ليت التنويريين من الخاصة يجتهدون في اكتساب الأنوار لأنفسهم أولاً
لا شيءَ من قيم/ مبادئ التنوير الأساسية يبدو اليوم حاضرا في العالم العربي

سيبقى العالم العربي يدور في حلقات التخلّف المُفْرَغَة؛ حتى تحين تلك الساعة الحاسمة التي يضع فيها قدمه على العتبات الأولى لمعراج التنوير. حينئذٍ؛ حين يبدأ خطوات التنوير الأولى، حين يبدأ باستلهام تراث التنوير الأوروبي على مستوى التفاعل الحيوي بين النظري والعملي، في الوقت ذاته الذي يشتبك فيه مع "ما بعد التنوير"(على اعتبار الـ"ما بعد تنوير" تنويرا فائقا)؛ آنذاك، وآنذاك فقط، يحق للمتفائل أن يتنفّس الصُّعَداء؛ بعدما يرى بَوارقَ الأمل تُضِيء عَتَمات الأفق العربي الرّحب، وآنذاك فقط، يحق للمتشائم أن يطوي صفحة اليأس الأليم. 

لا شيءَ من قيم/ مبادئ التنوير الأساسية يبدو اليوم حاضرا في العالم العربي حضورَ سِيَادةٍ وفِعلٍ وتَأثيرٍ عمَيقٍ وطَويل الأمد. قد تَتردّد شعارات التنوير بين الحين والآخر، بل ويصدحُ بها عاليا دَهَاقنةُ الفكر والأدب في الندوات والمحاضرات والمؤتمرات، في هذا المكان أو ذاك، وعند هذا الفصيل/ التيار الفكري أو عند ذاك التيار، قد يحدث كل هذا أو بعضه على سبيل الجد وعلى سبيل الهزل، على سبيل أصالة الرأي وعلى سبيل المناكفة في ردود الأفعال، ولا حدود فاصلة بين الجدي والعبثي والغائي والوسائلي/ الذرائعي. ولكن، ورغم كل هذا "الصخب الخافت !" المتردِّد في الأرجاء عبثا طفوليا؛ لا تنويرَ حقيقياً يَشي بأن العرب بدأوا رحلة الخروج الآمن من رحم القرن الثامن عشر الميلادي.

أقول هذا على سبيل التفاؤل الشفيف الذي يُخَادع يَأساً يخترق صميمَ الفؤاد حتى يتركه حَرَضَاً. أُغَالِبُ بـ"تشاؤمي المُتَفائل" ـ الذي يرضى/ يقنع بأنصاف الحقائق، بل وبأرباعها ـ يَأساً يَتَغذَّى على الحقائق الموضوعية الصُّلْبة الكامنة في مَنْطق المسلكيات العامة، والتي تُؤَكِّد ـ بمنطقها الكلي ـ أن عالمنا العربي لا يَقف على حدود القرن الثامن عشر فحسب، بل هو يَنْحَدر عنها انحطاطا، إنه يَتَردَّى دَرَكاتٍ ودَرَكاتٍ؛ لِيُرَاكِم من رَصيدِ التَّخلّف والتطرف؛ ولِيَبْني مَزِيداً من القلاع التي تَرُدُّ عنه ما يَظنّه مَكائِدَ التمدّد المُتَعَولِم لِتُراث عَصْرِ الأنوار. 

يبدو العالم العربي منذ انكشف على العالم المتقدّم قبل قرنين وكأنه يعيش رُهابَ عدوى التنوير. يبدو هذا العالم العربي وكأن كل ما كتبه أعلامُ مُفَكِّريه عن التنوير لم يكن أكثر من مجرد "لقاحات مقننّة ومكيفة" ضد عدوى التنوير المحض، بدليل أن هذه الكتابات كانت على الدوام  تتمخّض ـ غالبا ـ عن مَناعَة قطيع جماهيري ضد تراث التنوير كله، بل وتبدأ في إنتاج أجسام مُضَادة تتطور تلقائيا في الاتجاه المعاكس لكل حراك تنويري صريح في انحيازه إلى الإنسان: الإنسان أولا.

أُدرك جيدا أن كثيرين عندما يقرأون هذه السطور، سيصرخون في وجهي قائلين: أين أنت عن "التراث التنويري العربي" الممتد على مدى قرنين كاملين، منذ بدأ رفاعة الطهطاوي رحلته الباريسية، وإلى اليوم، حيث الندوات والمحاضرات والمقالات ومنابر الحوار الفكري...إلخ، مرورا بما كتبه أعلام الفكر العربي في القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين ؟ وربما زاد بعضهم؛ فقال: أين أنت عن انتشار التعليم، عن عشرات الألوف من المدارس المشرعة الأبواب، وعن مئات الجامعات، وآلاف الكليات، والمعاهد التقنية، ومراكز البحوث، والقنوات الإعلامية، ووَزارات الثقافة بمؤسساتها الفرعية المنتشرة من المحيط إلى الخليج ؟ وربما استظرف أحدهم في جَدِله المُسْتَتْفِه؛ فقال: وأين أنت عن ناطحات السحاب ؟ 

لم تغب هذه عني. ولكن كلها ـ وأمثالها كثير ـ لم تَتشرّب تراثَ التنوير بعد، بل وكثير منها لا تعرف شيئا عن التنوير أصلا. ما يعني أنها بالمجمل تصنع ـ بوعي وبلا وعي ـ خِطَابا ثقافيا جماهيريا مضادا للتنوير، خطابا يُعِيد تدوير الموروث الثقافي السائد منذ قرون، ويزيد عليه من تأزمات الواقع ما يجعله أكثر بعد عن التنوير، وربما أشد عداء للتنوير.

