العراق إلى أين؟
العراق إلى أين؟

كان أستاذنا عالم الاجتماع السياسي فالح عبد الجبار (ت 2018) يقول: إن الفساد في العراق لم يعد يحتاج إلى تقارير ووثائق وأدلة وبراهين، لأنَّ كل مفصل من مفاصل الحياة العامة تؤشر لك حجم الفساد في البلد، حتى يمكن أن تشم رائحة الفساد في هواء العراق!

ولكن، على الرغم من الفساد الذي ينعكس في مظاهر الخراب الذي نعيشه في هذا البلد، فقد عدَّ الكثير مِن الصحفيين والنخبويين والإعلاميين استقالة وزير المالية الدكتور علي عبد الأمير علاوي التي جاءت في 10 صفحات، بأنّها وثيقة تثبت فساد النظام السياسي وفشل الحكومة في محاربة الفساد!

المفارقة في الموضوع، كأنّما الكثير من العراقيين كانوا ينتظرون من شخصيات حكومية وسياسية الاعتراف بالفساد والفوضى، حتى يعتمدون مثل هذا الاعتراف كوثيقة إدانة في محاجاتهم، أكثر من اهتمامهم بكيفية التحول إلى المحاسبة والمسائلة لهذه النخب السياسية التي تتولى المناصب وتشارك في فساد منظومة الحكم، ومن ثمَّ تريد التنكّر لمشاركتها في خطابات إنشائية ليس لها أيّ قيمة قانونية أو سياسية!

السيد علاوي يُعد من أهم شخصيات النظام السياسي الذي تشكّل بعد 2003، فهو وزير التجارة في حكومة مجلس الحكم المؤقت، ووزير الدفاع في الحكومة المؤقتة 2004، ونائب في الجمعية الوطنية عن الائتلاف الوطني عام 2005، ووزير المالية في الحكومة الانتقالية 2005، وأخيراً وزير المالية في حكومة الكاظمي! كلّ هذه المناصب وفي الأيام الأخيرة المتبقية من عمر حكومة تصريف الأعمال، اكتشف السيد علاوي أنَّ الدولة في العراق، هي دولة (الزومبي)!

يقول علاوي في استقالته: "على عكس البشر، لا تموت الدول بشكل نهائي، ويمكن أن تبقى دولة (الزومبي) لسنوات بل حتّى لعقود قبل أن يتم دفنهم، أعتقد أن الدولة العراقية التي ولدت بعد غزو 2003 تظهر عليها علامات مرض عضال... دستورنا بالغالب غير عملي ويتم إهماله بانتظام ونظامنا السياسي يولد الجمود والانسداد. الحساب والعقاب لا يشمل الزعامات الكبيرة ويتم استغلال موارد الدولة بشكل غير فعّال ومهدر أو يساء استخدامها أو تتم سرقتها، ولا أحد يحاسب على الكوارث التي حلّت بهذه البلاد".

لا أريد النقاش بشأن نوايا الوزير علاوي من كتابة هذه الاستقالة المطولة التي تدينه أكثر مما تبرءه، على عكس ما يريد منها أن تكون بمثابة صك غفران من خطيئة مشاركته في حكومة الكاظمي ووثيقة إدانة للنظام والمنظومة السلطوية. ونقد الفساد وفشل منظومة الحكم لم يكن مشخصاً من قبل السيد الوزير قبل مشاركته في الحكومة الأخيرة، وإنما شخصه في أكثر من مناسبة أهمها، رفضه الترشيح لمنصب وزير المالية في حكومة حيدر العبادي 2016!

في لقاءه مع البي بي سي البريطانية في 8-8-2016 في برنامج بلا قيود، يعلّق علاوي على سبب رفضه ذلك الترشيح قائلاً: "سحبت الترشيح لأنه بصراحة لم أجد أي جدية للإصلاح، ولا إمكانية للإصلاح في ظل التركيبة السياسية الحاكمة في العراق." ووصف النظام السياسي في العراق بـ"المتصلّب، وهناك علاقة توحد الأطراف السياسية المتناقضة ظاهراً، لكنها في الحقيقة تعمل على وفق تنسيق فيما بينهم لحماية بعضهم الآخر، كلّ طرف يحمي الآخر للاستمرار في عملية نهب وسلب البلد لمصلحتهم الخاصة ومصلحة أحزابهم. هذه التركيبة جذورها عميقة، أنا غير مستعد للعمل مع أطراف همجية إرهابية لتغيير هذه المنظومة"!

