سلمان رشدي يتعافى من محاولة اغتيال فاشلة
"ما لا يفهمه المتطرفون وأصحاب الفتاوى ضد الكلمة هو أن قتل الشخص لا يقتل الكلمة"

غريب أمر التطرف، فالثقة الغرائزية لدى المتطرف بنفسه وبخططه وحقده تبدو عمياء حتى لو أنها مبنية على أفكار بالية ومخططات بهلوانية انتهت، في حال عملية طعن الكاتب البريطاني سلمان رشدي، بطاعنه هادي مطر في سجن سوداوي كأفكاره في نيويورك.

هادي مطر الذي يواجه اليوم عقوبتين بين المؤبد والإعدام، أعطى مقابلة من السجن لصحيفة نيويورك بوست مغزاها أنه تفاجأ لأن سلمان رشدي ما زال على قيد الحياة. وفي المقابلة سرد مخططه للوصول إلى المركز الروحي حيث كان يتحدث رشدي، والتهويل ببطولته في أنه صعد المنبر وطعن رجلا بعمر الـ٧٥ عاما لا يحمل حتى مسطرة للدفاع عن نفسه.

مطر (٢٤ عاما) استغرب أن رشدي على قيد الحياة، ويتحدث مع المحققين ولا طعنات السكين ولا فتاوى تأثر بها الشاب المحبط نفسيا وعقليا، قتلته. "أنا لا أحب هذا الرجل"، قال مطر في المقابلة واعترف أنه قرأ فقط عدة صفحات من كتابه "آيات شيطانية"، وهو ما كان كاف إلى جانب إعجابه بالخميني، لطعن رجل في وضح النهار وعدم النجاح بقتله، لا بل قتل أي فرصة له شخصية بحياة كريمة. 

ها هو رشدي يمازح عائلته في المستشفى، كتابه وبسبب عملية مطر يتصدر مبيعات "أمازون"، فيما شبح نبذ التطرف الإسلامي وفتاوى إيران يخيم على الوسط الأميركي. 

الأكثر من ذلك، فإن الشاب اللبناني الأصل راح يتذمر في المقابلة من نوع الغذاء الذي يقدمونه له في السجن، والذي "لا يتوافق" مع دينه. هل يتوافق القتل الأعمى وطعن رجل غير قادر على الدفاع عن نفسه مع دينه؟ وهل كان يتوقع مطر الذي كان يقطن منزل والدته ويعتاش تحت سقفها في نيو جيرسي، أن تأتيه الشرطة بأطباق البط المحشي أو الكافيار؟ هل يعرف ما نوع السجون التي كانت ستنتظره لو كان محتجزا في إيران أو سوريا مثلا؟ 

طبعا لا. فتعجرفه وسذاجته هي من أوصاف شخص مدلل ومعدوم الخبرة، جرى استغلاله بسبب توحده وإحباطه ليصل لهذه النقطة التي لا مخرج منها اليوم. 

والدة مطر، سيلفانا فردوس، تعرف ولدها أكثر من أي شخص آخر وأكثر من أي جهة بائسة تمجد بعمليته اليوم. فردوس أم الثلاثة أولاد التي ربت عائلتها في كاليفورنيا قبل أن يتركها زوجها ويعود إلى جنوب لبنان، تعيش في نيوجيرسي مع ابنتيها وهادي الذي تغيرت أطباعه وشخصيته بعد زيارة لبنان في ٢٠١٨، كما قالت الأم لصحيفة "ديلي مايل".  الإحباط والتدين والعزلة وسهر الليل على الفيديو والإنترنت مقابل النوم في النهار أضحوا حياة الشاب. 

أمه ذات القلب المكسور لا تريد أي صلة بعد اليوم بولد هي غير قادرة على تبرير أفعاله وترى في انطوائه خللا عقليا. 

سلمان رشدي انتصر مرتين أولا بعد فتوى الخميني التي حولته من كاتب من بين مئات الآلاف عن الإسلام الى الكاتب المنبوذ، والمرة الثانية بعد عملية فاشلة من شاب فاشل زادت رشدي شهرة ومعرفة. 

ما لا يفهمه المتطرفون وأصحاب الفتاوى ضد الكلمة هو أن قتل الشخص لا يقتل الكلمة، بل يجعلها أكثر انتشارا سواء كان المؤلف رشدي أو نجيب محفوظ أو فرج فودة أو غيرهم. والقتل نفسه هو دليل ضعف ذهني وأكاديمي في عدم القدرة على مجادلة الكلمة بالكلمة والكتاب بالكتاب. 

هذه المأساة لا تنحصر بعملية مطر الفاشلة ضد رشدي بل هي تلخص سيرة طويلة من الفشل الإقليمي في بناء مجتمعات وتطوير الميادين الأكاديمية بعد حرب الـ١٩٦٧. فالقتل والسياسات الغرائزية باتت الجواب على كل شيء علما أن الضحية الأولى فيها ليست رشدي أو سمير قصير أو مي شدياق، بل هي مجتمعاتنا وقدرتنا على الاختلاف الفكري من دون شحذ السكاكين. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.