وأما "النخبة الفكرية المستنيرة" التي ناضلت ـ حَدّ الاحتراق ـ على مدى قرن ونصف القرن، فهي ـ قياسا بالمحصول النهائي للتأثير ـ ضعيفة الأثر جدا في الوعي الكلي العام.  

إن ما طرحته "النخبة الفكرية المستنيرة" منذ مطلع القرن العشرين وإلى اليوم، لم يُحْدِث وَعْيا تنويريا حقيقيا على مستوى المتغير النوعي في الوعي العام؛ بقدر ما أحدث وَهْماً عامّاً بأن العربَ قد دخلوا فعلا عصر التنوير، وأنهم باتوا يشتبكون معه تفاعلا؛ على أوسع نطاق، وبأقصى تجلياته تطورا: ما بعد التنوير. وبهذا كان وَهْمُ التنوير، شكلانيته المُعْلنة، أطروحاته المَكْرُورَة، مُطَارَحَاتِه الصَّاخِبة...إلخ؛ كل ذلك كان بديلا عن اجتراح تنوير حقيقي يصل إلى عَصَب الوَعي؛ فيعيد تشكيل الواقع من جديد، وِفْقَ منطق جَدِيدٍ مُغَايرٍ لِمَنطق الأسلاف، وبالتبع؛ مغايرٍ لواقع الأسلاف. 

يقول المستشرق الروسي الخبير في شؤون الشرق الأوسط/ أليكسي جورافسكي: "ففي الأيديولوجية العربية العائدة للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، تكونت وتبلورت مجموعة ملامح ، كانت في وقتها من السمات المميزة لعصر الأنوار الأوروبي (المنطلقات الأيديولوجية المعادية للإقطاع، نهضة الوعي القومي، الصراعات مع الخرافات والأفكار اللاعقلانية، الإيمان بقوة العقل، التربية والتعليم، امتلاك أفكار التقدم.. الخ. وكانت هذه الملامح العامة نتيجة ليس فقط لتجميع نظري ـ تصنيفي، ولكن نتيجة للعلاقات التفاعلية المتبادلة بين الثقافتين العربية والأوروبية، والتأثير الانتشاري المتصاعد للثقافة الأخيرة (الأوروبية)". ثم يقول ـ وهو الأهم هنا ـ: "لكن الأفكار التنويرية ـ النهضوية في المشرق العربي لامست بشكل خفيف فقط فئات اجتماعية محدود الحجم والوزن. فالتنوير لم يصبح هنا (بخلاف ما كان عليه في أوروبا) تيارا اجتماعيا فكريا عريضا شاملا للجميع وطاغيا على كل مناحي الحياة" (الإسلام والمسيحية، أليكسي جورافسكي، ترجمة: خلف محمد الجراد، ص203و204). 

في اعتقادي، هذا توصيف من الخارج ـ ولكنه صادق ودقيق ـ لِمَسَار محاولات التنوير الرائدة ومآلاتها في العالم العربي. وهو توصيف دقيق لا يقرأ تاريخ الفكري العربي قراءة صادقة فحسب، بل أيضا يقرأ الراهنَ والمستقبلَ دون أن يقصد ذلك، بدليل أن الخطوط العامة لتوصيفه هذا، لا تزال تحكي الواقع، أو لا يزال الواقع لم يخرج عليها؛ رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدور الكتاب.

ولعل من الدلائل المُعَبِّرة بوضوح عن توقّف مسيرة التنوير؛ حتى قبل أن تبدأ خطواتها الجِدّية الأولى، أن "الاصلاح الديني" الذي هو شرط مُحَايث لأي مَسَارٍ تنويري، لم يَكتب حروفه الأولى بعد؛ إذ لا يزال الإسلام المُتَجَمهر في العالم العربي ـ بكل مذاهبه وبكل طوائفه ـ إسلاما سلفيا تقليديا قروسطيا، مُتْخَماً بالخرافة، ومشحوناً بالتطرف والتزمّت، ومُفَصَّلاً ـ عَقائدياً ـ على مَفاصِل النفي والإقصاء، ومُعَادِياً ـ حُريّةً وحُقوقاً تَكرِيماً ـ للإنسان. وإذا كان ثمّة تَجديدٌ لافِتٌ، واجتهاداتٌ فارِقةٌ؛ في سياق الإصلاح الديني، فهي كحالها في السياق التنويري تماما، أي هي مجرد نُتُوءَات نُخْبَويّة عَارِضةٌ، لا تجد لها فاعلية مؤثرةً في السياق الجماهيري، بل هي على العكس، مرفوضة، ومطاردة، ومُجَرَّمَة في الوعي العام المُتَديِّن؛ لصالحِ تُرَاثٍ ديني تقليدي مُكْتَسحٍ لِعُمومِ الجغرافيا الإسلامية، ومُتَجَذِّرٍ في عُمْق التاريخ.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!