، السنة الثانية من دخولي الجامعة، أردتها كما هي العادة فيما يخص رغبتي في أي وظيفة؛ المردود المادي، إضافةً وتحديداً في هذه الوظيفة كان؛ ساعات العمل القليلة مع انعدام الالتزام "الفيزيائي" بمكتب وفضاء عمل ثابت.

"Girlish"..  أعدتها استغراباً، متسائلة عن تفسير لاستخدامه هذه المفردة بالذات.

بعد أن تراءى له استيائي، تحجج بلغته الإنكليزية الضعيفة، ووجهة نظره بأن طلاب السنوات الأخيرة من الدراسة هم الأجدى والأكثر أحقية في شغل وظيفة كهذه، نظراً لخبراتهم في سير المهمات الروتينية، مقارنةً مع الطلاب الجدد. انهال بسيل من الحجج اللامنطقية، مقابل كل حجة يقولها توتر وتشوش من قبله، خوفاً من اتهامي إياه بأي نوع من أنواع التمييز ضدي. أحببت مراقبة تلبكه الواضح، دون هز رأسي.

لاحقاً، لم انشغل بالإصرار على أحقية الحصول على الوظيفة، انشغلت في تفسير ما ورائيات استخدام المفردة. هل بسبب الشعر الطويل، صغر حجمي؟ صوتي؟ لبسي؟ وجهي؟ الأهم من كل هذا، لماذا تلقيتها كإهانة؟ هل لأنها تصغير لإمرأة؟ تقليصها وتفكيكها إلى أقصاها؟ الفرق بين المفردتين زمني، أعني لغوياً. الإهانة لغوية أيضاً.

في الفيلم الوثائقي "ما هي المرأة" (?What Is a Woman) يتحذلق "مات والش" بسؤاله هذا بين طبقات مختلفة ومتنوعة من المجتمع، متحولون، أساتذة جامعة، مارة، متظاهرون..إلخ إلخ. سعيداً بإحساس العجز النابع من عدم قدرة الغالبية على إيجاد إجابة واضحة. مبتهجاً باستفزاز البعض وإظهار تناقضهم وفهمهم السطحي فيما يخص النسوية، حقوق الكويرز والصوابية السياسية على السواء. شعور واحد انتابني خلال تجوله كالأبله المنتصر، الصفع، تمنيت صفعه على وجهه النابع باليقين بأنه إله السخرية السوداء، ملامحه الممتلئة بانتصار واهم.

أعني مصدر السؤال وجميع الأسئلة؛ ما هي الحقيقة؟ أغلب الأشياء محاطة بتعريفات وتصنيفات مبهمة، تتغير كل قرن، كل عام، كل دقيقة. التعريفات جمل ومفردات منحوتة من أصوات، احتمالية تحميلها بما لا تحمل كبيرة جداً، نظراً إلى التاريخ والتغيرات الجذرية في سير الأحداث الماضية. التحول والتبدل والتلاشي لا يتوقف. الاستمرارية الفعل الثابت في هذه المعادلات وجميع المعادلات الأرضية والكونية.

في "الفيلم الوثائقي" تكمن السذاجة في طارح السؤال، وليس في السؤال بجوهره.

"كإمرأة" (هي/لها) لم أسأل نفسي من هي المرأة بهذا الشكل المباشر الفج، الخالي من أي أبعاد.

أردت ألا أكون كالنساء المحاطة بهنّ في طفولتي، المعنفات، الصامتات. ولا نسخة عن الرجال المهيمنين عليهنّ بكل تأكيد. بشكل ما تسرب كل ما قاومته في أفعالي، نجوت جزئياً. اعترف بأن اللاوعي ينتصر علينا جميعاً. لم اعتني به كما ينبغي، تجاهلته، وسمحت برؤية وسماع كل شيء معتقدة بأنني قوية، وأعي ما يحصل. كانت لدي رغبة واحدة، الهروب.

إلى الآن، أقول إن أفكاري وطريقة سير المفاهيم في عقلي لا تشبه الكتلة الفيزيائية المعكوسة في المرآة، كأنني كيانان منفصلان. لم أسأل ما هي المرأة، تساءلت عن وجودي من عدمه، عن وجودنا. هل وجودنا فيزيائي أم مجرد محاكاة رقمية لحضارة متطورة عنا؟ هل سنحتاج أجسادنا "الفيزيائية" في المستقبل؟

في أوقات كثيرة خلال السنة الأولى في برلين شعرت بالإحراج، وأحياناً بالعار من الشكل الظاهر لجسدي الذي يحاكي بعضاً من المعايير السائدة للنساء. حلقت نصف شعري وتركت النصف الآخر، كعلامة تمرد ضد معيار الشعر الطويل، لعبت بها وبجسدي وبأفكاري وبالآخرين. لاحقاً اتضح هراء هذه الأفعال وتشابهها حد الملل والضحك مع المعايير السائدة أيضاً. لم أعد اكترث في تحطيم شيء، بل صرت أتفاخر كلما ارتفع شق الفستان، وفقع لون أحمر شفاهي واتضح حجمهما، كما تتفاخر النساء المتحولات بأفخاذهن وكعوبهن العالية.

سنة 2022، كانون الثاني، المرة الأولى التي لمست بها حجر خام من النوع الكلسي. اقتربت لوحدي باتجاه المسؤول عن تعليمنا المبادئ الأساسية للنحت، مشككة في قدرات جسدي "كامرأة" وعن إمكانية شخص بحجمي (160 سم و50 كيلو) في نحت الأحجار الخام ونقلها.

