جرافة تزيل الركام من مبنى منهار بسبب غارة إسرائيلية في قطاع غزة بتاريخ 14 أغسطس
جرافة تزيل الركام من مبنى منهار بسبب غارة إسرائيلية في قطاع غزة بتاريخ 14 أغسطس

قامت إسرائيل في مطلع شهر أغسطس الجاري باعتقال أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، فهدّدت الحركة بالانتقام فما كان من إسرائيل إلّا أن أغارت على قطاع غزة وقتلت عدداً من كوادر الحركة بينهم القادة العسكريين للقطاع الشمالي والقطاع الجنوبي، بحيث سقطَ في عملية القصف هذه 47 قتيلاً فلسطينياً وأصيب أكثر من 250 آخرين بجراح.

وفي المُقابل أطلقت حركة الجهاد الإسلامي ألف صاروخ تقريباً على إسرائيل تصدّت القبّة الحديدية لأغلبها دون أن تحدث أي إصابات في الجانب الإسرائيلي، بل نَقلت وسائل الإعلام تسجيلاً أظهر صاروخاً من حركة الجهاد وهو يسقط وينفجر داخل القطاع نفسه وصاروخاً آخر وهو يتّجه نحوَ البحر، وقالت وكالة أسوشيتد برس أن من بين المدنيين الفلسطينيين القتلى 14 قتلتهم صواريخ حركة الجهاد الإسلامي، وبعد مُضي 55 ساعة على بدء القصف وافق الطرفان على وقف إطلاق النار.  

هذا تماماً ما حدث وما شاهده الجميع على الهواء مباشرةً، ولكنّ أغلب وسائل الإعلام العربية نقلته بطريقة مختلفة، فقد أطلقت أولاً على ما حدث اسم "حرب" ويحمل هذا الوصف مبالغة، فالحرب تعني نزاعاً مسلّحاً مُتبادلاً بين طرفين، بينما التوصيف الأقرب للواقع هو اصطياد إسرائيل لقادة وكوادر من حركة الجهاد الإسلامي، ثم تمّ تصوير نتيجة هذه "الحرب" كانتصار لهذه الحركة على إسرائيل، وهو ما إعتاد الإعلام العربي ترديده بعد كلّ مواجهة عسكرية طوال السنوات الماضية.

وفي جميعها كانت ادّعاءات النصر تستند على عبارات من نوع "صفّارات الإنذار تدوي في المدن الإسرائيلية" و"آلاف الإسرائيليين يهرعون للملاجئ" و"حالة من الذُعر تخيّم على المدن الإسرائيلية"، بما يعني أن دوي صفارات الإنذار ونُزول الإسرائيليين للملاجئ لبضعة ساعات يستحقّ أن يفقد عشرات الفلسطينيين حياتهم من أجله.  

وكرر ادّعاء "النصر" الزائف صحفي فلسطيني مقيم في لندن له برنامج على اليوتيوب في تسجيلين، كان الأول مع بَدء الغارات الإسرائيلية وقال فيه إن هذه "الحرب" ستطول كثيراً وستنضم إليها أطراف كثيرة، لأن اغتيال قادة الجهاد "سيولّع المنطقة"، وأن الفصائل الفلسطينية بعبقريّة غير مسبوقة نجَحت في جرّ إسرائيل إلى هذه المواجهة، ثم تابع أن إعلان الأمين العام لهذه الحركة، زياد نخّالة، بداية "الحرب" من طهران له دلالاته ولذلك لم يستبعد هذا الصحفي قصف حُقول الغاز الإسرائيلية في البحر المتوسط وانطلاق الضفادع البشرية من غزّة لمهاجمة إسرائيل.  

ورُغم أن شيئاً من هذه الأوهام لم يحدث فقد بقيَ الصحفي مصرّاً في تسجيله الثاني بعد وقف إطلاق النار على حُدوث نصر عسكري لحركة الجهاد، وكان سبب الانتصار هذه المرّة أن الصواريخ "أربكت" إسرائيل ووصَلت إلى تل أبيب والقدس وأدّت إلى توقّف السباحة في الشواطئ، وتابع أن إسرائيل لا تَحتمل حرباً كل ستة أشهر، لأن شعبها مُعتاد على حياة الرفاهية، وتَكرار الحروب ستدفعه إلى الهروب من إسرائيل.

رغم أن هذا الصحفي في أوائل السبعينات من عمره، أي أنه حضَر شخصيّاً جميع الهزائم العربية وسمع معها كل أكاذيب الإعلام العربي ابتداءً من أحمد سعيد في صوت العرب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حتى اليوم، ثم أنه هو بالذات ما زالَ منذ نصف قرن يقدّم من منزله في لندن عبرَ مقالات ومقابلات وتسجيلات وعوداً بنصر قريب للفلسطينيين البائسين في الضفة وغزة.  

ثم خرجَ سياسي فلسطيني "مُعتدل" وعدّد خمسة عوامل تؤكّد انتصار حركة الجهاد، أولها أن هذه الحرب لم تنجح في إيقاف المقاومة في الضفّة الغربية، ولا في تكريس انقسام بين الضفّة والقطاع، ولا في خلق شرخ بين قوى المقاومة الفلسطينية ولا في تحقيق انتصار عسكري تنتقم فيه إسرائيل من خسارَتها في حرب غزة الماضية!

