الشخص الذي حاول قتل سلمان رشدي
يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته..  

منذ أيام تراجع الاهتمام نسبيا بمتابعة أخبار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها، المرتبطة أساسا بأزمة الطاقة والغذاء، بالابتعاد عن الأخبار ذات التأثيرات السلبية على الصحة النفسية والعقلية.

لقد فاض الناس بالملل والتبرم، خصوصا ونحن نعيش فصل الصيف والعطل. لكن الأخبار السيئة لم تتوقف عن ملاحقة الهاربين من صهد الحرارة والأسعار، وأتت هذه المرة في صيغة جريمة قتل معلن، أو محاولة قتل حدثت في غرب ولاية نيويورك، في محفل أدبي وثقافي أمام الكاميرات، مع خلفية تاريخية ترجع لأكثر من ثلاثة عقود، مسبوقة بالتحريض على القتل. لذلك ترددت أصداؤها عبر أركان العالم أجمع. 

رغم شناعته اشتمل الخبر على كل عناصر الإثارة والتشويق وأكثر. كأننا بصدد قراءة رواية من "السلسلة السوداء"، بل إنها قصة تصلح لإنتاج فيلم سينمائي قد يحقق بلا شك نجاحا جماهيريا مبهرا.  

تمر أمامنا على الشاشة مشاهد لحشود مدثرة بالسواد، تنزف منها الدماء، أناس منغمرون في عملية "جلد ذاتي" لأجسادهم بالسلاسل. يلوحون بالسيوف، وهم جاهزون للتضحية بأرواحهم.

إنه مشهد من إحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين.

يتناهى إلى الأسماع صوت جهوري قوي، يقول: 

"الدم شيء قليل على الحسين.. في سبيل الشفاعة يوم الورود".

ثم يظهر شاب يرتدي ملابس سوداء وبيده سلاح أبيض، يتقدم متحمسا نحو منصة يجلس بها أديب عالمي. يتابع الحضور خطوات الشاب السريعة، يظنونه واحدا من القراء المفتونين، جاء ليهدي كاتبه المفضل باقة ورود.

وأمام دهشة الجميع، تتناثر باقة الورود الحمراء وتتحول إلى دماء نازفة، لتملأ الشاشة بالدم الذي يسيل من جسد الكاتب المغدور على شكل كلمات وحروف وصفحات مخطوطات صارخة.

***

نعود إلى المشهد الأول، مشهد عاشوراء ورايات الحسين الداعية إلى ثأر قديم يرجع إلى أكثر من ألف سنة.

ثم تتصاعد أصوات نقرات الأجهزة الإلكترونية، وتلمع أضواء الكاميرات، في تسابق محموم لنقل حدث محاولة اغتيال الكاتب العالمي. هذا حدث يكسر رتابة الأخبار. تختلط صيحات ذعر الحاضرين في اللقاء الأدبي بضجات هدير مطابع الروتاتيف وهي تلفظ جرائد ورقية إيرانية، تتصدر صفحاتها الأولى تفاصيل الهجوم، بمانشيتات عريضة تهلل للانتقام التاريخي الذي تأخر (يمهل ولا يهمل)، وقد نال شرف تنفيذه شاب شيعي ولد بعد فتوى الإمام المبجل بتسع سنوات كاملة. 

نقرأ على شاشة كمبيوتر شخصي عبارة فيسبوكية مقتبسة من المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي: "إن الفتوى أطلقت كالرصاصة التي لن تهدأ حتى تصيب هدفها".
 وتغريدة أخرى، ظهرت في حساب خامنئي على تويتر في ثلاث سنوات، قال فيها: إن فتوى الخميني ضد سلمان رشدي كانت "صلبة وغير قابلة للنقض". 

*** 

تظهر صورة شيخ معمم بالأسود، يلوح بيده راسما على شفتيه نصف ابتسامة جوكندية، تؤطر وجهه النحيل لحية بيضاء أضفت على محياه شيئا من الهدوء والمهابة والجلال. لكن لما عمد أحد الأخصائيين في تقنية الصورة إلى حلق لحية الرجل، كشف لنا عن ملامح حادة ووجه ستاليني بالغ القساوة. 

تُسمع ضحكات فرح هيستيرية من مكان معتم، سرعان ما تطغى كلمات التكبير: "الله أكبر".
تمتلئ الشاشة بمانشيتات ومقالات باللغة الفارسية: 

"برافو لهذا الرجل الشجاع الواعي بالواجب الذي هاجم المرتد والفاسد سلمان رشدي في نيويورك". 

"لنقبل يدي من مزق رقبة عدو الله بالسكين". 

