سياح يسيرون قرب تمثال يجسد الفيلسوف أرسطو في اليونان
سياح يسيرون قرب تمثال يجسد الفيلسوف أرسطو في اليونان

حاول الفيلسوف اليوناني العظيم، أرسطو، فَرْزَ المجتمعات القديمة على أساس المكانة التي تحتلها "الحرية" فيها.

فعنده، هناك مجتمعات جمعانية، بحيث تكون مجتمعات عبودية، باستثناء فرد فيها، هو  وحده الحر، الذي يتمتع بالحرية الكاملة. كما أن هناك مجتمعات عبودية تكون الحرية فيها من نصيب القلة القليلة من أفرادها، أولئك الذين يتمتعون، كأسياد أو متنفذين، بنصيب كبير من الحرية مقارنة ببقية الناس. وهناك في الأخير مجتمعات حرّة، يكون فيها الجميع أحرارا على قدم المساواة، ومثالها، في تقريره، هو المجتمع الغربي آنذاك: اليوناني. 

عندما كان أرسطو يُحَلِّل المجتمعاتِ السائدةَ في عصره على أساس مبدأ الحرية، كان يقارب هذا المبدأ بوصفه جوهر المبدأ الإنساني ذاته. أي أن المجتمعات الأكثر توهجا بالحرية الفردية هي أكثر المجتمعات إنسانية. والعكس صحيح، فعندما يكون المجتمعُ مجتمعَ عبودية باستثناء فرد واحد، فهو المجتمع الذي تم تصفيره إنسانيا. ومن المعلوم أن أرسطو مَثَّل لهذا المجتمع المفرغ إنسانيا بالمجتمع الشرقي القديم.  

على الدوام، كان ثمة انزعاج شرقي من هذا، منذ 2300 عام تقريبا، ومفكرو الشرق يُحَاولون دفعَ هذا الكلام بأنه انحياز أرسطو لقوميته أو لجغرافيته، وأنه تعميم قاصر عن الاستقراء، وأنه تمركز عنصري حول الذات...إلخ، المحاولات اليائسة التي كانت، ولا تزال حتى اليوم، تتغيا نقضَ ما قاله الفيلسوف العظيم، أو  في أقل الأحوال، تحاول الالتفاف عليه بشواهد ثانوية وعابرة، وبتأويلات ليس لها من الحقيقة إلا براعة الشغب المعرفي ذي الطابع الدفاعي. 

للأسف، الحقيقة مؤلمة. فقد شهدت المجتمعات التي نشأت وازدهرت في الشرق على امتداد القرون التالية لكلام أرسطو، أن ما قاله الفيلسوف الغربي عن العالم الشرقي كان حقا في المجمل.

فعلى مدى ثلاثة وعشرين قرنا، وعلى امتداد جغرافيا الشرق الواسع المتنوعة، لم تستطع إمبراطورية شرقية واحدة، بل ولا مجتمع شرقي واحد (أي مجتمع متماسك يعكس وحدة ثقافية) أن يُقرِّر، ثقافةً وقانوناً، حرياتِ الأفراد ولو بالحد الأدنى لما توفّر للمجتمع اليوناني آنذاك، فضلا عن الحد المتوفر للغربي اللاحق الذي يُعَدّ امتدادا طبيعيا (جغرافيا وعرقيا وثقافيا بالدرجة الكافية لتحقق النَّسَب الحضاري) للمجتمع اليوناني أو الغربي القديم.

ربما يُحَاول المعترضون على كلامي هذا الاستشهاد بتيارات تحرّرية ظهرت في الشرق (وعلى الأرجح، وفي معظم الأحوال، بتأثير غربي آنذاك)، وأكدت، بصورة ما، على بعض محاور الحرية الفردية. لكن، تبقى الحقيقة تؤكد أن ما أُنْجِز في هذا المجال كان باهتا في عمومه.

ثم يبقى أن ما هو لامع ومبدع لا يصدر عن جوهر الثقافة، بل ولا عن تيار أصيل فيها، بل هو فردي، ومنقطع، و، في النهاية، محاصر بـ"دوائر ثقافية وواقعية" ذات طابع جمعاني كلي تُقْصِي الفردَ لصالح المجموع أو لصالح فرد واحد يختصر، أو يهتصر، بحريته اللاَّمحدودة كلَّ صور الحرية الطبيعية (الطبيعية، وبالتالي، المستحقة أصالة، بصرف النظر عن الظروف والسياقات) للأفراد. 

