فيينا.. مسرح لمفاوضات مستمرة
فيينا.. مسرح لمفاوضات مستمرة

نظريا تجتمع فرق التفاوض الدولية في فيينا من أجل البحث في إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي جديد أو إحياء القديم بين إيران ومجموعة دول 5+1.

ولكن بعد أسبوع من مفاوضات ماراثونية وتصريحات متناقضة من كل الأطراف المشاركة المتفائلة منها والحذرة، يبدو فعليا أن المفاوضات تجري خارج مدينة فيينا، وهذا لا يعني أنها انتقلت بشكل سري إلى عاصمة أو مدينة ما، بل أنها تجري وبشكل علني في مدن متعددة دون الإعلان الرسمي عن اختيارها أماكن للتفاوض، وهي تأخذ طابعا مختلفا عما كان يجري في فيينا طوال سنوات، وما كان يرافقها من مفاوضات سرية في أماكن مختلفة، ففي هذه الجولة من المفاوضات الإيرانية الغربية أغلب الملفات مكشوفة ومن دون بنود سرية، تجري بأماكن مختلفة، بعضها خشن في اللهجة أو التصرفات أو الاحتمالات، كأنها مفاوضات متعددة المسارات والأطراف، تختلف بأسلوبها وأهدافها، بين فريق مفاوض وآخر، وبين مكان تفاوضي وآخر.

فعليا بالتوازي مع مفاوضات نووية جديدة في فيينا، وصفت بالفرصة الأخيرة، وهي طبعا لن تكون الأخيرة، حتى لو لم يتوصل المعنيون إلى اتفاق في هذه الجولة، تجري أحداث عالمية وإقليمية ومحلية إيرانية لا يمكن فصلها عن مسار مفاوضات فيينا، بل أنها تزيدها تعقيدا وضغوطا، وتؤثر عليها مباشرة سلبا وإيجابا، لذلك فإن ما يجري عالميا بالتوازي مع فيينا له بعدان متناقضان، قد يفسره البعض أنه مقصود من أجل عرقلة المفاوضات، أو العكس تماما.

وفي هذا الإطار يمكن وضع علامات استفهام بشأن التوقيت الذي اختارته واشنطن للكشف عن محاولات الحرس الثوري اغتيال شخصيتين أساسيتين في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وفي الحزب الجمهوري، هما وزير الخارجية السابق بومبيو ومستشار الأمن القومي الأسبق جون بولتون، والتي يمكن تفسيرها بأنها أقرب إلى عملية ضغط باتجاهين الأول على إيران كي تخفف من مستوى مطالبها، والثاني على الإدارة الأميركية الحالية لكي تخفف من ميوعتها التفاوضية، أما ما لا يمكن فهمه تفاوضيا ومن الصعب اعتبار ان توقيته كان مدروسا، ويمكن ان يكون مصادفة، إلى ان تُستكمل التحقيقات مع الجاني، فإن حادثة الاعتداء التي تعرض لها الروائي العالمي سلمان رشدي على يد لبناني مؤيد لحزب الله قام بتنفيذ فتوى القتل التي أطلقها مؤسس النظام الإيراني آية الله الخميني بحق رشدي سنة 1989، قد تستخدم كمبرر لتعقيد المفاوضات أو فرض مزيد من التصلب الأميركي، وهذا ما لا تتمناه طهران في هذه المرحلة.

تفاوض طهران في فيينا، كما تفاوض في عواصم أخرى أهمها بيروت وبغداد، في الأولى العيون متجهة نحو الحدود البحرية وما سينقله المبعوث الأميركي هوكشتيان، وفي الحقيقة فإن طبيعة الرد اللبناني على مقترحاته سترتبط بمناخ مفاوضات فيينا، فإذا فشلت فيينا سلميا فإن احتمال انتقالها إلى مفاوضات بالنار على الحدود البحرية اللبنانية وارد جدا، أما في بغداد فإن كل الحضور الإيراني منذ 2003 في مواجهة مصيرية مع الصدر من جهة ومع الأغلبية الشيعية من جهة أخرى، وفي حال انتكست المفاوضات أو نجحت في فيينا، فإن طهران بحاجة إلى استعادة زمام المبادرة في بغداد وهذا صعب ومكلف، فلا هي بنفس مستوى التأثير بعد قاسم سليماني ولا الموالون لها، فكل الخيارات أمامها صعبة، خصوصا أن التصالح مع الصدر متعب والتصادم معه مكلف، لذلك يمكن القول إن ما يجري في العراق حاليا يمثل جزءا من حالة إقليمية، يجري التفاوض عليها بالتزامن ما بين بغداد وفيينا.

فيما يبقى الداخل الإيراني بيت القصيد، حيث الأفضل لفرق التفاوض الإيرانية، أكانت في فيينا أو أي عاصمة أو مدينة حول العالم، أن تعود إلى طهران وفي جعبتها ما يطمئن الشارع الإيراني، الذي يبدو أنه اقترب من لحظة الانفجار.

وفي النهاية يمكن القول إنه لمعرفة ما يجري في فيينا، علينا معرفة ما يجري خارج فيينا .

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.