وسنبقى نعيش عبث التطرف والإرهاب بأشكال متخلفة. أي كلمة نقد، أي مقال، أي رواية، أي فيلم، أي رسم كاريكاتوري، أي تدوينة على تويتر أو فيسبوك، هي "هجوم على الإسلام" و"مس بمعتقدات المسلمين" تستدعي السجن أو القتل أو التهديد.
خلال يومين فقط، في نيويورك، متطرف يطعن كاتبا كبيرا بحجم سلمان رشدي ليتسبب له في إصابات خطيرة استدعت نقله للمستشفى.
وفي المغرب، شابة ثلاثينية يحكم عليها بالسجن سنتين بتهمة "الإساءة للإسلام"، بسبب تدوينات لها على الفيسبوك.
وقد يكون مثلهما من الحوادث كثير.
لا يهم موقفنا من أدب سلمان رشدي. قد تعجبنا كتاباته وقد لا نحبها. في الأصل، من حقنا دائما ألا نحب كتابات مؤلف ما، حتى لو كان يُصَنَّف من أهم الكتاب وحتى لو حصل على جوائز عالمية. ببساطة لأنه، في عملية القراءة، هناك اختيارات تتعلق بالذائقة لا علاقة لها بالتقييم والجوائز والتصنيفات العالمية.
لكن، هناك بالتأكيد فرق كبير بين ألّا نحب كتابات شخص معين، أو ألّا نتفق معه فكريا، وبين أن نصدر فتوى لقتله أو أن نقوم بطعنه بسكين، أو حتى أن نبرر و"نتفهم" موقف المجرم.
الحقيقة أن كل من كتب أو علق أو حتى فكر بأن "طعن سلمان رشدي مرفوض لكن، في نفس الوقت، فهو كان يبالغ في كتاباته"، أو بأن "طعن سلمان رشدي مرفوض؛ لكن مشاعر معظم المسلمين مفهومة أيضا لأنها تُمَس في أقدس ما لديها"، هم في الحقيقة لا يختلفون كثيرا عن المجرم إلا في كونهم لم يرفعوا السلاح بشكل مباشر.
ما معنى أن نبرر القتل بحجة أن القاتل كان يعبر عن مواقف فكرية أو أيديولوحية أو سياسية لا تناسبنا أو لا تعجبنا؟ ما معنى أن "نتفهم" موقف مجرم يقتل أو يطعن بسبق الإصرار والتخطيط؟
ألسنا في النهاية نعبر عن رغبة ضمنية بارتياحنا لكون المجرم ناب عنا في التنفيس عن الغضب من الضحية (الذي يتحول فجأة لمتهم)؟ ألسنا في النهاية نعبر عن موقف "يتفهم" العنف والقتل ومحاولات القتل بذريعة الدفاع عن معتقدات شخصية؟ (تماما قد "يتفهم" القتل دفاعا عن "الشرف")؟ ألسنا، والحالة هذه، نحتاج لمساءلة تصورنا عن ذاتنا وعن مواقفنا الحقيقية ومدى قدرتنا الفعلية على قبول الاختلاف والتعدد وحرية التعبير؟
وإلا، فهل سنقبل أن يتهجم هندي على مسلم في الكويت أو تونس أو المغرب لأنه يسخر من معتقداته؟
هل سنقبل أن يحاول مسيحي أو يهودي طعن إمام مسجد لأنه يقول إن التوراة والإنجيل كتب محرفة وأن اليهود والمسيحيين مغضوب عليهم وضالون وأنهم "حفدة الخنازير"؟
تماما كما في قضية فاطمة كريم، المدونة المغربية التي صدر في حقها حكم ابتدائي بالسجن سنتين بتهمة الإساءة للإسلام. بانتظار حكم محكمة الاستئناف، لنتساءل: متى ستقبل أن حرية التعبير وانتقاد المعتقدات يجب أن تكون مكفولة للجميع؟ مقدسك ليس بالضرورة مقدسا عند الآخرين. حتى حق السخرية اللاذع يفترض أن يكون مكفولا، أو على الأقل، أن تكون المعاملة بالمثل.
لا يمكنك أن تعطي لنفسك حق اعتبار دين الآخرين محرفا وأن تسخر من معتقدات بعض طوائف الهندوس دون حتى أن تكلف نفسك مجهود الفهم الحقيقي لمعتقدهم، ثم تطالب أو تطبل لسجن شخص من داخل ثقافتك لأنه انتقد أو سخر!
الخط الأحمر الوحيد أن تتم ممارسة العنف والاضطهاد ضد أشخاص بسبب انتمائهم الديني، أو أن يحرموا من حقهم في الإيمان أو في ممارسة معتقدهم. ما عدا ذلك، فيفترض أن يكون مكفولا بالقانون وبثقافة التعدد.
فهل سنعي، يوما، أننا لسنا مركز الكون وأن العالم بأسره يقبل النقد والسخرية وأن علينا كذلك أن نتعلم أن قناعاتنا الشخصية يمكن أن تكون محل شك أو سخرية من طرف الآخر؟ أو حتى من طرف مسلم سكنته الهواجس والشكوك ووصل ربما لقناعة عدم الإيمان؟

