مركب يقل لاجئين في البحر الأبيض المتوسط
مركب يقل لاجئين في البحر الأبيض المتوسط

الرجل (ولنسميه "أحمد") لا يتجاوز الأربعين عمراً، متزوج وله أولاد عدّة. كبير أبنائه كان قد توجه إلى أوكرانيا للدراسة، بعد أعوام من نزوح الأسرة من الريف السوري إلى العاصمة اللبنانية بحثاً عن العمل، وذلك قبل الانتفاضة التي استحالت حرباً بين النظام والفصائل في بلادهم. الأسرة ازدادت أعداداً خلال الإقامة في لبنان، وتوطد بقاؤها، بمساعدة منظمات الإغاثة الدولية إثر تدهور الأحوال في سوريا.

تواجد السوريين للعمل في لبنان سابق لهذه الأحداث، بل سابق للاحتلال السوري، والذي عاشته معظم المناطق اللبنانية بين العامين ١٩٧٦ و٢٠٠٥. مئات الآلاف من السوريين وربما أكثر حتى في خضمّ الحروب في لبنان، تولّوا في لبنان الأشغال والوظائف التي ترفّع معظم اللبنانيين عن القيام بها، حتى في الأيام الصعبة.

عمّال بناء، وجامعو نفايات (هذا قطاع فقدوه لصالح عمال مستقدمين من دول أخرى بعد نهاية الحرب)، وما شابه، لمن ليس "مرتّباً" منهم ("الترتيب" مفهوم لبناني حول الظهور والكلام بشكل لائق ومقبول اجتماعياً)، وموظفو محال تجارية ونواطير بنايات لـ "المرتّبين". هذا هو الجانب المرئي.

واقع الأمر أن الحضور السوري الأكثر تأثيراً في لبنان ربما يكون تلك الأسر العديدة، ابتداءً من الطبقة الوسطى ووصولاً إلى أثرى الأثرياء، والتي انسابت على مدى العقود إلى الاندماج بالمجتمعات اللبنانية، بناءً على عوامل التماهي والمصاهرة، مع تسريع وتجنيس عند توفّر الأرصدة.

على أن الحرب في سوريا، والتي اشتعلت عام ٢٠١١، دفعت بهذا الحضور باتجاهات جديدة، كماً ونوعاً. لا شك بأن العامل السياسي، أي هروب مواطنين سوريين معارضين من بطش النظام وفي مرحلة لاحقة الفصائل، كان دافعاً رئيسياً في حشد لجوء سوري في لبنان وصل عند حدّه الأقصى إلى ما يقارب نصف عدد المواطنين اللبنانيين.

الأرقام بعد أعوام قليلة من اندلاع الحرب في سوريا كانت قرابة المليونين من السوريين في لبنان في أوساط أربعة ملايين من اللبنانيين، وهي نسبة غير مسبوقة عالمياً. ولا شك كذلك بأن جعل إيران من "حزب الله" اللبناني رأس الحربة في تشكيلة القوى التي أوفدتها إلى سوريا (لواء أبو الفضل العباس، زينبيون، فاطميون، وغيرهم من التشكيلات التابعة للحرس الثوري الإيراني) قد تسبب بتهجير أهالي منطقة القلمون السورية وغيرهم إلى الداخل اللبناني. غير أن الدافع الثابت للحركة السكانية السورية باتجاه لبنان هو الفرصة الاقتصادية التي يقدمها هذا البلد الصغير، نتيجة محاسنه وعيوبه على حد سواء.

"أحمد" جاء إلى لبنان ساعياً لمستقبل أفضل لأولاده. اجتهد بالعمل حيثما توفّر، حقّق ضمن الدائرة المتواضعة المتاحة له، استفاد ممّا تمكن من الاستحصال عليه من المساعدات، سجّل أطفاله في مدارس خاصة مستحدثة لمراعاة أوضاعه القانونية والمالية، أي قادرة على الاستدارة حول قيود الإقامة الدائمة لقاء بدل مالي، ولم ينسَ أسرته في الريف السوري، بل ثابر على تمويلها وإعانتها مما حصل عليه، مستفيداً، كما جميع المقيمين على الأراضي اللبنانية من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين وعراقيين ومصريين وسودانيين وفليبينيين وبنغلاديشيين وسريلانكيين وإثيوبيين وغيرهم، من الدعم غير المنظور العائد إلى تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية إزاء الدولار.

