سلمان رشدي يتعافى من محاولة اغتيال فاشلة
سلمان رشدي يتعافى من محاولة اغتيال فاشلة (أرشيفية)

ما هي حرية التعبير؟ تلك حرية لا وجود لها دون حرية الإغضاب. فمن غير حرية تحدي المعتقدات التقليدية(الارثوذكسية ،الصراطية) كلها، بما فيها المعتقدات الدينية، وحتى هجائها، لا وجود لهذه الحرية"- سلمان رشدي 
                                                                                               
حين أمعن النظر في النتائج البعيدة المتضمنة في مواقع رشدي الادبية وانتقاداته الادبية وسخريته الاجتماعية ومعارضته الدينية استنتج بان العالم الاسلامي يحتاج اليوم الى حداثة العقل والعلم والتقدم والثورة بدلا من اصالة الدين والشرع والتراث والرجعة"-  صادق جلال العظم في كتاب "ذهنية التحريم".

السكين الذي حمله الشاب هادي مطر وطعن به الروائي الهندي الأصل سلمان رشدي البالغ من العمر 75 عاما يوم الجمعة الفائت عشرة مرات في عنقه وعينه وبطنه بغرض قتله في وضح النهار أمام مئات الشهود، هو ذاته السكين الذي حمله شاب مصري في اكتوبر 1994 حين طعن الروائي المصري نجيب محفوظ  والحائز على جائزة نوبل للآداب( كان آنذاك في الثانية والثمانين من عمره) في وضح النهار، في عنقه أيضا بغرض قتله. انه السكين ذاته الذي حمله شاب أيراني في مارس 1946 وقتل به الكاتب والمؤرخ الايراني أحمد كسروي والذي كان في الخامسة والخمسين من عمره في وضح النهار امام قصر العدل في طهران.

هناك خيط رفيع من الدم يربط بين هذه الجرائم التي وقعت في ثلاثة قارات والتي طالت شخصيات أدبية وفكرية كبيرة تجرأت على التفكير الحر ودفعت الثمن الاقصى بكتاباتها ومواقفها حين استفزت ذهنية التكفير السائدة، وفي حالة الضحايا الثلاثة نحن نتحدث عن الاسلاميين المتطرفين ومؤسساتهم الذين يريدون ببساطة منع التفكير الحر في زمن التكفير. وكأن زمن السفاحين هو الوجه المخفي الاخر لما يفترض ان يكون الازمنة الحديثة العقلانية. انها ذهنية تحريم كل ما هو عقلاني وخّلاق وتنويري ونقدي وجمالي، انها ذهنية التعصب الديني، ذهنية الاستثناء والالغاء، ورفض الآخر المختلف، والايمان الاعمى وقبول السلطة المطلقة، ان كانت ألهيه او دنيوية، سياسية أو ثقافية. 

ولهذه الذهنية، كهنة كبار نصّبوا انفسهم أولياء على الدين والدنيا، ويملكون النفوذ والسلطة والمال والأتباع والمنابر. وعادة يتم التعبير عن رغباتهم بالقمع والانتقام وتحليل دماء من يعتبرونهم من المارقين والمرتدين والملحدين والمشركين في فتاوى ودعاوى علنية لذبح خصومهم باسم الدفاع عن الدين الحنيف. في فبراير 1989 أصدر المرشد الاعلى، آية الله روح الله الخميني الذي قاد الثورة الايرانية فتوى لقتل سلمان رشدي بسبب روايته "الآيات الشيطانية"، التي لم يقرأها الخميني، (والتي تقتضي ذهنية التحريم باستحالة ترجمتها إلى الفارسية أو العربية) كما يمكننا القول بثقة كبيرة ان الشاب هادي مطر الذي حاول اغتيال رشدي، لم يقرأ الرواية، اذا تكهنّا بان فتوى الخميني هي الدافع للجريمة.

