الفتوى ضد رشدي صدرت بعد "تجرع الخميني للسمّ" عند انهاء الحرب مع العراق
الفتوى ضد رشدي صدرت بعد "تجرع الخميني للسمّ" عند انهاء الحرب مع العراق

نحن موتى وشرُّ ما ابتدع الطغْ    يانُ موتى على الدروب تسيرُ

كان هذا حال الروائي سلمان رشدي.
بحسب الصحافي مارتن تشولوف في الغارديان، يتراوح وضع الإيرانيين بين المديح والقلق، حيث أشاد بعض المواطنين بالطعن الوحشي، بينما ادعى آخرون أنه مس بحرية التعبير، وآخرون خافوا من مزيد من العزلة لإيران. وزعم العديد من كبار المسؤولين أن ذلك كان مؤامرة للإضرار بصورة إيران العالمية، مع ربط الحادث بالمحادثات النووية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران على أنها السبب في ذلك الاعتداء بهدف عرقلتها. وإذا كان ثمة من ربط بالنووي، فالأرجح انها رسالة تتقصد منها إيران إظهار نديتها وعدم خضوعها للأميركيين؛ فالفتوى ضد رشدي صدرت بعد "تجرع الخميني للسمّ" عند انهاء الحرب مع العراق.

في العالم العربي الاسلامي عموماً، وخصوصاً في البلدان التي تهيمن عليها إيران لم يجرؤ، الكثيرون على إعلان إدانتهم، بينما اندفع كثيرون للدفاع عن مهاجم رشدي، ووصل الأمر بالبعض لهدر دم ديما صادق التي تجرأت ووضعت تحت صورة الملالي عنوان الرواية "آيات شيطانية". وأهدر دم الصحافي حسن شعبان لأنه صوّر مظاهرات تعترض على انقطاع المياه في الجنوب.

كنا قد غفلنا عن هذه الفتوى، التي أصدرها الخميني بحق رشدي عن كتابه "آيات شيطانية" منذ 3 عقود، بالرغم من أن خامنئي أثارها مجدداً عام 2019. مع الاشارة ان آراء النقاد متفاوتة حول جودة الكتاب، وشهرته نتجت أساساً عن الفتوى نفسها. ثم من كان يتابع أخبار رشدي مؤخراً أو يهتم به سوى دوائر أدبية معينة؟  

فإذا كان هدف القتل القضاء على أفكار الرجل، فهي محاولة بائسة لأن المعلومات تشير أن محاولة الاغتيال أشعلت الطلب على الكتاب أكثر من قبل، وشكلت أفضل دعاية لترويجه مجدداً، وافتتحت حملة غربية ضد ظلامية الإسلام والمسلمين، وسمحت لمسؤولة أميركية اعتبار ما ينطق به رشدي "الحق بعينه"؟

لكن ربما هذا هو المقصود، إثارة الحماسة والتعصب الدينيين لقمع حرية التعبير نظراً لأن بوادر التململ من حكم رجال الدين تتصاعد في مناطق الهيمنة الإيرانية. فجاءت ردود الفعل المحلية تفيد بنجاعة ذلك، وبدل أن يغضب اللبناني لوضعه المزري وجه غضبه نحو من "يمسّ" بمقدساته!!

يطرح كل هذا سؤال الرقابة، وخصوصاً الرقابة الدينية على الإبداع. فكيف يمكن أن نقتل أحداً من أجل كلمات أو افكار في رواية خيالية بدل مقارعتها؟

الرقابة على الكتب وجدت على مرّ العصور. فالتاريخ يحفل بالكتب الممنوعة التي عرّضت مؤلفيها للسجن أو للنفي أو للموت. الموت حرقاً كان من نصيب Giordano bruno الذي اعتمد على نظرية كوبرنيك لكي يبرهن فلسفياً، على ما بينته صور تلسكوب جيمس ويب، عن لا نهائية الكون واحتوائه أعداداً لا تحصى من العوالم. كُتب غاليليو منعت، وسجن في منزله حتى موته.

آلاف الكتب أحرقت وأتلفت أو منعت بواسطة الرقابة وأُعدمت أفكار وعُطّلت طاقات خلاقة في معظم المجتمعات. هناك كتب اختفت آثارها تماما وأخرى ما زالت الأيدي تتناقلها في السر. كتب ملعونة تشكل قراءتها اعتداء على المقدسات، كالكتب الملحدة والفلسفية وكتب السحر أحيانا أو كتب الصوفية، والمتعلقة بالجنس. الكنيسة تخلت عن هذه الرقابة القاتلة في زمن ثورة الاتصالات واكتشفت أن الكتابات لا تؤثر على إيمان المسيحيين. وبقي مجد القتل لوكلاء الله الجدد.

كثر ماتوا كضحايا للرقابة القاتلة، لكن كتبهم بقيت. علام إذن قتلهم طالما أن أفكارهم ستعيش من بعدهم وتقاوم القتل؟

قد يجعلنا ذلك نعتقد أن علمانية مجتمع ما قد تخلصه من هذه الممارسة، أبداً: "يظل منع المنع" حلما غير متحقق. في الاتحاد السوفييتي السابق مُنع ديكارت وفرويد. ومن يقتني كتاباً ممنوعاً كان يتعرض للغولاغ. في السنوات السبعين حاول الجنرالات اليونانيون، مع "علمانيتهم"، منع الإضرابات والميني-جوب فانتهوا إلى منع سوفوكل واوربيد واريسطوفان.. أي أساس الثقافة اليونانية نفسها.

