يحتفل الأوكرانيون يوم الأربعاء في الرابع والعشرين من أغسطس بعيد استقلالهم، الذي يصادف مرور 6 أشهر على بدء الغزو الروسي لبلادهم والذي أدى الى ارتجاجات سياسية وعسكرية واقتصادية غيّرت أوكرانيا وروسيا والتوازن الاستراتيجي بين روسيا والغرب، والذي انسحبت مضاعفاته على اقتصاديات العالم وخاصة في القارتين الأفريقية والآسيوية.
بعد 6 أشهر من القتال الشرس وخاصة في شرق وجنوب أوكرانيا لا توجد هناك أي مؤشرات بأن الحرب تقترب من نهايتها، وإن كان القتال يشرف على دخول مرحلة جديدة مع اقتراب القوات الأوكرانية التي قامت بسلسلة من المبادرات العسكرية الناجحة في الأسابيع الماضية أوصلت الحرب إلى عمق الأراضي التي تحتلها روسيا في أوكرانيا، من شنّ هجوم مضاد لتحرير مدينة خيرسون الجنوبية ومحيطها.
الطموحات الأولية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو الأصح التمنيات الأولية، تحطمت خلال الأسابيع الأولى للغزو حين أحبطت المقاومة الأوكرانية الفعّالة الهجوم الروسي البري الواسع وأوقفت زحف الدبابات الروسية باتجاه العاصمة كييف، ومدينة خاركيف الهامة في الشمال والهادف إلى صعق الدفاعات الأوكرانية وإرغام الرئيس فولوديمير زيلينسكي وحكومته على الهروب من العاصمة كييف ما يوفر لموسكو فرصة فرض حكومة عميلة لها تقبل بأن تدور في المستقبل في الفلك الروسي.
هذه كانت المرحلة الأولى والكارثية لموسكو والتي انتهت حين أعلنت روسيا أنها ستنقل هجماتها العسكرية إلى شرق وجنوب أوكرانيا لاحتلال كامل منطقة الدونباس في شرق البلاد والتقدم في الجنوب لخلق جسر بري بين روسيا وشبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا في 2014 وضمتها إليها لاحقا.
المرحلة الثانية من القتال لا تزال مستمرة، بعد أن حققت روسيا بعض النجاحات العسكرية من بينها احتلال كامل مقاطعة لوغانسك، ونصف مقاطعة دونيتسك في الدونباس ومدينة خيرسون ومحيطها في الجنوب ونصف مقاطعة زابوريجيا بما في ذلك احتلال أكبر مفاعل نووي في أوروبا. ولكن في الشهرين الماضيين لم تحرز القوات الروسية أي تقدم بري ملحوظ وتحول القتال إلى حرب استنزاف تتخلله هجمات أوكرانيا في شبه جزيرة القرم من بينها استهداف مطار عسكري وتدمير 9 طائرات في مرابضها، إضافة إلى تدمير مخازن للذخيرة والأسلحة في عمليات خاصة.
وتبين طبيعة العمليات العسكرية الأوكرانية الأخيرة، وطبيعة الإمدادات العسكرية الأميركية الجديدة لأوكرانيا، (حزمة أعلن عنها في الأسبوع الماضي بقيمة 775 مليون دولار) بما فيها عربات مسلحة مصممة لتفجير حقول الألغام تمهيدا لاقتحامها من قبل الدبابات والقوات البرية، ومسيرات متطورة من طراز ScanEagle مصممة لتوجيه القصف الدقيق للصواريخ والمدفعية لأهدافها، والصواريخ المضادة للدبابات والمدافع الثقيلة البعيدة المدى، أن أوكرانيا تعد لهجوم مضاد لتحرير مدينة خيرسون ومحيطها. هذا الهجوم المضاد سوف يشكل بداية المرحلة الثالثة في الحرب. وإذا حققت القوات الاوكرانية هذا الهدف، ولم تجازف بمحاولة تحقيق أهداف طموحة أكثر أو غير واقعية، فإنها ستعزز من تفوقها التكتيكي وربما إحباط الهدف الروسي السياسي الذي يسعى بوتين إلى تحقيقه في المستقبل القريب، أي ضم هذه المناطق الجغرافية الأربع إلى روسيا.