لهذا، بقيت الخيارات الجماهيرية، خاصة الخيارات التي تعكس توجّهاً ثقافيا عميقا أو عريقا، مُنْحَازةً ضدَّ مسارات الحرية الفردية لصالح أوهام الحرية الجمعانية التي تلغي حقائق الحرية. ما يعني أنها منحازة ضد ذاتها، شعرت بذلك أم لم تشعر، لأن الانصهار الروحي والعقلي للفرد في الجماعة، لا يعني إلا تلاشي الفرد بالكامل، وانعدام وجوده حقيقة.

ومن ثَمَّ، وبالضرورة، تَحلّل الجماعة وتلاشيها وانعدامها في نهاية المطاف، مع أنها هي الجماعة ذاتها التي قُدِّمَ الفَردُ قُرْبانا لبقائها، أو، بتعبير أدق، قُدِّمت حريته قربانا لتماسكها وصمودها الموهوم.  

إن الأساطيرَ والرموزَ والتواريخَ والسِّيَرَ والزعامات التي تعشقها جماهير الشرقيين، تعشقها منذ القديم وإلى اليوم، هي تلك التي تنضح دلالاتها، المباشرة وغير المباشرة، بتقديس النَّفَس الجمعاني الذي يمحو الفردانية بالكامل، ويؤكد على هذا المحو عندما يَحضر ويُسْتَحضر بوصفه المثل الأعلى والأزلي للوجود ذاته، أو، بصورة أقل تجريدا، بوصفه طوقَ النجاة الذي يحمي الجماعة من طوارق الليل والنهار ومن كيد الأشرار.  

هل تعكس هذه الاستجابة ذات النَّفَس الجمعاني، بفعاليتها العالية والمتواصلة، مِزَاجاً شرقيا عاما يستهين بالفرد ويَزدَرِي الفردانية، في الوقت الذي يُقَدِّس فيه الجماعة (الجماعة كمفهوم موهوم وليس كأفراد وقائعيين)، بحيث يمكن تغيير المزاج بِتدرّجات تربوية طويلة الأمد، أم الأمر تحوّل إلى ظاهرة "عِرْق ثقافي" راسخ، يصعب تغييره إلا بتحويرات ثقافية جذرية تَتساوق مع تعديلات جِينِيّة (الانفتاح على التناسل مع الأعراق الأخرى مثلا)، بحيث ينشأ خلقٌ آخر لا يمت إلى المجتمعات الشرقية الراهنة إلا بأوهن الصلات، وربما لا يمت إليه بشيء ذي بال؟ 

في تصوري أن الأمر مزيج من هذا وذاك، على اختلاف في بعض السياقات التي قد يكون بعضها أكثر مرونة من الآخر. ما يعني أن إجراء متغيرات ذات طابع تحرري على قاعدة الفردانية، ليس بالأمر اليسير، ولا بالمتوقع أن تأتي نتائجه المأمولة في المستقبل المنظور.

ولكنه، في الوقت ذاته، ليس بالمستحيل؛ بحيث يصبح رفض العربي لتحرّره (في صورة الفرد الحر) قدرا لازما، ما بقي بالهُوية ذاتها: عِرْقاً وثقافةً وجغرافيا، ولا فكاك له منه إلا بالخروج الكامل من كل ذلك جملة وتفصيلا.  

إن الوعي بالحرية (في صورتها المُتَحقِّقة: الفردية) والسعي في مسارات تحققها ليس ترفا إنسانيا، بل هو شرط جوهري للتحقق الإنساني ذاته، التحقق الذي يجد اكتمال معناه في تجاوز الإكراه بنوعيه: مُحَدّدات الطبيعي، وضروريات الغرائزي.

فبتجاوزهما النسبي ينعتق المرء بذات المقدار أو النّسْبة من حَدِّه الطبيعي أو المادي ومن أصله الحيواني، في رحلة ارتقاءٍ تكاملية، هي ذاتها رحلة الاختيار الحر، رحلة تحقق الإرادة الحرة بوصفها الوجه الآخر لجبرية الأقدار.  

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.