مظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن (أرشيفية)
مظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن (أرشيفية)

العديد من الحكومات العربية تود لو أن الولايات المتحدة صنفت جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. والعديد من المسؤولين الأميركيين من العاملين في إدارات جمهورية وديمقراطية يتمنون هم أيضا لو استطاعت إداراتهم وضع الجماعةً على قوائم الارهاب.

أكثر من ذلك هناك العديد من المثقفين والكتاب والباحثين العرب والغربيين، يودون حدوث هذا الأمر اليوم قبل الغد.

المشكلة هي أن هذه الخطوة تبدو غير واقعية لأسباب عديدة ليس بينها التوجهات الحزبية للحزبين الديمقراطي أو الجمهوري.

وليس خافيا أن عددا من المشرعين الأميركيين في مجلس الشيوخ وكذلك النواب حاولوا الدفع بمشاريع قوانين في هذا الاتجاه لكنها لم تصل إلى أي نتيجة. لماذا؟

بداية، فإن تصنيف أي جماعة على أنها إرهابية هي عملية طويلة ومعقدة وتتطلب توافر عدة شروط، من أهمها تورط الجماعة أو أعضائها في هجمات تتسبب في مقتل أو استهداف مواطنين أميركيين، أو وجود أدلة على أن هذه الجماعة تآمرت أو تتآمر لقتل أو استهداف أميركيين. 

توجد أيضا مواصفات أخرى تتعلق بطبيعة هذه المنظمات والتي تثبت مسؤوليتها عن ممارسة أعمال القتل والإرهاب ضد المدنيين على نطاق واسع.

وبالطبع فإن أي قرار من هذا النوع يجب أن يراعي أيضا المصالح الوطنية للولايات المتحدة.

لكن في الإجمال لا بد أن يكون هناك سجل وإثبات يستوجب اتخاذ مثل هذا القرار.
وحين يصبح هذا القرار متاحا فهو لا يأتي نتيجة رغبات حزبية وإنما نتيجة عمل المحققين وخبراء مكافحة الإرهاب والمختصين في عدد من الوزارات والأجهزة مثل وزارة العدل والخزانة والخارجية والاستخبارات وغيرها الذين يتوصلون إلى نتيجة بأن هذه المنظمة أو تلك تستحق أن توضع على قوائم الإرهاب وأن هناك ما يكفي من الأدلة ضدها في هذا الصدد.

هل هذا يعني أن الحزبين أو مواقف الأعضاء لا علاقة لهم في ذلك؟ بالطبع كلا.

ففي أحيان كثيرة يكون لهؤلاء الأعضاء أو المنظمات أو المراكز البحثية القريبة من الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري دور في إنضاج موقف أو قضية من هذا النوع، لكن قرار الإدراج في لائحة الإرهاب من عدمه هو قرار يتخذ من جانب المعنيين بهذه الملفات وذلك بناء على أدلة ملموسة ومعطيات مثبتة.

هل هذا ينطبق على جماعة الإخوان المسلمين؟

للأسف فإن هذه الجماعة قد أفلتت من هذا التصنيف مرات عدة وذلك لأسباب بينها:
أن جماعة الإخوان المسلمين خلال الخمسين عاما الماضية على الأقل لم تستخدم العنف المسلح ضد خصومها.

الجماعة لم تقتل أميركيا أو تتآمر لقتل الأميركيين.

الجماعة لم يثبت أنها كانت ضالعة أو مساعدة في أعمال إرهابية في أي بلد في العالم.

كذلك لم يثبت أن الجماعة قد مولت بصورة مباشرة أو غير مباشرة أي عملية إرهابية، ولا توجد أدلة على وجود صلة لتنظيم القاعدة أو داعش أو أعضاء في هذين التنظيمين بجماعة الإخوان المسلمين تنظيميا أو سياسيا أو إداريا، رغم أن هؤلاء الأعضاء ربما تأثروا بفكر الجماعة أو كتابات أعضائها، مثل سيد قطب، أو كانوا في وقت ما جزءا منها لكنهم انشقوا عنها.

أما المسألة الأخرى التي تجعل من الصعب على أي إدارة أميركية أن تصنف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية فهو أن اسم الجماعة لا يشمل فروعها في الدول العربية أو العالم. فكل فرع يحمل اسما خاصا به وكذلك هيكله التنظيمي وصلاته وامتداداته.

بمعنى أن تصنيف جماعة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية لن يشمل هذه الفروع. وفي حال تقرر إدراج أي منها على قوائم الإرهاب، كما هو الحال مع حركة حماس مثلا، فإن ذلك يتم على حدة ويشمل هذا التنظيم فقط.

الأمر الآخر هو أن العديد من الحكومات العربية تقيم علاقات طيبة مع بعض فروع الإخوان المسلمين، وعلاقات عدائية مع فروع أخرى، وبعض هذه الفروع إما ممثل في الحكومات أو مشارك في الحياة السياسية بشكل من الأشكال.

لنتخيل سيناريو تدرج فيه الولايات المتحدة مثلا جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وهي فرع للإخوان المسلمين، ضمن قوائم الإرهاب، كيف ستتعامل الحكومة الأردنية مع هذا الأمر؟
بل كيف ستتمكن الولايات المتحدة من مساعدة الأردن وهو، في هذه الحالة، يقيم علاقة أو يقوم بتحالفات مع جماعة مصنفة إرهابية؟  وقس على ذلك الجزائر والكويت والبحرين والمغرب وغيرها. 

لذلك فأن تتوقع بعض الحكومات العربية من الولايات المتحدة أن تدرج الإخوان المسلمين ضمن الجماعات الإرهابية لمجرد أن لديها مشكلة سياسية أو أمنية مع فرع الجماعة في بلدها، هو أمر غير واقعي وغير عملي، رغم الاتفاق على أن الثقافة الإخوانية، وهي ثقافة منتشرة للأسف في العديد من المجتمعات العربية ولها امتداداتها في بعض الدول الغربية، تشجع على العنف والإرهاب. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.