قنوات التهريب الإجرامي للسلع المدعومة، الغذائية منها والصيدلية والوقود، كانت (ولا تزال) عديدة، وهي قد استنزفت من الثروة اللبنانية المتواضعة الكثير، وراكمت الديون على الأجيال اللبنانية القادمة. على أن قناة الاستنزاف الأولى كانت شرعية. كل مادة مستوردة رأى المقيم في لبنان أنه قادر على استهلاكها كانت جزءاً من هذه القناة. وكل راتب تلقاه مقيم وافد في لبنان وأرسله إلى الخارج، بصيغة وقدر يضاهيان ما يجري في دول الخليج، هو كذلك جزء من هذه القناة. وإذا كان لدول الخليج موارد تسمح لها بمقايضة خروج رواتب المقيمين منها بما تجنيه من أعمالهم. فالأمر في لبنان ليس مقايضة، بل استنزاف.

"أحمد" استنفد ما كان بوسعه أن يستنزفه، من حيث لا يدري، من لبنان. مع السعر المتقلب لصرف العملة اللبنانية، وانهيارها إلى أقل من جزء على عشرين من قيمتها، لم يعد "أحمد" قادراً على تحصيل ما سبق له أن جناه، حتى مع الدعم المتواصل للجمعيات الدولية. ثم أن الأوضاع المعيشية في لبنان قد انحدرت إلى ما يوازي أو حتى يقلّ عمّا تركه في الريف السوري. آن الأوان لـ "أحمد" للبحث عن مكان آخر يضمن فيه مستقبل أولاده.

ابنه في أوكرانيا تمكّن من الالتحاق بأقارب لهم في بريطانيا، ومن جرّاء مكالمات عدة بين "أحمد" وهؤلاء، قرّر الالتحاق وعائلته بدوره بهم. بريطانيا هي الجنة الموعودة الجديدة. طريق الوصول إليها على قدر من الصعوبة، ولكن المكافأة عند بلوغ الهدف تستحق المشقّة.

تحدّث "أحمد" عن المراحل المرتقبة، كما أفاده أقرباؤه، والعديد من معارفه الذين سلكوا هذا السبيل.

"العملية بكاملها منظّمة ومحسوبة. نحن ومجموعة من العائلات. نسافر جوّاً إلى دولة قريبة، تأخذنا الحافلات عبر الحدود إلى دولة أخرى. هاتان خطوتان نظاميتان بالكامل. نحتاج بعدها إلى قطع خطوط التماس في حرب داخلية، عل أن الأمر قد جرت معالجته مسبقاً مقابل مبلغ مالي. الخطوة التالية هي الأصعب، إذ تنضوي على قدر من الخطورة، على أنها بدورها لم تعد، كما كانت في السابق، مجازفة رهيبة، وهي اجتياز البحر وصولاً إلى الدولة الأوروبية المقابلة".

"الخطر هنا هو في أن القوارب غالباً ما تحمّل بما يزيد عن طاقتها بأضعاف، فيغرق بعضها. أما مقابل المبلغ الذي دفعناه نحن، فلن تزيد حمولة القارب عن القدر المقبول. ثم أن هذا العبور الذي سوف نقدم عليه سيكون شرعياً".