ويظهر الشاب الذي سعى لاقتطاف المجد الاستشهادي الموصل إلى باب الجنة من غير حساب.

تنتقل الكاميرا إلى غرفة بمركز جراحي في بنسلفانيا. لوحة حمراء كتب عليها "ممنوع الزيارة". ثم نشاهد آلات للتنفس الاصطناعي، مع سماع دقات قلب بطيئة للجريح، ما تلبث أن تنتظم، لتتحول إلى ما يشبه دقات طبول تقرع، تتبعها أصوات طائرات وقذائف صاروخية ومدفعية ولعلعة رصاص. دمار وعمليات اختطاف وذبح وقتل أطفال ونساء ورجال. إنها الحرب.. تتوالى مشاهدها من أفغانستان وسوريا وفلسطين والعراق وليبيا إلى مالي واليمن والصومال.. ومناطق أخرى غير محددة في العالم.

***

تنتقل بنا الكاميرا إلى غرفة تحقيق لشرطة "الإف. بي. أي." الأمريكية.

يقف الشاب المتهم أمام المحققين، يسألونه عن أسباب إقدامه على جريمته، فيدفع ببراءته..  

-  لكن هل أنا من أخذت بيدي سكينا وطعنت الكاتب؟ تسأله محققة.

يرد عليها على الفور:
 - إنها يد الله من قضت أمرها. و"كان أمر الله قدرا مقدورا". صدق الله العظيم.
يلتفت المحققون إلى بعضهم، يتبادلون الاستغراب.

يستغرب الشاب أكثر من ردة فعلهم، وقبل أن يتلقى سؤالا جديدا، يبادر هو بسؤالهم:
-  كيف لا تؤمنون بأنها يد الله، أتصدقون فقط اللاعب القصير الماكر.. عندما أخبركم أن هدفه سجل بيد الله، وكان هدفا مغشوشا...!! (هدف مارادونا بمرمى الانجليز، في كأس العالم لكرة القدم عام 1986).

يتساءل المحققون، هل هم إزاء متهم يتذاكى عليهم محاولا لعب لعبة المصاب بخلل عقلي.

