سلمان رشدي يتعافى من محاولة اغتيال فاشلة
سلمان رشدي يتعافى من محاولة اغتيال فاشلة (أرشيفية)

ما هي حرية التعبير؟ تلك حرية لا وجود لها دون حرية الإغضاب. فمن غير حرية تحدي المعتقدات التقليدية(الارثوذكسية ،الصراطية) كلها، بما فيها المعتقدات الدينية، وحتى هجائها، لا وجود لهذه الحرية"- سلمان رشدي 
                                                                                               
حين أمعن النظر في النتائج البعيدة المتضمنة في مواقع رشدي الادبية وانتقاداته الادبية وسخريته الاجتماعية ومعارضته الدينية استنتج بان العالم الاسلامي يحتاج اليوم الى حداثة العقل والعلم والتقدم والثورة بدلا من اصالة الدين والشرع والتراث والرجعة"-  صادق جلال العظم في كتاب "ذهنية التحريم".

السكين الذي حمله الشاب هادي مطر وطعن به الروائي الهندي الأصل سلمان رشدي البالغ من العمر 75 عاما يوم الجمعة الفائت عشرة مرات في عنقه وعينه وبطنه بغرض قتله في وضح النهار أمام مئات الشهود، هو ذاته السكين الذي حمله شاب مصري في اكتوبر 1994 حين طعن الروائي المصري نجيب محفوظ  والحائز على جائزة نوبل للآداب( كان آنذاك في الثانية والثمانين من عمره) في وضح النهار، في عنقه أيضا بغرض قتله. انه السكين ذاته الذي حمله شاب أيراني في مارس 1946 وقتل به الكاتب والمؤرخ الايراني أحمد كسروي والذي كان في الخامسة والخمسين من عمره في وضح النهار امام قصر العدل في طهران.

هناك خيط رفيع من الدم يربط بين هذه الجرائم التي وقعت في ثلاثة قارات والتي طالت شخصيات أدبية وفكرية كبيرة تجرأت على التفكير الحر ودفعت الثمن الاقصى بكتاباتها ومواقفها حين استفزت ذهنية التكفير السائدة، وفي حالة الضحايا الثلاثة نحن نتحدث عن الاسلاميين المتطرفين ومؤسساتهم الذين يريدون ببساطة منع التفكير الحر في زمن التكفير. وكأن زمن السفاحين هو الوجه المخفي الاخر لما يفترض ان يكون الازمنة الحديثة العقلانية. انها ذهنية تحريم كل ما هو عقلاني وخّلاق وتنويري ونقدي وجمالي، انها ذهنية التعصب الديني، ذهنية الاستثناء والالغاء، ورفض الآخر المختلف، والايمان الاعمى وقبول السلطة المطلقة، ان كانت ألهيه او دنيوية، سياسية أو ثقافية. 

ولهذه الذهنية، كهنة كبار نصّبوا انفسهم أولياء على الدين والدنيا، ويملكون النفوذ والسلطة والمال والأتباع والمنابر. وعادة يتم التعبير عن رغباتهم بالقمع والانتقام وتحليل دماء من يعتبرونهم من المارقين والمرتدين والملحدين والمشركين في فتاوى ودعاوى علنية لذبح خصومهم باسم الدفاع عن الدين الحنيف. في فبراير 1989 أصدر المرشد الاعلى، آية الله روح الله الخميني الذي قاد الثورة الايرانية فتوى لقتل سلمان رشدي بسبب روايته "الآيات الشيطانية"، التي لم يقرأها الخميني، (والتي تقتضي ذهنية التحريم باستحالة ترجمتها إلى الفارسية أو العربية) كما يمكننا القول بثقة كبيرة ان الشاب هادي مطر الذي حاول اغتيال رشدي، لم يقرأ الرواية، اذا تكهنّا بان فتوى الخميني هي الدافع للجريمة.

