الغزو الروسي لأوكرانيا بدأ في 24 فبراير الماضي. أرشيف
الغزو الروسي لأوكرانيا بدأ في 24 فبراير الماضي. أرشيف

يحتفل الأوكرانيون يوم الأربعاء في الرابع والعشرين من أغسطس بعيد استقلالهم، الذي يصادف مرور 6 أشهر على بدء الغزو الروسي لبلادهم والذي أدى الى ارتجاجات سياسية وعسكرية واقتصادية غيّرت أوكرانيا وروسيا والتوازن الاستراتيجي بين روسيا والغرب، والذي انسحبت مضاعفاته على اقتصاديات العالم وخاصة في القارتين الأفريقية  والآسيوية.

بعد 6 أشهر من القتال الشرس وخاصة في شرق وجنوب أوكرانيا لا توجد هناك أي مؤشرات بأن الحرب تقترب من نهايتها، وإن كان القتال يشرف على دخول مرحلة جديدة مع اقتراب القوات الأوكرانية التي قامت بسلسلة من المبادرات العسكرية الناجحة في الأسابيع الماضية أوصلت الحرب إلى عمق الأراضي التي تحتلها روسيا في أوكرانيا، من شنّ هجوم مضاد لتحرير مدينة خيرسون الجنوبية ومحيطها.

الطموحات الأولية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو الأصح التمنيات الأولية، تحطمت خلال الأسابيع الأولى للغزو حين أحبطت المقاومة الأوكرانية الفعّالة الهجوم الروسي البري الواسع وأوقفت زحف الدبابات الروسية باتجاه العاصمة كييف، ومدينة خاركيف الهامة في الشمال والهادف إلى صعق الدفاعات الأوكرانية وإرغام الرئيس فولوديمير زيلينسكي وحكومته على الهروب من العاصمة كييف ما يوفر لموسكو فرصة فرض حكومة عميلة لها تقبل بأن تدور في المستقبل في الفلك الروسي.

هذه كانت المرحلة الأولى والكارثية لموسكو والتي انتهت حين أعلنت روسيا أنها ستنقل هجماتها العسكرية إلى شرق وجنوب أوكرانيا لاحتلال كامل منطقة الدونباس في شرق البلاد والتقدم في الجنوب لخلق جسر بري بين روسيا  وشبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا في 2014 وضمتها إليها لاحقا.

المرحلة الثانية من القتال لا تزال مستمرة، بعد أن حققت روسيا بعض النجاحات العسكرية من بينها احتلال كامل مقاطعة لوغانسك، ونصف مقاطعة دونيتسك في الدونباس ومدينة خيرسون ومحيطها في الجنوب ونصف مقاطعة زابوريجيا بما في ذلك احتلال أكبر مفاعل نووي في أوروبا. ولكن في الشهرين الماضيين لم تحرز القوات الروسية أي تقدم بري ملحوظ وتحول القتال إلى حرب استنزاف تتخلله هجمات أوكرانيا في شبه جزيرة القرم من بينها استهداف مطار عسكري وتدمير 9 طائرات في مرابضها، إضافة إلى تدمير مخازن للذخيرة والأسلحة في عمليات خاصة.

وتبين طبيعة العمليات العسكرية الأوكرانية الأخيرة، وطبيعة الإمدادات العسكرية الأميركية الجديدة لأوكرانيا، (حزمة أعلن عنها في الأسبوع الماضي بقيمة 775 مليون دولار) بما فيها عربات مسلحة مصممة لتفجير حقول الألغام تمهيدا لاقتحامها من قبل الدبابات والقوات البرية، ومسيرات متطورة من طراز ScanEagle مصممة لتوجيه القصف الدقيق للصواريخ والمدفعية لأهدافها، والصواريخ المضادة للدبابات والمدافع الثقيلة البعيدة المدى، أن أوكرانيا تعد لهجوم مضاد لتحرير مدينة خيرسون ومحيطها. هذا الهجوم المضاد سوف يشكل بداية المرحلة الثالثة في الحرب. وإذا حققت القوات الاوكرانية هذا الهدف، ولم تجازف بمحاولة تحقيق أهداف طموحة أكثر أو غير واقعية، فإنها ستعزز من تفوقها التكتيكي وربما إحباط الهدف الروسي السياسي الذي يسعى بوتين إلى تحقيقه في المستقبل القريب، أي ضم هذه المناطق الجغرافية الأربع إلى روسيا.