وفي 2017، كتب علاوي في وثيقة المانيفيستو بأنَّ الفوضى السياسية والتشظي تسود العراق، وشخّص واقع الدولة بعد 2003، بالقول: "لا تزال الأعمال الشنيعة التي كانت الدولة ترتكبها تُرتكَب اليوم من قبل مجاميع غير مرتبطة بالدولة وإرهابيين، وعصابات الجريمة المنظمة، ومجاميع عسكرية خارجة عن سيطرة الدولة". في حين، عام 2020، قبل الدكتور علاوي العمل في حكومةٍ أتت نتيجة لتوافق إرادات القوى السياسية الشريكة في تأسيس الفوضى والخراب الذي كان يتحدث عنه سابقاً، وبتحالف مع جماعات تملك السلاح المنفلت وتفرض سيطرتها على الدولة! واستمر في العمل بها، ولم يعترض أو يقدم استقالته عندما باتت مجموعات مسلحة تطوّق مقر الحكومة وتستعرض بأسلحتها داخل المنطقة الخضراء وتهين رمزية الحكومة وسيادة الدولة!

وفي وثيقة المانيفيستو يشرح التحديات العشرين التي تواجه الدولة في العراق، وحدد التحدي التاسع بالفساد، وإذا لم يتم السيطرة عليه "فإنَّ الفساد سيدمّر في نهاية الأمر الرؤية المستقبلية لإحياء البلد"! ولكنه على مدى السنتَين في منصب وزارة المالية لم تظهر لتنظيراته في محاربة الفساد أيّ أثر على المجال العام، بل على العكس فشل في أيقاف أهم منفذ للفساد -باعتراف رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي-! وإن مزاد العملة الذي لم يتطرّق إليه في استقالته، ولم تتمكن ورقته الإصلاحية البيضاء من وضع حدّ لمنفذ الفساد هذا! ارتفعت مبيعات البنك المركزي بنسبة 20% عن العام الماضي!

وفي نصّ استقالته، يريد علاوي التهرب من مسؤولية المشاركة في حكومةٍ كانت بمثابة محطّة استراحة للقوى السياسية التي عجزت عن مواجهة احتجاجات تشرين إلا بالقتل والتخوين، وأتت حكومة الكاظمي لتنقذ هذه المنظومة وتكون مهمتها الحفاظ على مكتسبات السيطرة على موارد الدولة، وضمان إدارة مصالحها في هذا النظام السياسي. وفي نهاية ولايتها يعترف علاوي بأنّه شارك في حكومةٍ "لم تنجح في ضبط الفساد ثم الحدّ منه. الفساد وحش متعدد الرؤوس وقد حفر في السنوات العشرين الماضية جذوراً عميقةً في البلاد. لا يمكن السيطرة عليه فضلاً عن اقتلاع جذوره إذا لم تكن هناك إرادة سياسية وإجماع على القيام بذلك، إذ لا يزال الفساد مستشرياً ومنهكاً وواسع الانتشار".

لم نعد بحاجة إلى تشخيص الفساد وتوصيفه من قبل شخصيات سياسية كانت شريكة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، في إدارة منظومة الفساد، وشرعنوا نهب موارد الدولة التي أصبحت بمثابة منجم ذهب تتسابق المافيات والعصابات على نهب أكبر قدر منه. وإنما نحن بحاجة إلى التفكير في كيفية الانتقال من التشخيص واللوم إلى المحاسبة. فالفساد في العراق أصبح هو الرئة التي تتنفس منها الطبقة السياسية الحاكمة، وهو بمثابة جهاز التنفس الاصطناعي الذي يُبقي هذا النظام السياسي الفاشل على قيد الحياة؛ لأنَّ من دون الاتفاق على تقاسم موارد الدولة لا يوجد ما يمكن أن تتفق عليه الفرقاء السياسيين! والرغبة بعدم خسارة مكاسبهم غير الشرعية هي من تجعلهم يتوافقون على بقاء هذا النظام حتّى وإن أثبت فشله في تجاوز الأزمات وعجزه عن الاستجابة لمتطلّبات الجمهور.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.