انطلاقا من هذه الخلفية تكتسب الأشهر الأربعة المقبلة أهمية خاصة لأن روسيا وأوكرانيا هما في سباق مع الزمن.. روسيا تريد أن تفرض واقعا عسكريا وسياسيا قبل بداية الشتاء المقبل يرغم أوكرانيا على التسليم بأن الاحتلال الروسي باق، وأوكرانيا تريد إرغام روسيا على تغيير استراتيجيتها كما فعلت بعد أن أحبطت المرحلة الأولى من الغزو الروسي.
الرئيس بوتين يعّول على فصل الشتاء وبرده القاسي الذي سيعاني منه الأوروبيون هذه السنة أكثر من السنوات الماضية بسبب وقف إمدادات الغاز الطبيعي الروسي، الأمر الذي سيرغم دول أوروبية على تقنين الطاقة الكهربائية، كما أن مرور الزمن سوف يضعف من تأييد الرأي العام الأوروبي للاستمرار في توفير الدعم المادي والعسكري لأوكرانيا، خاصة وأن هذا الدعم سوف يستنزف الاحتياط العسكري لهذه الدول ويؤثر سلبا على موازين المدفوعات فيها. وجاء في استطلاع للرأي أجري في 10 دول أوروبية في شهر مايو الماضي أن 42 في المئة من المشاركين فيه قالوا إن دولهم تولي الحرب في أوكرانيا اهتماما أكثر من اهتمامها بمشاكلهم.
ويرى بعض المحللين أن الرئيس بوتين قد يربح حرب الطاقة الدائرة بينه وبين الدول الأوروبية، لأنه قادر على حرمانها من إمدادات الغاز وذلك في الوقت الذي يواصل فيه بيعها النفط الروسي لمواصلة تمويل حربه في أوكرانيا. ما هو مؤكد أن أسعار الغاز والنفط والطاقة الكهربائية في أوروبا سوف تزداد بمعدلات غير مسبوقة في فصل الشتاء. الرئيس بوتين يريد أن يستخدم الشتاء وبرده القاسي ضد ما يعتبره مع وسائل إعلامه الهجمة الأوروبية-الأميركية الجديدة لإخضاع روسيا، كما فعل أسلافه ضد جيوش نابليون في القرن التاسع عشر وجيوش هتلر في القرن العشرين.
أوكرانيا، ومعها الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين بالطبع يدركون أهداف بوتين، ولذلك يستمر الدعم العسكري الغربي، وبالتحديد الأميركي لأوكرانيا لا بل تزداد وتيرته سرعة لإحباط أهداف بوتين العسكرية، واستغلال ضعف الاقتصاد الروسي في تمويل الحرب، وإخفاق روسيا في تعويض خسائرها العسكرية الضخمة في المستقبل القريب. وجاء في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" هذا الشهر أن الاستخبارات الغربية تقدّر خسائر العسكريين الروس بين 45 و75 ألف بين قتيل وجريح، وأن خسائر روسيا من المعدات العسكرية قد وصلت إلى 5 آلاف قطعة. الجيش الروسي خصص حوالي ثمانين في المئة من قدراته لغزو أوكرانيا، ومع ذلك فإن إخفاقه في تحقيق أي تقدم بري يذكر في الشهرين الماضيين، يبين عمق التحديات العسكرية واللوجستية التي تواجهها موسكو في إنجاز سيطرتها الكاملة على المحافظات الأربع التي تأمل بضمها وتحويل النزاع مع أوكرانيا إلى ما يسميه الخبراء العسكريون "بالنزاع الجامد" Frozen conflict، الذي يتحول مع الزمن إلى أمر واقع ومقبول عمليا إن لم يكن رسميا أو قانونيا. وهناك أمثلة كثيرة على نزاعات مجمدة منذ عقود في العالم، مثل النزاع بين الهند وباكستان حول ولاية كشمير، والنزاع بين تركيا وقبرص (واليونان) حول تقسيم قبرص بالقوة منذ الغزو التركي في 1974 واحتلال شمالها، والنزاع بين إسرائيل وسوريا حول هضبة الجولان المحتلة.