انطلاقا من هذه الخلفية تكتسب الأشهر الأربعة المقبلة أهمية خاصة لأن روسيا وأوكرانيا هما في سباق مع الزمن.. روسيا تريد أن تفرض واقعا عسكريا وسياسيا  قبل بداية الشتاء المقبل يرغم أوكرانيا على التسليم بأن الاحتلال الروسي باق، وأوكرانيا تريد إرغام روسيا على تغيير استراتيجيتها كما فعلت بعد أن أحبطت المرحلة الأولى من الغزو الروسي.

الرئيس بوتين يعّول على فصل الشتاء وبرده القاسي الذي سيعاني منه الأوروبيون هذه السنة أكثر من السنوات الماضية بسبب وقف إمدادات الغاز الطبيعي الروسي، الأمر الذي سيرغم دول أوروبية على تقنين الطاقة الكهربائية، كما أن مرور الزمن سوف يضعف من تأييد الرأي العام الأوروبي للاستمرار في توفير الدعم المادي والعسكري لأوكرانيا، خاصة وأن هذا الدعم سوف يستنزف الاحتياط العسكري لهذه الدول ويؤثر سلبا على موازين المدفوعات فيها. وجاء في استطلاع للرأي أجري في 10 دول أوروبية في شهر مايو الماضي أن 42 في المئة من المشاركين فيه قالوا إن دولهم تولي الحرب في أوكرانيا اهتماما أكثر من اهتمامها بمشاكلهم.

ويرى بعض المحللين أن الرئيس بوتين قد يربح حرب الطاقة الدائرة بينه وبين الدول الأوروبية، لأنه قادر على حرمانها من إمدادات الغاز وذلك في الوقت الذي يواصل فيه بيعها النفط الروسي لمواصلة تمويل حربه في أوكرانيا. ما هو مؤكد أن أسعار الغاز والنفط والطاقة الكهربائية في أوروبا سوف تزداد بمعدلات غير مسبوقة في فصل الشتاء. الرئيس بوتين يريد أن يستخدم الشتاء وبرده القاسي ضد ما يعتبره مع وسائل إعلامه الهجمة الأوروبية-الأميركية الجديدة لإخضاع روسيا، كما فعل أسلافه ضد جيوش نابليون في القرن التاسع عشر وجيوش هتلر في القرن العشرين.

أوكرانيا، ومعها الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين بالطبع يدركون أهداف بوتين، ولذلك يستمر الدعم العسكري الغربي، وبالتحديد الأميركي لأوكرانيا لا بل تزداد وتيرته سرعة لإحباط أهداف بوتين العسكرية، واستغلال ضعف الاقتصاد الروسي في تمويل الحرب،  وإخفاق روسيا في تعويض خسائرها العسكرية الضخمة في المستقبل القريب. وجاء في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" هذا الشهر أن الاستخبارات الغربية تقدّر خسائر العسكريين الروس بين 45  و75 ألف بين قتيل وجريح، وأن خسائر روسيا من المعدات العسكرية قد وصلت إلى 5 آلاف قطعة. الجيش الروسي خصص حوالي ثمانين في المئة من قدراته لغزو أوكرانيا، ومع ذلك فإن إخفاقه في تحقيق أي تقدم بري يذكر في الشهرين الماضيين، يبين عمق التحديات العسكرية واللوجستية التي تواجهها موسكو في إنجاز سيطرتها الكاملة على المحافظات الأربع التي تأمل بضمها وتحويل النزاع مع أوكرانيا إلى ما يسميه الخبراء العسكريون "بالنزاع الجامد" Frozen conflict، الذي يتحول مع الزمن إلى أمر واقع ومقبول عمليا إن لم يكن رسميا أو قانونيا. وهناك أمثلة كثيرة على نزاعات مجمدة منذ عقود في العالم، مثل النزاع بين الهند وباكستان حول ولاية كشمير، والنزاع بين تركيا وقبرص (واليونان) حول تقسيم قبرص بالقوة منذ الغزو التركي في 1974 واحتلال شمالها، والنزاع بين إسرائيل وسوريا حول هضبة الجولان المحتلة.