أيضا وراء محاولة اغتيال الروائي نجيب محفوظ كان هناك مرشد إسلامي متطرف آخر هو الشيخ عمر عبد الرحمن الذي تنظر اليه "الجماعة الاسلامية" التي ينتمي اليها من حاول اغتيال محفوظ كمرشد روحي وديني. الشيخ عبد الرحمن الذي توفي في سجن اميركي في 2017 بعد ادانته بالتخطيط لمحاولة تدمير المركز التجاري العالمي في نيويورك في 1993، كان قد حلل دم الروائي محفوظ بسبب روايته الهامة "أولاد حارتنا" والتي ادعى الاسلاميون المتشددون ومعهم جامعة الازهر التي توصف بالاعتدال انها مهينة للدين الاسلامي. هذه الحملة التي قادتها المؤسسات والقيادات الاسلامية ضد "أولاد حارتنا" أدت الى منع الرواية في مصر، وان بقيت تطبع في بيروت. 
المتطرفون الاسلاميون في ايران الذين قتلوا أحمد كسروي خلال محاكمته بتهمة التجريح بالإسلام، كانوا من اتباع رجل الدين المتطرف نواب صفوي مؤسس تنظيم اسلامي متطرف اسمه " فدائیان اسلام"، وهو تنظيم رجعي للغاية ومعادي للحداثة. وكان آية الله صدر الدين الصدر (والد الامام موسى الصدر) وآیة الله العظمى سيد حسين طباطبایی بروجردی قد اصدرا فتوى لقتل أحمد كسروي. 

حتى خلال ما يسمى الحقبة الليبرالية في العالم العربي، أي الحقبة التي سبقت الانقلابات العسكرية التي انهت هذه الحقبة في دول مثل العراق وسوريا ومصر، كان الكتّاب العرب الطليعيين والإصلاحيين من  اسلاميين وعلمانيين يجدون انفسهم في مواجهة شرسة مع المؤسسات الدينية التي كانت تنظر بعدائية سافرة ضد أي محاولة تحديثية من داخل الاسلام، أو أي نظرة نقدية علمية للدين او التراث الاسلامي. هذا ما واجهه القاضي المصري  والعالم الازهري علي عبد الرازق حين أصدر كتابه الهام "الإسلام وأصول الحكم" في عام 1925 والذي قال فيه ان "الخلافة" الاسلامية هي شكل حكم تاريخي وليست نظاما ملزما في صميم الدين الاسلامي. واعتبر معارضو عبد الرازق ان الكتاب هو دعوة للعلمانية وفصل الدين عن الدولة. هذا الكتاب الطليعي كلّف عبد الرازق وظيفته في جامعة الأزهر وحرمه من ممارسة وظيفته كقاض. 

في السنة التالية أصدر طه حسين كتابا بعنوان «في الشعر الجاهلي» جاء فيه ان الشعر الجاهلي بمعظمه منحول، وأنه كُتب بعد ظهور الإسلام. الكتاب اثار جدلا كبيرا في الاوساط الثقافية والدينية والسياسية، وادى الى صدور اتهامات لطه حسين بانه كذّب القرآن صراحة، وطعن بالنبى محمد، ما أدى إلى تحقيق قضائي استمر لستة أشهر وانتهى بتبرئة الكاتب الكبير.

الضغوط والاتهامات التي تعرض لها علي عبد الرازق في 1925 وطه حسين في 1926 كانت شديدة ومؤلمة، ولكنها بقيت في اطار المرافعات والتحقيقات القضائية العلنية، والاهم من كل ذلك هو ان هذه الضغوط بقيت سياسية وثقافية ولم تتحول الى دعاوى علنية للانتقام من الكاتبين، ولم تدفع بأي مرجع ديني مصري الى اصدار الفتاوي التي تحلل دماء هذه الشخصيات الفكرية المرموقة.