- كيف يكون شرعياً وأنتم تدخلون البلاد خارج الإطار النظامي، بعملية تهريب للبشر؟

"ليس الأمر كذلك، فجميعنا على المركب من طالبي اللجوء، واللجوء حق تضمنه الدساتير والقوانين الأوروبية. ولن يتواجد على المركب أحد من المهربين. بل سوف يجري تدريب أحدنا على قيادة المركب، للساعات القليلة التي تستغرقها الرحلة، وسوف يُفاد بالتوجيهات هاتفياً، عبر تقنية نظام الموقعة الكوكبي، لتصحيح المسار".

- طلب اللجوء هو للهارب من الاضطهاد. هذا ليس حالكم.

"نحن جميعاً من بلاد يكثر فيها الاضطهاد. سوف نحتفظ ببطاقات الهوية، من أجل تسهيل الحصول على أوراق العمل والإعانة في الدول الأوروبية، على أننا سوف نرمي جميعاً جوازات السفر في البحر فور رؤية مركب خفر السواحل من الدولة الأوروبية، فلا يكون دليلا على أننا لم نكن من المقيمين في بلادنا. المناط بخفر السواحل هو مرافقة مركبنا إلى برّ الأمان، حيث يستقبلنا المسؤولون عن الهجرة ومنظمات الإغاثة، فنحصل من هؤلاء على أوراق ثبوتية تمكننا من متابعة رحلتنا في أوروبا، ومن أولئك على الألبسة والأطعمة لمتابعة الرحلة. أما المركب، فليصادروه، فهو لرحلة واحدة".

- النظام في هذه الدول يفترض بأن طالب اللجوء صادق وبريء، ويفرض معاملة الجميع بما يتوافق مع الكرامة الإنسانية على أي حال. لذلك، فأنتم لن تعتقلوا، بل يُخلى سبيلكم بانتظار جلسة الاستماع إلى أحوالكم للبت بطلب اللجوء. ولكنكم لستم صادقين هنا، فكيف تواجهون القاضي في جلسة الاجتماع؟

"لن ننتظر الجلسة، بل سوف نتابع رحلتنا برّاً إلى مقابل الساحل البريطاني، حيث تنتظرنا ضيافة أخرى، ومركب آخر لتكرار العبور. ومع الوصول إلى بريطانيا، يتكرر الاستقبال، بأوراق ثبوتية جديدة وإعانات جديدة، قبل أن ننضم إلى أقاربنا وأصدقائنا، سوف يجري العمل للحصول على الإقامة الدائمة والجنسية هنالك. ومن سبقنا قد حصل عليها بغضون أعوام قليلة".

- بالإضافة إلى خطر الغرق، ألا تخشى على أسرتك من أن تكون هذه الترتيبات كاذبة، فأنت وسائر من يهاجر معك قد دفعتم مسبقاً أثمان هذا العبور وذاك، وهذه الضيافة وتلك. ولكن ما الذي يضمن لك بأن المهربين صادقون بوعودهم؟

"التجربة! فقد سبقنا العديدون، وعبروا البحر المتوسط ووصلوا إلى أوروبا. ثم أن أوروبا بحاجة إلينا، فهي قارة عجوز وسكانها يشيخون، وهم بحاجة إلى نشاطنا وقدراتنا، لذلك هم يسمحون لنا بالدخول ويغضّون النظر عن أن هذا الدخول ليس عبر المعابر المعتادة".

- لو كان هذا التشخيص صحيحاً، ألم يكن من الأفضل للدول الأوروبية أن تفتح أبواب الهجرة ليأتي إليها من يناسب حاجاتها، بدلاً من أن يكون دخولها دون ضوابط؟

"ليس هذا شأني. أنا أبحث عن مستقبل أولادي. ولا أرى ما يمنعني من الهجرة بهذا الشكل. بالتأكيد ليس من الأوروبيين الذين يحسنون استقبالنا. بل انظر إلى هذا المقطع المرئي والذي يظهر سعادة المهاجرين عند رؤية مركب خفر السواحل الأوروبي".

