يحق لأميركا، ومعها الحضارة البشرية جمعاء، أن يحتفوا باليوم الذي عرضت به وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" قبل نحو شهر، الصورة الملونة الأولى، المذهلة علمياً وجمالياً، التي التقطها التلسكوب جيمس ويب بالأشعة تحت الحمراء للكون البعيد في طوره الأول قبل أكثر من 13 مليار سنة، وأن يعتبروا هذا اليوم ليس تاريخاً فخرياً فقط، بل يوماً تغييرياً بجدارة بوصفه الخطوة الأولى نحو أفق مستقبل مغاير.
أمام حقيقة إنجاز علمي وحضاري خارق كهذا، بدا من الطبيعي أن يتلقف ملايين الأفراد من المنفتحين ذهنياً وعلمياً وروحياً هذه الصورة وما تلاها من صور، بتصفيق حماسي حار، وبرد فعل إنساني صادق أفضى إلى مشاعر مهيبة تسبح الخالق وخلقه. ومفهوم في الوقت ذاته أيضاً، أن تشكل مثل هذه الصور صدمة معرفية للعديد من البسطاء أو المشككين بمصداقيتها أو الساخرين منها.
إذ لطالما شكلت العديد من الانجازات العلمية الخارقة عبر تاريخها، صدمات أولى وردود فعل حادة بوصفها إما خرافات، أو فبركات متقنة لخدع بصرية، أو باعتبارها منافية لبعض العقائد والإيمان. ولطالما وُجِدَ العديد من المناهضين لها أو المشككين بها في كل زمان ومكان، ممن اتهموا أصحاب الاكتشافات والانجازات النوعية بالهرطقة والتجديف وحاربوهم وأودوا ببعضهم إلى المقصلة، قبل أن تتقبل عقولهم وعقول العامة حقيقتها مع مرور الوقت وتسلّم بها.
بعض المشككين بمصداقية صور جيمس ويب، هم أنفسهم الذين انتقلوا قبل عقود قليلة، في قفزات تقنية وعلمية سريعة ومبهرة، من استعمال الحمام الزاجل في مراسلاتهم إلى البرق والهاتف، ومن ثم إلى تمكن واحدهم من إرسال رسالة أو ملف شخصي في ثانية من الزمن عبر البريد الالكتروني أو واتساب أو عبر أي من وسائل التواصل الاجتماعي، بل أيضاً الاستفادة من خدمة فتح بث مباشر في هواتفهم الشخصية ومشاركة مناسباتهم مع أحبائهم على بعد آلاف الأميال.
كما أن العديد من هؤلاء المشككين، هم أنفسهم الذين برمجوا مفتاح تشغيل آلياتهم السيّارة، وسافروا، لمرة واحدة على الأقل، في طائرات بلدانهم التي تبث قبل لحظة الاقلاع الآية التي تقول: "سبحان الذي سخَّر لنا هذا وماكنا له مقرنين" من سورة الزخرف في القرآن الكريم. والتسخير في المعنى المعاصر هنا، أن السماء تلهم بعض العقول النيرة بأفكار وعلم استثنائي تؤدي بالتالي إلى إنجاز أدوات تخدم الناس، بما يؤكد عدم تعارض الايمان والعلم لما فيه منفعة البشرية.
لا تأتي الإلهامات اعتباطياً، بل هي أشبه بومضات نادرة، تلتقطها في المعتاد بعض أدمغة الموهوبين والأذكياء من الحالمين وأصحاب المخيلة اللامحدودة، الذين يتفانون لأجلها ويفنون أعمارهم في خدمتها. يتلقفها واحدهم بحسب حلمه وطبيعته وميوله، فإما أن يكون إلهاماً أدبياً يترجم لاحقاً بإفراز سرديات عظيمة، أو إلهاماً فنياً، أو طبياً، أو إنجازاً علمياً فريداً، لكنها على الدوام، فرادى أو مجموعات، شكلت قفزات نوعية في بنيتها، ووسمت زمنها بطابع تغييري عالمي بمثابة فيصل بين مرحلتين.
وبتعريفه الموجز، لا يخرج تلسكوب جيمس ويب وإنجازه عن هذا الإطار، بوصفه التجلي الابداعي التقني والعلمي الأحدث، أو التعبير الحقيقي النهائي لتسلسل الفكرة البدائية والبسيطة التي نشأت مع الإنسان الأول، الذي غار من حرية الطيور وحلم بالتحليق مثلها، وتمنى معرفة أسرار المجرات الكونية العظيمة وملامسة النجوم والكواكب، فهاب غموضها تارة وصلى لترأف به تارة أخرى، لكنه ظل متعلقاً بسحرها، مواظباً على مراقبتها عن كثب، وأسس لها علوماً، وكتب عنها شعراً، وتخيل له موطئ قدم عليها.
إلى أن تراكمت كل هذه المخيلات الأدبية والشعرية والفنية والعلمية الجمعية، ابتداء برسومات الانسان البدائي المتخيلة على جدران الكهوف، والمحاولة الريادية للعالم العربي الأمازيغي عباس بن فرناس الطيران بأجنحة، وكفاح غاليليو لإثبات كروية الأرض، وعبقرية أينشتاين، التي أنجبت مع سواها من الاكتشافات المتتالية المذهلة ابنها العملاق جيمس ويب، ولا شك أن هذا النجاح والتفوق يعزى لمعجزة العقل البشري، الملهَم، والملِهم، الذي وُهب ساعة خلقه، أهم هبة أعانته على البقاء والمثابرة، وهي الخيال.
عن الخيال العلمي، يقول راي برادبري، وهو أديب وكاتب سيناريو أميركي شهير كتب في مجالات متنوعة من الأدب مثل الفانتازيا والخيال العلمي، من أبرز أعماله رواية فهرنهايت421: "أي شيء تحلم به هو خيال، وأي شيء تنجزه هو علم، وتاريخ البشرية كله ليس سوى خيال علمي".
وإذ تحفل العديد من دول العالم المتقدم بكتّاب الخيال العلمي، وتبحث عن المختلفين بينهم وتحتفي بهم، وتقيّم مخيلاتهم وتصنفها علميا وتستفيد من الجديد والمدهش بين أفكارهم لتراكمها معرفياً وتنتج منها ابتكارات فنية وتقنية وطبية جديدة، مازالت بعض الفئات البشرية حول العالم، من محدودي الأفق، تناهض أو ترفض أو تسخر من كل علم جديد ومدهش، وتؤكد أن الأرض مسطحة، وإنجاز جيمس ويب ليس أكثر من خدعة هوليوودية جديدة.