أيضا وراء محاولة اغتيال الروائي نجيب محفوظ كان هناك مرشد إسلامي متطرف آخر هو الشيخ عمر عبد الرحمن الذي تنظر اليه "الجماعة الاسلامية" التي ينتمي اليها من حاول اغتيال محفوظ كمرشد روحي وديني. الشيخ عبد الرحمن الذي توفي في سجن اميركي في 2017 بعد ادانته بالتخطيط لمحاولة تدمير المركز التجاري العالمي في نيويورك في 1993، كان قد حلل دم الروائي محفوظ بسبب روايته الهامة "أولاد حارتنا" والتي ادعى الاسلاميون المتشددون ومعهم جامعة الازهر التي توصف بالاعتدال انها مهينة للدين الاسلامي. هذه الحملة التي قادتها المؤسسات والقيادات الاسلامية ضد "أولاد حارتنا" أدت الى منع الرواية في مصر، وان بقيت تطبع في بيروت. 
المتطرفون الاسلاميون في ايران الذين قتلوا أحمد كسروي خلال محاكمته بتهمة التجريح بالإسلام، كانوا من اتباع رجل الدين المتطرف نواب صفوي مؤسس تنظيم اسلامي متطرف اسمه " فدائیان اسلام"، وهو تنظيم رجعي للغاية ومعادي للحداثة. وكان آية الله صدر الدين الصدر (والد الامام موسى الصدر) وآیة الله العظمى سيد حسين طباطبایی بروجردی قد اصدرا فتوى لقتل أحمد كسروي. 

حتى خلال ما يسمى الحقبة الليبرالية في العالم العربي، أي الحقبة التي سبقت الانقلابات العسكرية التي انهت هذه الحقبة في دول مثل العراق وسوريا ومصر، كان الكتّاب العرب الطليعيين والإصلاحيين من  اسلاميين وعلمانيين يجدون انفسهم في مواجهة شرسة مع المؤسسات الدينية التي كانت تنظر بعدائية سافرة ضد أي محاولة تحديثية من داخل الاسلام، أو أي نظرة نقدية علمية للدين او التراث الاسلامي. هذا ما واجهه القاضي المصري  والعالم الازهري علي عبد الرازق حين أصدر كتابه الهام "الإسلام وأصول الحكم" في عام 1925 والذي قال فيه ان "الخلافة" الاسلامية هي شكل حكم تاريخي وليست نظاما ملزما في صميم الدين الاسلامي. واعتبر معارضو عبد الرازق ان الكتاب هو دعوة للعلمانية وفصل الدين عن الدولة. هذا الكتاب الطليعي كلّف عبد الرازق وظيفته في جامعة الأزهر وحرمه من ممارسة وظيفته كقاض. 

في السنة التالية أصدر طه حسين كتابا بعنوان «في الشعر الجاهلي» جاء فيه ان الشعر الجاهلي بمعظمه منحول، وأنه كُتب بعد ظهور الإسلام. الكتاب اثار جدلا كبيرا في الاوساط الثقافية والدينية والسياسية، وادى الى صدور اتهامات لطه حسين بانه كذّب القرآن صراحة، وطعن بالنبى محمد، ما أدى إلى تحقيق قضائي استمر لستة أشهر وانتهى بتبرئة الكاتب الكبير.

الضغوط والاتهامات التي تعرض لها علي عبد الرازق في 1925 وطه حسين في 1926 كانت شديدة ومؤلمة، ولكنها بقيت في اطار المرافعات والتحقيقات القضائية العلنية، والاهم من كل ذلك هو ان هذه الضغوط بقيت سياسية وثقافية ولم تتحول الى دعاوى علنية للانتقام من الكاتبين، ولم تدفع بأي مرجع ديني مصري الى اصدار الفتاوي التي تحلل دماء هذه الشخصيات الفكرية المرموقة.