يشغّل "أحمد" على هاتفه الجوّال مقطعاً مرئياً أرسله له أحد أصدقائه من الذين أتمّوا هذا العبور، يبدو معه في الأفق مركباً لخفر السواحل، فيما يحتشد على المركب المطاطي الصغير عدد يقارب الأربعين ربما من الشباب والرجال، وما أن يشاهدوا مركب خفر السواحل حتى تتعالى أصواتهم بالهتافات الدينية، من التكبيرات إلى الهلهلة والشهادتين.

زوجة "أحمد" وابنته الشابة محجبتان. على أنه هو ليس شديد التديّن. قد يشرب الكحول بين الحين والآخر. ويؤكّد، تطوّعاً، بأنه لا يخشى على أسرته من أن تتشرب أخلاقيات الغرب وقيمه، إذ أنه سوف يقيم في أحياء أو بلدات غالب أهلها من أهل بلاده أو من المسلمين عموماً، وعلى أي حال فإن من سبقه قد تمكّن من المحافظة على دينه وتقاليده.

من حقّ "أحمد" أن يسعى إلى خير أولاده. بلاده لم تنصفه ولم تتعامل معه على أساس الحقوق والقيم. فقد يكون من الإفراط والإجحاف مطالبته بما لم يعطَ.

ولكن، بعيداً عن "أحمد" الفرد، وصولاً إلى الكثرة التي يشكّل "أحمد" فيها جزءاً صغيراً من كل كبير. وتحديداً من وجهة نظر المجتمع المتلقي، الأوروبي، الذي أراد الافتراض بأن قيمه العالمية واحترامه لحقوق الإنسان هي أساس حاضره (ومع إهمال هنا لزعم التصحيح التاريخي المشخصن للمجتمعات والذي يجعل من حالة اليوم قصاصاً للاستعمار)، هل الذي يجري هو ممارسة للحق باللجوء، هل هو هجرة ذات فائدة متبادلة وجدت لنفسها منفذاً عجزت عنه التعقيدات السياسية، أم هل هي حالة غزو، مادي وحضاري وديني، بأشكال جديدة؟

الجواب قائم على الاعتبارات الفكرية لمن يجيب عليه. من الصعب تطويع المعطيات لاعتبار الأمر لجوءاً، إلا بالمعنى الوجودي الغرضي، غير الصادق، المدلّس. المعطيات تسمح بأن تجيّر لأن يكون الجواب "هجرة" من نوع جديد إذا أحسن الوافدون والدول المضيفة، قسراً، على اعتماد منطق الفائدة المشتركة، والولاء للمكان الجديد.

ما كان ولاء "أحمد" للبنان؟ كون الحالة الإنسانية على ما هي عليه ليس واعداً بهذا الشأن. والمشكلة قد لا تكون بأن بعض الأوروبيين المتوجسين من هذا الوفود غير المنضبط، المستهلك للموارد والمبدّل للوقائع، يطلقون عليه تسمية "الغزو"، بقدر ما هي أن قلة غير قليلة، على الأقل، من هؤلاء الوافدين، ترى هجرتهم على أنها هبة إلهية، رغم أنف المجتمعات المستقبِلة لها، وترى في سلوك هذه المجتمعات، من احترام الكرامة إلى الإعانات وتنظيم الإقامة، منحة وغنيمة، فتحا ونصرا، لا تقتضي الشكر إلا لرب المسلمين، قاهر الكفار والمشركين.

اللاجئون والمهاجرون ليسوا أصل البلاء لا في لبنان ولا في بريطانيا ولا فيما بينهما، وقد لا يشكلون المشكلة الوجودية التي يخشاها البعض. ربما أن حالة "أحمد" هي عارض وحسب للأزمة المتشعبة العميقة التي تنفي عن مجتمعات الشرق العدالة الاجتماعية وتحرمها من استقرارها وتصدّر أوجه من أزماتها. قد يكون الأمر مجرد تسرّب يمكن إهماله. ولكن قد يكون أيضاً أن هذا التسرّب قد يؤدي، رويداً ثم بسرعة متصاعدة، إلى الطوفان. والخراب، هنا وهنالك.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!