في السبعينيات اللبنانية استفقنا على منع كتاب صادق جلال العظم: "نقد الفكر الديني"، وأثار ضجة تسببت في شهرة صاحبه أكثر مما أسهمت في قمع أفكاره ومنعت رواية لليلى بعلبكي.

لكن المشكلة في بلادنا أن الرقابة لا تُمارس من طرف السلطات الدينية أو الرسمية فقط، بل من قبل المجتمع الأهلي أيضا ومن الجماعات الأصولية. فلقد قتل فرج فودة عام 1992، وتعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال في العام 1994، ولم تشفع له جائزة نوبل الذي حصل عليها في العام 1988، بل ربما أسهمت في حضّ الجاهل الذي لم يقرأه على الاعتداء.

أما الاغتيالات التي عرفها لبنان، والتي قد تكون من أعلى نسب الاغتيالات في العالم مقارنة بعدد السكان، فلا تعد ولا تحصى. ومعظمها يتعلق بالكتابات والأفكار والمواقف السياسية. فعدا عن حسين مروة ومهدي عامل، اغتيل ايضاً مصطفى جحا عام 1992، بسبب كتاباته، بعد فتوى تكفيرية صدرت عن المحكمة الجعفرية. وآخر عنقود الاغتيالات المثقف والمناضل لقمان سليم.

يبرهن الموقف العام الفاتر تجاه الاغتيالات في بلادنا، على قلة المبالاة بأفعال القتل الشائعة بسبب ما يسميه نوتوهارا صاحب كتاب العرب بعيون يابانية "هيمنة فكرة النمط الواحد"، على غرار الحاكم الواحد والزعيم الواحد والقائد الواحد. فمن هنا نلاحظ أن الناس يوحدون أشكال ملابسهم وسلوكهم وآرائهم. في مثل هذا النمط تذوب الفروق الفردية وتتدنى استقلالية الفرد وخصوصيته وإمكانية اختلافه عن الآخرين، وتحل الجماعة، المهيمنة المتشابهة والممتثلة للنظام السائد في الاعتقاد وفي السياسة وفي العادات اليومية، محل الفرد. فينتج عن ذلك خوف الابتعاد عن الآراء الجماعية السائدة والمواقف الجامدة التي تتبناها.

والقتل يجد له تبريراً إيديولوجياً في الكثير من الحالات، فيجعل من القتيل إما عميلاً أو خائناً أو خارجاً عن الدين وملحداً يجب القضاء عليه لعبثه بمقدسات الأمة وقضاياها. تسود عندها ثقافة الخوف. الخوف من إدانة الجريمة ومن التعاطف مع القتيل لأن ذلك يجعل من المُتضامن شريكاً في الجرم الموجّه إلى الضحية وتصبح أصابع الاتهام موجّهة إليه أيضاً.

لا تزال الغالبية بعيدة عن إطار الاعتراف المتبادل مع الاحتفاظ بحق الاختلاف والبحث عما هو مشترك والدفاع عن حرية التعبير والحق في التواجد سوياً. فكل رأي هو اجتهاد قابل للموافقة أو المعارضة وليس للاجتثاث أو العدوان أو الاقصاء.

ملاحظة أخيرة:
لفتني مقال الصديق المفكر الإسلامي رضوان السيد في أساس ميديا، المرتبك والمليء بالتناقضات، الذي لا يدين فتوى القتل بل يجدها فقط غير حكيمة!! كما سبق له واعتبر إرهابيي داعش مجرد "منشقين" عن الإسلام.

يتساهل رضوان السيد مع القتل للدفاع عن صورة الإسلام!! ويرتبك تجاه الرد على الكلمات بحدّ السيف!! مع أنه يبرهن لنا أن رواية رشدي التاريخية مغلوطة وهي تخييل مبالغ فيه، وإنه كتبها ليحرر نفسه من أصوله الإسلامية، كما سبق وحررها من وطأة الاستعمار الغربي في رواياته السابقة. وإن نماذج هذه الرواية التي لم يقرأها أكثر من 10 آلاف مسلم، والتي تتصدى لعقائد دين معين عديمة التأثير على المتدينين: "مهما كان الكاتب كبيراً تبقى غير مؤثّرة بتاتاً في جمهور ذلك الدين، بعكس ما زعم صادق جلال العظم وسلمان رشدي نفسه"!!

من أين أتى بقلة صبره: "من غير الممكن الصبر الدائم على تلقّي اللطمات من جهاتٍ مختلفة دونما إمكانيّةٍ للردّ أو الدفاع"! ما دامت الفتوى نفسها هي التي شهرت الكاتب وخدمته، وجعلت من الرواية بست سيلر في حينه، ومرة ثانية الآن؟ 

أليس من المرجح أن المسألة كلها في الغالب، ألاعيب سياسية لأنظمة محشورة تريد إلهاء جمهور مغلوب على أمره وجد من يتمرجل عليه؟

ثم ما رأي السيد بهدر دم الصحافية ديما صادق والمصور حسن شعبان الشيعيان الجنوبيان من قبل اتباع صاحب "الفتوى غير الحكيمة"؟؟

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!