المسافة الزمنية والثقافية والسياسية شاسعة بين عشرينات القرن العشرين وانفتاحه النسبي وتسعيناته الظلامية في مصر. في شهر يونيو 1992 قام ارهابيون ينتمون ال ى "الجماعة الاسلامية" باغتيال الكاتب فرج فودة، بعد ان قامت بعض القيادات الاسلامية بتكفير فودة تكفيرا صريحا يستوجب قتله، وذلك بسبب انتقاداته للتعصب الديني ودعوته للعلمانية. في منتصف تسعينات القرن الماضي واجه المفكر نصر حامد أبو زيد نغسه في مواجهة حملة نكفيرية من قبل جامعات وشخصيات اسلامية اتهمته بالردة والالحاد. ولجأ الاسلاميون الى أسلوب خبيث لمعاقبة أبو زيد بحيث استخدموا تهمة الردة لمطالبة القضاء بإرغامه على تطليق زوجته بحجة  "أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم" لان أبو زيد على زعم الاسلاميين لم يعد مسلما بسبب ارتداده. الدولة المصرية،  وعمرها يزيد عن سبعة الاف سنة، اما لم تستطع أو لم ترغب بحماية أبو زيد من هذا الارهاب الفكري والشخصي، ما أدى الى لجوئه مع زوجته الى هولندا. 

في لبنان الليبرالي نسبيا، بدأ موسم اصطياد المثقفين والمفكرين الذين درسوا الاسلام وتاريخه ومؤسساته علميا ونقديا ، حين اسقط رصاص الظلامية الدينية المفكر التقدمي الكبير حسين مروة  مؤلف الكتاب الهام "النَّزعات الماديَّة في الفلسفة الإسلاميَّة" في بيروت في فبراير 1987 في منزله عن عمر يناهز الثمانين. وفي مايو 1987، اغتال مسلحون استاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية حسن حمدان، المعروف باسم مهدي عامل. المراجع الشيعية رفضت اقامة صلاة الجنازة على الراحل لأنه كان ينتمي الى الحزب الشيوعي. لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن اغتيال الكاتبين اليساريين، وان كانت اصابع الاتهام قد وجهت الى الاصولية الشيعية المتمثلة بحزب الله. في سنة 1969 اثار كتاب صادق جلال العظم "نقد الفكر الديني" جدلا حادا في لبنان، وادت ضغوط القيادات الدينية، وخاصة من قبل مفتي الجمهورية الى دفع الحكومة الى مقاضاة العظم وسجنه مؤقتا. وكنت اقوم مع بعض الاصدقاء بمرافقة العظم الى قاعة المحكمة لإظهار تعاطفنا معه. ولكن الضجة المعاكسة التي صدرت عن المثقفين اللبنانيين والعرب ساهمت في اقناع المحكمة بتبرئة العظم، والسماح ببيع وتوزيع الكتاب. ولكن حين أصدر العظم كتابه "ذهنية التحريم" في 1992 في بيروت ودافع فيه عن سلمان رشدي، ترددت مكتبات بيروت بعرضه في واجهاتها، وأذكر انني اشتريت نسختي "من تحت الطاولة" من احدى مكتبات بيروت. بيروت التسعينات اصبحت اقل تسامحا وانفتاحا من بيروت الستينات. 

هناك تاريخ بشع للغاية من اغتيالات السياسيين والمفكرين في لبنان. في العقدين الماضيين، تم اغتيال سياسيين وكتاب وصحافيين عرفوا بانتقاداتهم لسلطوية حزب الله وهيمنته على لبنان، بدءا من رئيس الوزراء رفيق الحريري وسياسيين ورجال أمن اخرين، ومرورا بمعلقين وصحافيين رفعوا القلم في وجه تسلط حزب الله والهيمنة السورية من ابرزهم الكاتب سمير قصير والصحافي  ورئيس تحرير  صحيفة "النهار" جبران تويني، وانتهاء بالكاتب والناشط لقمان سليم.

وحده العالم العربي يتميز بان الرقيب والمتسلط وقاتل التفكير الحر والمنادي بتشهير وتكفير المفكرين والكتاب الاحرار والتنويريين لم يعد يقتصر على الانظمة الحاكمة فقط، بل على الحركات  والاحزاب الدينية والسياسية المتطرفة. خلال تسعينات القرن الماضي كانت السلطات الجزائرية السياسية تتنافس مع معارضيها من الاسلاميين المتطرفين في ترهيب واغتيال خصومهما. هذا ما حدث ويحدث في مصر. اغتيال لقمان سليم قبل أكثر من سنة، وهو المعروف بمواقفه النقدية من حزب الله كان تذكيرا دمويا بقدرة هذا الحزب على اخراس أي صوت – وخاصة اذا كان شيعي الاصل – في أي وقت يشاء.