أجابني ضاحكاً "مايكل أنغلو كان بحجمك تقريباً، وانظري ماذا فعل" مجاملةً هززت برأسي، مضيفةً باستحالة منافسة "مايكل أنغلو" لأسباب كثيرة، لكن أقلها نتشارك الحجم الفيزيائي ذاته. 

قضيت الأشهر الثلاث الأولى أتعامل بحذر مع حجارة من أنواع مختلفة، كلس، رخام، جرانيت. في محاولات "مسك" الأزاميل بالطريقة الصحيحة. الإحكام على قبضة المطارق بأسلوب لا يتعرض به الرسغ للألم والعطب بعد عدة طرقات. تكسرت أظافري، لم أكترث. ضربت يدي اليسار عشرات المرات تاركة آثار متفشية احتفل بها لأيام قبل أن تختفي. أردت تخزين اسم كل أداة وحفظها باللغة الألمانية قبل معرفتها باللغة العربية، وهنا تكمن الإثارة بذاتها. فعلت الأمر ذاته في دروس الحياكة. أردت تحريك يدي و إثقال جسدي بالحركة المنتظمة، بعيداً عن الشاشة، الكتابة، التصوير والفيديو وحتى الرسم. الابتعاد الكامل عن الـ medium الذي كنت قد عملت وحاولت به منذ سنوات.

لم أتورط في أنواع النحت الأخرى بعد، لكن نحت الحجر تحديداً، كان ممتعاً لي بشكل غير متوقع. نحت تدميري، يشوه الشكل الخام المقتطع عشوائياً، سواء أكان الاقتطاع عن طريق التدخل البشري أو من فعل الطبيعة نفسها. اقتطاع عشوائي يليه نحت تدميري، النتيجة محاكاة لتخيل النحاتة وحركة يديها المنتظمة.

بعد أن "انتهيت" من محاولات التعرف على أدوات النحت والتدرب على بعض من الحركات المنتظمة، تجولت في ممر تخزين الأحجار، اتخذت من حجرة كلسية خام كانت ـ بحسب قول أستاذ النحت - مختارة من طالب ما، لكن اختار الهروب بعد طرقة أو اثنتين.

اخترتها لأنني اعتقدت أن الأمر مضحك وساخر، سأكمل عمل أحدهم غير منتهي. وضعناها داخل العربة باتجاه غرفة النحت، بعد ثلاثة أشهر من التدريب في الخارج، تحديداً في الصقيع، ما كان يجعلني أكثر تجمداً الملمس الحديدي للأزاميل.

في الغرفة 84a  المنعزلة في زاوية حديقة الجامعة يساراً، تشكل روتين عفوي أدركت جمالياته بعد فترة قصيرة. استعير المفاتيح، افتح الباب بعد أن اقتحمه بقدمي اليسرى، بسبب انتفاش حجم الخشب بفعل الرطوبة. افتح الشبابيك الثلاثة المطلة على الحديقة، والأخرى على السقف. ارتب الأدوات على طاولة صغيرة أمامي، أثبت الحجر بالملازم، ابدأ العمل بعدها لساعات. أردت للمنحوتة الأولى أن تحاكي نظرية كونية لم تثبت بعد. نظرية "التواصل الشبحي". التواصل الأسرع من الضوء بين الذرات في الكون وفي كل ما "نراه" ككائنات واعية. بمعنى، إن كانت ذرة قابعة في أول الكون وذرة أخرى في الطرف الأقصى من نهاية الكون، قدرتهما على التواصل والإحساس بوجود بعضهم تتجاوز سرعة الضوء بذاتها. حتماً لم تكن عملية النحت بسرعة تواصل الذرات فيما بينها، كنت أشعر بتوقف الزمن في بعض الأجزاء. اختصاراً، العملية كانت كالتالي؛ رسم خط يحدد التخلص من الأجزاء الزائدة. ليزر لتحديد الخط بدقة. قطع الزوائد. تمليس الأسطح الخارجية، قطع. مربعان. تمليس اسطح المربعان. ورق أشجار رطب. دائرة على سطح المربع الأول محددة بورق الشجر الرطب. تدويرهما. نصفي ذرة وسحاب يجمعهما.

انظر الآن إلى العمل مترددة حيال بيعه. لم أتوقع اهتمام جامع فن به. التردد نابع من قلق التلاشي والاختفاء. انظر إلى الحجر ولا اذكر كيف قمت بنحته، لهذا الشعور تحديداً أكمل في مجال الفن. دائماً ما اراجع ارشيف ما فعلت من صور وفيديوهات… الخ الخ ولا اذكر عملية الوصول إلى "النتيجة" النهائية، شعور مذهل.

في الغرقة 84a كنت أعمل لوحدي في أغلب الأوقات، النحت الحجري غير مغري للطلاب بالمقارنة مع نحت الطين أو تطويع الحديد والخشب، وطبعاً الأصعب، لضرورات متعلقة بالصبر والانتظام. كنت افتقر لكليهما. لا خجل من الاعتراف بذلك، أنا أنتمي إلى "جيل السبابة"، قرأتها في مكان ما لفيلسوف نسيت اسمه، واصفاً كسل وبلادة الجيل المولود في التسعينيات والألفين.

الآن.. بعد ثمانية أشهر اعترف بأن مهارات الصبر ارتفعت لدي أضعافاً عما سبق، وبكل فخر استطيع حالياً، رفع السبابة والوسطى في وجهه، إن تذكرت اسمه أو لمحته.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.