واستنادا إلى الأداء العسكري الأوكراني خلال الأشهر الستة الماضية والذي عكس درجة عالية من المعنويات في أوساط العسكريين الأوكرانيين، وما صاحبه من إرادة سياسية وشعبية على مواصلة المقاومة، يمكن القول إنه طالما بقيت الإمدادات العسكرية الغربية، وتحديدا الأميركية مستمرة، فإن أوكرانيا لن تقبل بأي وقف لإطلاق النار لا يتضمن انسحابا روسيا، كما لن ترضخ لأي ضم روسي لأراضيها. وهذا ما أكده الرئيس فولوديمير زيلينسكي حين قال مؤخرا إن " تجميد النزاع مع روسيا الاتحادية يعني إعطائها الاستراحة التي تريدها".
كل هذا يعني أنه بعد نصف سنة من المعارك التي أظهرت وبشكل محرج ونافر محدودية القوة العسكرية الروسية، فإن القتال سوف يزداد شراسة في الأشهر المقبلة وقبل حلول فصل الشتاء لأن الطرفين في سباق مع الزمن. روسيا المرهقة اقتصاديا والتي تعاني من معنويات عسكرية متدنية تريد قضم المقاطعات الأربع التي تطمع بها وبعدها أخذ استراحة طويلة. أوكرانيا المرهقة اقتصاديا والتي حافظت على معنويات عسكرية وإرادة سياسية عالية، ستحاول أخذ المبادرة العسكرية من جديد لإرغام روسيا على انسحاب ولو جزئي، وحرمان جيشها الغازي حتى من استراحة قصيرة للغاية.
إنه شتاء قارس تعدنا به سنة 2023. الأوروبيون سيعانون من البرد ومن الظلمة. وسوف يعاني الملايين في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية الذين يستهلكون أو يعتمدون على القمح الأوكراني والروسي من سوء التغذية، وسوف تعاني الاقتصاديات في المجتمعات الصناعية كما في المجتمعات النامية من معدلات التضخم العالية بسبب نقص المواد الغذائية وإمدادات الطاقة. الغزو الروسي لأوكرانيا دفع بصندوق النقد الدولي الشهر الماضي إلى تخفيض توقعاته لنمو الاقتصاد الدولي للمرة الرابعة خلال سنة. وتتوقع هذه المؤسسة المالية الدولية أن يصل النمو الاقتصادي هذه السنة إلى 3.2 في المئة بعد أن توقعت في يوليو 2021 أن يصل إلى 4.9 في المئة عام 2022. ويرى مسؤولون في صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي على حافة ركود جديد للمرة الثانية بعد سنتين من الركود الذي جلبته جائحة كورونا.
قبل غزو أوكرانيا، كان الاقتصاد الروسي يحتل المرتبة الـ11 في العالم، أي بحجم اقتصاد ولاية تكساس الأميركية. لم يكن حتى بين أول 10 اقتصاديات في العالم. ولا نعلم إلى أي مستوى سينهار الاقتصاد الروسي بعد أن تصمت المدافع، ولكنه سينهار حتما إلى أسوأ مما كان عليه خلال أحلك سنوات الاتحاد السوفياتي منذ الحرب العالمية الثانية. الدول الأوروبية لديها القدرات والخبرات التقنية والعلمية والاقتصادية على تخطي أي أزمة اقتصادية تواجهها هذا الشتاء بسبب عدوانية نظام أوتوقراطي توسعي في موسكو. في المقابل فإن استمرار النزاع لستة أشهر أخرى أو أكثر، مع ما سيحمله ذلك من استنزاف للموارد الروسية المحدودة سيؤدي إلى كارثة اقتصادية روسية سوف تضع مستقبل فلاديمير بوتين للمرة الأولى خلال حكمه الطويل في منطقة الخطر الوجودي.