قمع الكتاب وحرق كتبهم والتشهير بهم ليس تقليدا عربيا أو مسلما، وهناك أمثلة أوروبية وأميركية عديدة حول منع كتب لمؤلفين كبار او معارضة ترجمة اعمالهم الادبية الى نتاج سينمائي، ولكن هذه الاحتجاجات نادرا ما كانت تنتهي بتحليل دماء هؤلاء الكتاب او الفنانين. حين نشر الروائي الايرلندي العظيم جيمس جويس روايته "أوليس" Ulysses في 1922 اتهم جويس بالاستخفاف بالمقدسات الدينية والكفر والالحاد، كما وصفها بعض النقاد "بأدب المراحيض" وبقيت الرواية ممنوعة في الولايات المتحدة حتى سنة 1933 . 

أحدثت رواية "الاغراء الاخير للمسيح" للروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس جدلا حادا بعد نشرها وترجمتها الى الانجليزية لانها تتطرق الى حياة المسيح كإنسان عادي ارتكب الخطايا. وحين اخرجها المخرج الاميركي المعروف مارتن سكورسيزي الى فيلم في 1988، اثار ذلك عاصفة من الاحتجاجات من قبل رجال الدين وبعض المنظمات الدينية، ما ادى الى منع عرض الفيلم في عدد من الولايات، حين اعترض منتقدو الرواية على  مشاهد تخيل المسيح لممارسة الجنس مع مريم المجدلية، وغيرها من المساهد التي تبين ضعفه كانسان، هذا على الرغم من ان الفيلم يبدأ بالتنويه بانه "ليس مبنيا على الانجيل، بل على الاستكشاف الخيالي للصراع الروحي الابدي..". 

في ايطاليا تعرضت كتب أومبيرتو أيكو وخاصة روايته الأولى والعظيمة "اسم الزهرة" الى انتقادات من الكنيسة الكاثوليكية، ومن البابا يوحنا الثاني شخصيا لان احداث الرواية (سلسلة من الجرائم) تقع في دير في شمال ايطاليا في القرن الرابع عشر، على خلفية مؤتمر لشخصيات دينية حيت تتقاطع تطورات التحقيق بالجرائم مع نقاشات فكرية وفلسفية رأت الكنيسة انها مسيئة للدين. 

لا نعرف الكثير عن خلفية هادي مطر، وما اذا كان تخطيطه المسبق لمحاولة اغتيال سلمان رشدي كما قال المدعي العام هي من تخطيطه الفردي أم انها جزء من مؤامرة شارك فيها آخرون. ما نعلمه هو انها حدث خطير، لان محاولة قتل سلمان رشدي، الذي حصل على الجنسية الاميركي، فوق الارض الاميركية هو أمر غير مسبوق. المدعي العام حين رفض وضع كفالة مالية للإفراج المؤقت عن هادي مطر وضع محاولة الاغتيال في سياق أوسع وألمح الى وجود قوى اخرى وراء المحاولة. واذا ثبت ان ايران او أجهزة ايرانية كانت تسعى الى اغتيال رشدي في ولاية نيويورك، وخاصة بعد الاعلان رسميا عن اجراءات قانونية ضد مواطن ايران بتهمة السعي لاغتيال مستشار الامن القومي السابق جون بولتون، فان ترددات ومضاعفات محاولة اغتيال سلمان رشدي سوف تكون عميقة وبعيدة المدى على المستقبل الهش والمضطرب للعلاقات الاميركية-الايرانية وتحديدا المفاوضات النووية في فيينا.

محاولة اغتيال سلمان رشدي في نيويورك، هي تذكير آخر وسافر، بان قيم الحرية بكل ابعادها والابداع غير المقيد معرضة لهجوم ظلامي ارهابي شمولي يجب التصدي له كما كان يقول رشدي بعدم الخوف منه ورفضه والتصرف على هذا الاساس. 

شفاء سريعا سلمان رشدي

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.