المسافة الزمنية والثقافية والسياسية شاسعة بين عشرينات القرن العشرين وانفتاحه النسبي وتسعيناته الظلامية في مصر. في شهر يونيو 1992 قام ارهابيون ينتمون ال ى "الجماعة الاسلامية" باغتيال الكاتب فرج فودة، بعد ان قامت بعض القيادات الاسلامية بتكفير فودة تكفيرا صريحا يستوجب قتله، وذلك بسبب انتقاداته للتعصب الديني ودعوته للعلمانية. في منتصف تسعينات القرن الماضي واجه المفكر نصر حامد أبو زيد نغسه في مواجهة حملة نكفيرية من قبل جامعات وشخصيات اسلامية اتهمته بالردة والالحاد. ولجأ الاسلاميون الى أسلوب خبيث لمعاقبة أبو زيد بحيث استخدموا تهمة الردة لمطالبة القضاء بإرغامه على تطليق زوجته بحجة  "أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم" لان أبو زيد على زعم الاسلاميين لم يعد مسلما بسبب ارتداده. الدولة المصرية،  وعمرها يزيد عن سبعة الاف سنة، اما لم تستطع أو لم ترغب بحماية أبو زيد من هذا الارهاب الفكري والشخصي، ما أدى الى لجوئه مع زوجته الى هولندا. 

في لبنان الليبرالي نسبيا، بدأ موسم اصطياد المثقفين والمفكرين الذين درسوا الاسلام وتاريخه ومؤسساته علميا ونقديا ، حين اسقط رصاص الظلامية الدينية المفكر التقدمي الكبير حسين مروة  مؤلف الكتاب الهام "النَّزعات الماديَّة في الفلسفة الإسلاميَّة" في بيروت في فبراير 1987 في منزله عن عمر يناهز الثمانين. وفي مايو 1987، اغتال مسلحون استاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية حسن حمدان، المعروف باسم مهدي عامل. المراجع الشيعية رفضت اقامة صلاة الجنازة على الراحل لأنه كان ينتمي الى الحزب الشيوعي. لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن اغتيال الكاتبين اليساريين، وان كانت اصابع الاتهام قد وجهت الى الاصولية الشيعية المتمثلة بحزب الله. في سنة 1969 اثار كتاب صادق جلال العظم "نقد الفكر الديني" جدلا حادا في لبنان، وادت ضغوط القيادات الدينية، وخاصة من قبل مفتي الجمهورية الى دفع الحكومة الى مقاضاة العظم وسجنه مؤقتا. وكنت اقوم مع بعض الاصدقاء بمرافقة العظم الى قاعة المحكمة لإظهار تعاطفنا معه. ولكن الضجة المعاكسة التي صدرت عن المثقفين اللبنانيين والعرب ساهمت في اقناع المحكمة بتبرئة العظم، والسماح ببيع وتوزيع الكتاب. ولكن حين أصدر العظم كتابه "ذهنية التحريم" في 1992 في بيروت ودافع فيه عن سلمان رشدي، ترددت مكتبات بيروت بعرضه في واجهاتها، وأذكر انني اشتريت نسختي "من تحت الطاولة" من احدى مكتبات بيروت. بيروت التسعينات اصبحت اقل تسامحا وانفتاحا من بيروت الستينات. 

هناك تاريخ بشع للغاية من اغتيالات السياسيين والمفكرين في لبنان. في العقدين الماضيين، تم اغتيال سياسيين وكتاب وصحافيين عرفوا بانتقاداتهم لسلطوية حزب الله وهيمنته على لبنان، بدءا من رئيس الوزراء رفيق الحريري وسياسيين ورجال أمن اخرين، ومرورا بمعلقين وصحافيين رفعوا القلم في وجه تسلط حزب الله والهيمنة السورية من ابرزهم الكاتب سمير قصير والصحافي  ورئيس تحرير  صحيفة "النهار" جبران تويني، وانتهاء بالكاتب والناشط لقمان سليم.

وحده العالم العربي يتميز بان الرقيب والمتسلط وقاتل التفكير الحر والمنادي بتشهير وتكفير المفكرين والكتاب الاحرار والتنويريين لم يعد يقتصر على الانظمة الحاكمة فقط، بل على الحركات  والاحزاب الدينية والسياسية المتطرفة. خلال تسعينات القرن الماضي كانت السلطات الجزائرية السياسية تتنافس مع معارضيها من الاسلاميين المتطرفين في ترهيب واغتيال خصومهما. هذا ما حدث ويحدث في مصر. اغتيال لقمان سليم قبل أكثر من سنة، وهو المعروف بمواقفه النقدية من حزب الله كان تذكيرا دمويا بقدرة هذا الحزب على اخراس أي صوت – وخاصة اذا كان شيعي الاصل – في أي وقت يشاء.