كما أنها أخيراً فشلت في التغطية على مقتل المدنيين الفلسطينيين، وانتهى إلى أن هذه المواجهة "أثخنت" العدو أي ضربته ضرباً مبرحاً!، وكرّر ما يردّده الإعلام منذ سنوات بأن كلفة الصاروخ الفلسطيني 300 دولار بينما كلفة الصاروخ الإسرائيلي الذي يتصدّى له ستين ألف دولار.  

وكما هو واضح فإن عوامل الانتصار الخمسة التي عدّدها مناقضة تماماً للواقع، فلم تتحرك الضفّة لنصرة غزة بل لم تتحرّك حماس لنُصرة حركة الجهاد من داخل غزة ذاتها، كما أن قسماً أوسع من المجتمع الدولي أصبح يحمّل المنظمات الفلسطينية مسؤولية الخسائر البشريّة التي يتعرّض لها المدنيّون الفلسطينيون نتيجة وضع منصّات الصواريخ في الأحياء السكنية. 

وفي الأساس حركة الجهاد الإسلامي مصنّفة عند الدول الغربية كمنظمة إرهابية لقيامها بعمليات استهدفت المدنيين، ولأن صواريخها الحالية تستهدف أيضاً المدنيين في إسرائيل، كما أن هَدف هذه المنظمة حسب أدبياتها هو "تحرير كامل فلسطين وتصفية الكيان الصهيوني وإقامة حكم الإسلام وحشد الأمة الإسلامية لخوض المعركة الفاصلة، والدعوة إلى الإسلام بعقيدته وشريعته وإبلاغ تعاليمه نقيّة للأمة والإنسانية".

وتَعتمد الحركة لتحقيق ذلك على الجهاد المسلّح وتنظيم الجماهير وفق منهج مستمدّ من القرآن والسنّة لأن "الإسلام هو الحل"، أي أن هذه المنظمة حسب منطلقاتها الفكرية غير بعيدة عن داعش وطالبان، كما أن لها علاقة متينة مع النظام الإسلامي في إيران، ومن طهران أعلن أمينها العام الموافقة على وقف إطلاق النار وأهدى "النصر الذي حققته الحركة للجماهير الفلسطينية". 

أي أن هدف من يروّج لهذه الانتصارات الوهميّة هو استمرار هذا النوع من المواجهات العبثيّة لعقود مقبلة، وهو بالتالي يتحمّل مسؤوليّة الموت المجّاني الذي يحدث في كل مرة في صراع يريدونه بلا نهاية لأن الواقع يؤكّد أن الفجوة العسكرية بين المُنظمات الفلسطينية وإسرائيل تزداد اتساعاً عاماً بعد عام لمصلحة إسرائيل.

والمروّجون لهذه "الانتصارات" هم أغلب وسائل الإعلام العربية والكثير من السياسيين والمثقّفين ونُشطاء مواقع التواصل الاجتماعي الفلسطينيين والعرب، وهم في الحقيقية لا يُخفون ذلك بل يقولون صراحةً أنهم لا يُمانعون في استمرار الصراع جيلاً بعد جيل مهما طالَ الزمن، ويستخدمون للترويج لذلك عبارات من نوع "نحن نحبّ الموت كما يحب أعداؤنا الحياة".  

كما أن هدف من يدّعون الانتصار في هذه المعارك هو إبقاء الأوضاع كما هي، لأن الاعتراف 
 بالهزيمة يعني محاسبة المسؤولين عنها، وبالتالي إبقاء غزة "إمارة إسلامية" تحت حُكم حركة حماس، والإبقاء على حركة الجهاد الإسلامي رُغم أنها منظمة إرهابية عند الكثير من دول العالم،

وكذلك إبقاء الحكم الفردي للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية رغم فشلها في الحصول على شرعيّة داخلية أو إقليمية أو دولية والتي لم تعرف منذ عقود سوى رئيسين هما ياسر عرفات ومحمود عباس دون أن يشعر أحد بالإحراج وهو يرى الانتخابات العديدة وتبدّل الرؤساء المستمرّ في إسرائيل.  

وادّعاء النصر هذا يُساعد في إنكار الاعتراف بتراجع التأييد الشعبي في الضفّة وغزة لهذه المنظمّات، والذي تظاهر بوجود الكثير من الفلسطينيين الذين يتطوّعون بطيبة خاطر لإعطاء إسرائيل ما تريده من معلومات عنها، مثل الكثير من الإيرانيين الذين يتطوّعون لتزويد إسرائيل بمعلومات عن المواقع الحسّاسة في "الجمهورية الإسلامية"، وكذلك برفض الاعتراف بتراجع التأييد الإقليمي والعالمي للمنظمات الفلسطينية وسَعي الكثير من شُعوب وحُكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لبناء علاقات مع إسرائيل.   

وفي النهاية إن عالَم اليوم لم يَعد يقبل أن تُعتبر العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين أعمالاً بطولية، وكذلك لم تعد الكثير من شُعوب وحكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتقبّل أفكار الإسلام السياسي ولا الصراعات التي لا نهايةَ لها، ولذلك ربّما من الأفضل للقيادات الفلسطينية البحث عن طريقة أخرى لمُخاطبة شعبها والعالم والبحث عن حلول واقعيّة وقابلة للتحقيق بدَل الاستمرار في حالة الإنكار وادّعاء النصر بعد كل هزيمة، مع مراعاة أن حياة وسعادة الإنسان الفرد أصبحت في عالم اليوم أكثر أهمية من جميع الشعارات.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.