يعيدون عليه طرح السؤال:
-  لماذا أقدمت على طعن الكاتب؟
-  لأنه ارتكب جريمة "آيات شيطانية".
-  ما الذي تؤاخذه على الكاتب في هذه الرواية؟
-  إنها رواية تافهة ومملة.. تدعو إلى الكفر. هذه هي الحقيقة.. رواية مسيئة لرسول ونبي الإسلام وللمسلمين كافة.
-  هل ممكن أن تدلنا على بعض مواطن التفاهة والملل في هذه الرواية.. رواية "آيات شيطانية"... حسب رأيك...؟
-  لا أستطيع.. لا أعرف..
-  غير معقول، كيف تقول هذا؟
-  لأني لم أقرأ الرواية، ولا اطلعت يوما على ما يكتبه صاحبها...
-  إذن من أين يأتيك الممل.. وكيف تحكم على قيمة كتاب وأنت لم يسبق لك أن قرأته؟
-  لأن الحكم الإلهي صدر.. وقد بلغه إلى العالم آية الله العظمى وروح الله الإمام الخميني... عليه رضوان الله وصلواته ورحمته الواسعة...
-  ألم يكن عليك على الأقل قراءة الرواية..؟!
-  لماذا تريدونني أن أفعل ذلك؟؟!! ثم إن قراءة كتاب كله إساءات شيطانية، يعد من المكروهات ومن مبطلات الوضوء...
يغادر المحققون القاعة، وقبل أن يغلقوا عليه بابها.. يقف الشاب يسألهم:
-  لكن، طمئنوني، هل لفظ الكافر أنفاسه؟ هل.. أم أنكم أنقذتموه لتمنحوه عمرا جديدا لاستكمال إساءاته الشيطانية؟؟  أريد أن أعرف حتى أستكمل التعاون معكم وإلا سأمتنع...
يخبرونه أنه تم إنقاذ الكاتب من موت.
يتطلع غير مصدق من خلف الزجاج المضبب لغرفة التحقيق. ثم ينخرط في نوبة بكاء..
يتوقف سائلا نفسه:
-  لماذا يا ترى أبكي الآن.. ألأني خائف..؟
يجيب نفسه:
-  حاشى لله.. أنا لست بخائف، ولكني أبكي فشلي.. فاتني أن أكون شهيدا وأن أنال جنة الرضوان... غفرانك يا رب.. لن تكون آخر إساءة لديننا ولرسولنا الكريم طالما أن الفتوى المقدسة لإمامنا المحبوب لم تنفذ.. إن إعدام الكافر المرتد سلمان رشدي هو العمل الذي سيوقف كل أعداء الإسلام الحاقدين من مرتكبي الرسوم الكاريكاتورية وحارقي المصحف الشريف، ومقترفي الأفلام المسيئة لسيد العالمين ولأمتة الإسلام العظيمة...
*** 
صوت الإمام الخميني يتلو فتوى إهدار دم سلمان رشدي من على أمواج إذاعة طهران، بتاريخ 14 فبراير- شباط 1989. 
ومشهد مزايدات في "بورصة الاستشهاد" بمضاعفة القيمةً الماليةً الكبيرةً المرصودة لمنفذ قتل سلمان رشدي. تجاوزت ثلاثة ملايين والنصف مليون دولار.
مظاهرات صاخبة في إيران والهند وباكستان وبنغلاديش... لمحتجين ضد سلمان رشدي، وضد الرسوم الدنماركية للرسول، وضد حرق المصحف..
ومشاهد اغتيال مترجمين أقدموا على نقل رواية "آيات شيطانية" إلى لغات أخرى..
***  
حوار في مقهى:
-  هل تابعت الضجة حول كتاب بعنوان "آيات شيطانية" لكاتب بريطاني من أصل مسلم؟
 - حاشى أن يكون الكاتب من أصل إسلامي ولا جرت في عروقه يوما دماء الإسلام.. لا شك أن الكتاب من تأليف شيطان وسوس للكاتب وأملى عليه ما يكتب... عليه اللعنة إلى يوم الدين..
-  لماذا تلعنه؟
-  لأنه كاتب لعين وابن زنى ولا يستحق أكثر من اللعن. 
-  هل قرأت الكتاب؟ 
-  كلا! بل سمعت عنه!
***
تتجول بنا الكاميرا في مناطق من شرق المتوسط وشمال إفريقيا. 
نشاهد صورا متلاحقة لمفكرين ومناضلين بارزين، من مشرق البلاد العربية إلى مغربها، جميعهم غدر بهم على يد حراس دين الله...
(حسين مروة، حسن حمدان "مهدي عامل"، فرج فودة، عمر بنجلون، صبحي الصالح، جورج حاوي، سمير قصير، شكري بلعيد، محمد الابراهيمي، ناهض حتر، علاء مشذوب، لقمان سليم...)...
 واللائحة مفتوحة على مزيد من الغدر والدم باسم الله...
*** 
مشاهد متسارعة لحركة إقبال عالمية واسعة على اقتناء أعمال سلمان رشدي، وتحميل روايته "آيات شيطانية" من محركات البحث بالانترنيت. 
ولقطة قديمة لسلمان رشدي يقول فيها: 
"شكرا سيدي الإمام الجليل آية الله الخميني، فقد أوصلتني إلى مكانة وشهرة لم أكن أحلم بهما في يوم من الأيام، لك الفضل الأول والأخير بهما، وأنا مدين لك طوال عمري".
***
خبر مراسل تلفزيوني: إن سلمان رشدي تم رفعه عن جهاز التنفس الصناعي، وهو الآن يستطيع التحدث، بل إنه أطلق مزحة وهزء..
وعلى شريط الأخبار أسفل الشاشة نقرأ:
إحياء مفاوضات الاتفاق النووي بين الغرب وإيران.
 ثم على شاشة ثانية نرى صور ابتسامات ضاحكة من أعضاء الوفد الإيراني، كما لو أنها تستجيب لنكتة سلمان رشدي الجريح...
تصريح لمتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بشأن مسودة الاتفاق النووي: "نحن في مرحلة متقدمة من المفاوضات والتوصل لاتفاق يرتبط بتحقيق مطالبنا".
***   
مصري يغني على إيقاع موسيقى الراب:
(فى زمن الردة و البهتان../ اكتب ما شئت ولا تخجل فالكفر مباح .. يا سلمان/ فزمان الردة نعرفه/ زمن المعصية بلا غفران/ إن ضل القلب فلا تعجب أن يسكن فيه الشيطان..
(...)
فاكفر ما شئت ولا تخجل/ ميعادك آتٍ يا سلمان/ دع باب المسجد يا زنديق/ وقم واسكر بين الأوثان/ سيجيئك صوت أبى بكر/ ويصيح بخالد: قم واقطع رأس الشيطان..
 اقطع.. اقطع 
رأس
الشيطاااان...
ميعادك آتٍ يا سلمان...
***
سماء رمادية كلها أدخنة.. صوت حشرجة تخنق قتيلا... ومشهد عام لأنابيب غاز وبراميل نفط مليانة بالدم.
 لاشيء غير الدم.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!