واستنادا إلى الأداء العسكري الأوكراني خلال الأشهر الستة الماضية والذي عكس درجة عالية من المعنويات في أوساط العسكريين الأوكرانيين، وما صاحبه من إرادة سياسية وشعبية على مواصلة المقاومة، يمكن القول إنه طالما بقيت الإمدادات العسكرية الغربية، وتحديدا الأميركية مستمرة، فإن أوكرانيا لن تقبل بأي وقف لإطلاق النار لا يتضمن انسحابا روسيا، كما لن ترضخ لأي ضم روسي لأراضيها. وهذا ما أكده الرئيس فولوديمير زيلينسكي حين قال مؤخرا إن " تجميد النزاع مع روسيا الاتحادية يعني إعطائها الاستراحة التي تريدها".

كل هذا يعني أنه بعد نصف سنة من المعارك التي أظهرت وبشكل محرج ونافر محدودية القوة العسكرية الروسية، فإن القتال سوف يزداد شراسة في الأشهر المقبلة وقبل حلول فصل الشتاء لأن الطرفين في سباق مع الزمن. روسيا المرهقة اقتصاديا والتي تعاني من معنويات عسكرية متدنية تريد قضم المقاطعات الأربع التي تطمع بها وبعدها أخذ استراحة طويلة. أوكرانيا المرهقة اقتصاديا والتي حافظت على معنويات عسكرية وإرادة سياسية عالية، ستحاول أخذ المبادرة العسكرية من جديد لإرغام روسيا على انسحاب ولو جزئي، وحرمان جيشها الغازي حتى من استراحة قصيرة للغاية.

إنه شتاء قارس تعدنا به سنة 2023. الأوروبيون سيعانون من البرد ومن الظلمة. وسوف يعاني الملايين في العديد من الدول الأفريقية والآسيوية الذين يستهلكون أو يعتمدون على القمح الأوكراني والروسي من سوء التغذية، وسوف تعاني الاقتصاديات في المجتمعات الصناعية كما في المجتمعات النامية من معدلات التضخم العالية بسبب نقص المواد الغذائية وإمدادات الطاقة. الغزو الروسي لأوكرانيا دفع بصندوق النقد الدولي الشهر الماضي إلى تخفيض توقعاته لنمو الاقتصاد الدولي للمرة الرابعة خلال سنة. وتتوقع هذه المؤسسة المالية الدولية أن يصل النمو الاقتصادي هذه السنة إلى 3.2 في المئة بعد أن توقعت في يوليو 2021 أن يصل إلى 4.9 في المئة عام 2022. ويرى مسؤولون في صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي على حافة ركود جديد للمرة الثانية بعد سنتين من الركود الذي جلبته جائحة كورونا.

قبل غزو أوكرانيا، كان الاقتصاد الروسي يحتل المرتبة الـ11 في العالم، أي بحجم اقتصاد ولاية تكساس الأميركية. لم يكن حتى بين أول 10 اقتصاديات في العالم. ولا نعلم إلى أي مستوى سينهار الاقتصاد الروسي بعد أن تصمت المدافع، ولكنه سينهار حتما إلى أسوأ مما كان عليه خلال أحلك سنوات الاتحاد السوفياتي منذ الحرب العالمية الثانية. الدول الأوروبية لديها القدرات والخبرات التقنية والعلمية والاقتصادية على تخطي أي أزمة اقتصادية تواجهها هذا الشتاء بسبب عدوانية نظام أوتوقراطي توسعي في موسكو. في المقابل فإن استمرار النزاع لستة أشهر أخرى أو أكثر، مع ما سيحمله ذلك من استنزاف للموارد الروسية المحدودة سيؤدي إلى كارثة اقتصادية روسية سوف تضع مستقبل فلاديمير بوتين للمرة الأولى خلال حكمه الطويل في منطقة الخطر الوجودي.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!