محتج في مظاهرة بالخرطوم في يناير عام 2022
محتج في مظاهرة بالخرطوم في يناير عام 2022

قام قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر الماضي، بانقلاب عسكري فتح الطريق أمام عودة فلول نظام الطاغية المخلوع، عمر البشير، للسلطة مرة أخرى بعد أن أطاحت بهم الثورة الشعبية التي اندلعت في ديسمبر 2018.

بدأت أولى خطوات رجوع فلول نظام البشير من الإسلامويين وحلفائهم بالقرار الذي أصدره قائد الجيش بتجميد نشاط لجنة إزالة التمكين المسؤولة عن استرداد الأموال العامة المنهوبة بواسطة منسوبي جماعة الإخوان وكذلك استعادة قومية وحيادية الجهاز البيروقراطي للدولة الذي تم احتلاله من قبل كوادر التنظيم.

تبع ذلك الإجراء صدور قرارات بإرجاع مئات العاملين الذين طالتهم قرارات اللجنة للخدمة فضلا عن إلغاء قراراتها الخاصة باسترداد عشرات الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية من كوادر التنظيم لصالح حكومة السودان.

واستمر التعاون بين العسكر والتنظيم الإخواني بصدور قرارات بالإفراج عن عدد كبير من قيادات التنظيم من السجون، بالإضافة إلى غض السلطات الانقلابية الطرف عن اعتقال عدد كبير من المطلوبين والسماح لبعضهم بالهروب خارج البلاد.

كانت نتيجة التنسيق والعمل المشترك بين العسكر والإسلامويين هو عودة كوادر النظام البائد إلى ممارسة نشاطهم السياسي بصورة علنية وتحت حماية العسكر على الرغم من أن حزبهم قد تم حله في أعقاب الثورة.

وفي الوقت الذي يواجه فيه العسكر المواكب السلمية بالرصاص الحي والعنف المفرط، فقد تم السماح لفلول النظام البائد بإقامة مؤتمراتهم في الهواء الطلق، بل وأكثر من ذلك أعطتهم سلطات الانقلاب الضوء الأخضر لممارسة العنف من جديد، ومثال ذلك مهاجمتهم بالعصي والحجارة مبنى نقابة المحامين أثناء انعقاد الورشة الخاصة بالإعلان الدستوري.

وجاء تتويج التعاون والتنسيق بين العسكر والنظام البائد بالمبادرة التي أطلقها أحد شيوخ التصوف المعروف بولائه للإخوان بتوجيه من التنظيم "الحركة الإسلامية", وقد تمت مباركتها من قبل قائد الجيش ولم تشارك فيها أي قوى سياسية سوى فلول النظام البائد، وكانت نتيجتها الحتمية هي الفشل الذريع.

لا شك أن العلاقة بين قادة الجيش والإخوان محكومة بمدى خدمة كل طرف لمصالح الآخر، فالعسكر يسعون للإمساك الكامل بزمام السلطة وإجهاض عملية التحول المدني الديمقراطي، ولكنهم يفتقدون للظهير السياسي الذي يستطيعون العبور من خلاله لتحقيق مسعاهم، والإخوان يحلمون بالعودة للمشهد من خلال تحالف مرحلي مع العسكر ريثما يلتقطون أنفاسهم ليستعيدوا السيطرة على السلطة.

وقد حاول العسكر طوال الفترة الانتقالية  خلق نصير سياسي من خلال التحالف مع بعض الكيانات القبلية (الإدارات الأهلية) وبعض الطرق الصوفية ولكنهم فشلوا في ذلك للعديد من الأسباب المرتبطة بطبيعة تلك الكيانات ومن بينها قابليتها للانقسام المتولد عن أصل التحالف القائم على استخدام المال السياسي، وخير دليل على ذلك الخلافات التي دبت في الكيان الذي يقوده أحد النظار الذين دعموا الانقلاب في شرق السودان.

وكذلك عمل العسكر وما زالوا يعملون على استخدام بعض الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، التي أيدت الانقلاب عبر الإغراء بالمناصب والامتيازات، ومثلما أوعزوا لفلول النظام البائد بصناعة إعلان دستوري عبر مبادرتهم التي أشرنا إليها أعلاه، فقد وجهوا الأخيرين بعمل ذات الشيء حتى يقطعوا الطريق أمام الإعلان الدستوري الذي طورته قوى الثورة.

إذا، العسكر يوظفون كل إمكانيات الدولة لرعاية مسعاهم في السيطرة على الحكم وذلك عبر الكروت الثلاثة : الإخوان وفلول النظام البائد والإدارات الأهلية وبعض الحركات المسلحة، وقد شارفت هذه اللعبة على نهايتها، حيث تم تجريبهم جميعا ولم يفلحوا في رفع الضغط الشعبي والدولي عن كاهل الانقلاب.

وغنيٌ عن القول إن العلاقة بين العسكر وبعض هذه الأطراف هي علاقة ذات طبيعة مؤقتة هدفها المشترك هو ضرب قوى الثورة وإجهاض عملية التحول المدني الديمقراطي، إذ يوجد بينها من التناقضات ما هو كفيل بأن يسعى كل طرف منها للتخلص من الآخر في أية مرحلة قريبة قادمة.

والحال هكذا، وبعد فشل كروت الضغط التي بحوزتهم، فقد يقوم العسكر بخطوة أحادية مثل خطوة الانقلاب، يتم بموجبها المضي مع حلفائهم في الأطراف الثلاثة بتعيين رئيس وزراء وتشكيل حكومة بغرض فرض الأمر الواقع، وهو خيار سيفاقم الأزمة بصورة أكبر. 

ولا شك أن خطوة كهذه ستعقبها إجراءات قمع واسعة لمواجهة الرفض الشعبي المتوقع، وسيعمل العسكر والحكومة الصورية التي سيتم تشكيلها على شن حملة إعتقالات كبيرة ربما تطال الآلاف من الثوار وقادة العمل السياسي، وهو ما يعني عودة البلاد لمربع الشمولية والحكم الدكتاتوري مرة أخرى. 

ومن الجلي أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد قد باتت في غاية الخطورة وهي مفتوحة على احتمالات الانزلاق للفوضى الشاملة وهو الأمر الذي لا يحتمل اتخاذ المزيد من الخطوات اليائسة من قبل العسكر كما أنه يتطلب ضرورة ممارسة المزيد من الضغوط عليهم من أجل إنهاء الانقلاب.

ولا يمكن وقوع ذلك الضغط المطلوب إلا بالعمل الجاد والسريع على توحيد صفوف قوى الثورة وضرورة تقديم جميع التنازلات المطلوبة من قبل هذه القوى حتى يتحقق إجماع شبيه بذلك الذي تم قبل سقوط نظام الجنرال المخلوع، عمر البشير، وهو الإجماع الذي أدى لنجاح الثورة وزوال الديكتاتورية التي راهن كثير من الناس على أنها لن تزول.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.