قمع الكتاب وحرق كتبهم والتشهير بهم ليس تقليدا عربيا أو مسلما، وهناك أمثلة أوروبية وأميركية عديدة حول منع كتب لمؤلفين كبار او معارضة ترجمة اعمالهم الادبية الى نتاج سينمائي، ولكن هذه الاحتجاجات نادرا ما كانت تنتهي بتحليل دماء هؤلاء الكتاب او الفنانين. حين نشر الروائي الايرلندي العظيم جيمس جويس روايته "أوليس" Ulysses في 1922 اتهم جويس بالاستخفاف بالمقدسات الدينية والكفر والالحاد، كما وصفها بعض النقاد "بأدب المراحيض" وبقيت الرواية ممنوعة في الولايات المتحدة حتى سنة 1933 . 

أحدثت رواية "الاغراء الاخير للمسيح" للروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس جدلا حادا بعد نشرها وترجمتها الى الانجليزية لانها تتطرق الى حياة المسيح كإنسان عادي ارتكب الخطايا. وحين اخرجها المخرج الاميركي المعروف مارتن سكورسيزي الى فيلم في 1988، اثار ذلك عاصفة من الاحتجاجات من قبل رجال الدين وبعض المنظمات الدينية، ما ادى الى منع عرض الفيلم في عدد من الولايات، حين اعترض منتقدو الرواية على  مشاهد تخيل المسيح لممارسة الجنس مع مريم المجدلية، وغيرها من المساهد التي تبين ضعفه كانسان، هذا على الرغم من ان الفيلم يبدأ بالتنويه بانه "ليس مبنيا على الانجيل، بل على الاستكشاف الخيالي للصراع الروحي الابدي..". 

في ايطاليا تعرضت كتب أومبيرتو أيكو وخاصة روايته الأولى والعظيمة "اسم الزهرة" الى انتقادات من الكنيسة الكاثوليكية، ومن البابا يوحنا الثاني شخصيا لان احداث الرواية (سلسلة من الجرائم) تقع في دير في شمال ايطاليا في القرن الرابع عشر، على خلفية مؤتمر لشخصيات دينية حيت تتقاطع تطورات التحقيق بالجرائم مع نقاشات فكرية وفلسفية رأت الكنيسة انها مسيئة للدين. 

لا نعرف الكثير عن خلفية هادي مطر، وما اذا كان تخطيطه المسبق لمحاولة اغتيال سلمان رشدي كما قال المدعي العام هي من تخطيطه الفردي أم انها جزء من مؤامرة شارك فيها آخرون. ما نعلمه هو انها حدث خطير، لان محاولة قتل سلمان رشدي، الذي حصل على الجنسية الاميركي، فوق الارض الاميركية هو أمر غير مسبوق. المدعي العام حين رفض وضع كفالة مالية للإفراج المؤقت عن هادي مطر وضع محاولة الاغتيال في سياق أوسع وألمح الى وجود قوى اخرى وراء المحاولة. واذا ثبت ان ايران او أجهزة ايرانية كانت تسعى الى اغتيال رشدي في ولاية نيويورك، وخاصة بعد الاعلان رسميا عن اجراءات قانونية ضد مواطن ايران بتهمة السعي لاغتيال مستشار الامن القومي السابق جون بولتون، فان ترددات ومضاعفات محاولة اغتيال سلمان رشدي سوف تكون عميقة وبعيدة المدى على المستقبل الهش والمضطرب للعلاقات الاميركية-الايرانية وتحديدا المفاوضات النووية في فيينا.

محاولة اغتيال سلمان رشدي في نيويورك، هي تذكير آخر وسافر، بان قيم الحرية بكل ابعادها والابداع غير المقيد معرضة لهجوم ظلامي ارهابي شمولي يجب التصدي له كما كان يقول رشدي بعدم الخوف منه ورفضه والتصرف على هذا الاساس. 

شفاء سريعا سلمان رشدي

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!