في طريقهما نحو عقد "مصالحة" ما بينهما، يوحي رئيسا النظامين السوري والتركي وكأنهما "يتجرعان السُم".
يُظهران ذلك الشعور بكثافة، إلى مؤيدهم الشعبيين الداخليين، وحلفائهم السياسيين والعسكريين، يقولان بصراحة واضحة: "صحيح، هذه مُصالحة مُذلة وقاسية، تكذب وتفند كل ما ادعيناه سابقاً، لكنها أفضل وأكثر أماناً من أي تنازلات، نعرف وتعرفون ما تعني، لذا أصمتوا".
تلك "التنازلات" المقصودة، وفي الحالتين، هي مجموعة من التوافقات السياسية وأشكال القبول الهوياتي بتنظيمات وجماعات أهلية مؤلفة من أبناء مجتمعات "متجرعي السُم" هذين. السوريون من جهة الأسد، والأكراد بالنسبة لأردوغان.
الأكثر أثارة كامن في كون أن هذه المصالحة، أو "تجرع السُم"، هي أكبر ديناميكية وأداة لتحطيم تطور مجتمعات وبلدي هذين "الزعيمين"، فيما سيكون "التنازل" آلية كبرى، تُنتج في المحصلة حداثة ورأسمالاً مادياً وإنسانياً في بلديهما ومجتمعيهما.
من هذا المقام بالضبط، يبدو واضحاً مستوى الضمور الفكري والوجداني والروحي الذي يسيّر الشخصين وخياراتهما، إلى جانب البخل الذي يعاند أي إمكانية للعطاء. فهما يفضلان البقاء المستقر والمديد في السُلطة، مع الاحتفاظ بأنواع من المسلمات العقائدية والسياسية والمؤسساتية والسلطوية، على أي تحولات أو توافقات "عادية"، واجبة ومفيدة وتدخل في خدمة الصالح العام. هذا العام الذي يتضمن أيضاً وأولاً تلك الجهات الأقرب للشخصين، سياسياً وأهلياً.
لكن، هل ينسحب الأمر على شخصين فحسب؟
مثلاً، ألا تتشارك النخب السياسية والثقافية والبيروقراطية والاقتصادية المحيطة بهما نفس النوعية من الخيارات والسلوك السياسي، وتالياً نفس أشكال الضمور والفقر في الرؤية، للذات ولكامل العالم والوجود.
أليست هي نُخب من النوع الذي يرى الأولوية المطلقة لمصالحها ومواقعها وامتيازاتها، لا تبدلها بأي نزعة قد ترى أن حركة التاريخ في منطقتنا قد وصلت مقاماً لا يمكن معها إلا اتخاذ بعض التبدلات والتغيرات الضرورية.
تلك التي قد تدفع نحو إجراء بعض التنازلات لصالح جهات وطبقات وأناس آخرين، سواء أكانوا شركاء أو أنداداً، لكن دوماً في سبيل التحديث والمنفعة العامة أولاً، وأيضاً للحفاظ على جزء من مصالح وامتيازات أعضاء هذه النُخبة. لكن على الدوام في سبيل خدمة الهدف الأسمى "السلام الاجتماعي".
دون شك، لا تملك مختلف أنواع النخب المحيطة بالشخصين أي توجه من ذلك، لا تشبه ما كانت عليه نظيرتها الأوروبية في عصور التحولات الكبرى، تلك التي وعت عميقاً واستجابت لتحولات أزمنتها.
لكن أيضاً دون مستوى ما كانت عليه نُخب البلدين في أوقات سابقة من الزمن، في عشرينيات القرن المنصرم في تركيا، وخمسينياته في سوريا.
حيث كانت نُخبة البلدين في تلك الفترتين، أداة استثنائية لتحديثهما، لرفع سوية المؤسسات والمجتمعات ونوعية الخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية في البلدين، كانت محملة بقيم التغيير والتحديث وتجاوز الراهن، الأمر الذي تعوزه النخب راهناً.
ضمور النخب المحيطة يكاد أن يكون شاملاً، في سوريا هي مجموعات متحالفة من أعضاء النخبة العسكرية وأصحاب الأعمال، مع قادة أجهزة الأمن الطائفيين والمثقفين والبيروقراطيين. فيما يتوسعون في تركيا ليكونوا أكثر شمولاً، ممتدين على كامل جهاز الدولة وبنيته العميقة، على اختلاف نوعية أعمالهم ومستويات حضورهم، فالكل مُجمع على حفظ الهوية القومية المذهبية "الصافية" للكياني التركي، بأي ثمن، وإن كان تجرع كل سموم العالم.
لكن أيضاً، هل المجتمعات بدورها بريئة من نوعية كهذه من التوجهات؟ هل المسألة هي فقط في شخصي زعيمي البلدين وما يحيط بهما من نخب مقربة؟
في مغامرته هذه مثلاً، ألا يبدو إردوغان شخصاً يستجيب لمتطلبات الداخل، من القواعد الاجتماعية الشعبوية أولاً، التي تمارس أنواعاً مركّبة من النبذ والكراهية والتعنيف تجاه المستضعفين السوريين في تركيا، مروراً بالقوميين الأتراك، وما أكثرهم، الذين يهددون إردوغان بحجب أصواتهم الانتخابية عنه، ما لم يجد "حلاً ماحقاً" لصعود الأكراد، في الداخل والمحيط، وبأي ثمن.
وليس انتهاء حتى بأعضاء الطبقة الوسطى الأفضل تعليماً، التي تظهر في المثال التركي كجهة متحمسة لسلوكيات سلطتها الحاكمة، خالية المخيلة وضعيفة الإرادة تماماً، مستسلمة لمجموعة من المسلمات الكسولة.
المجتمع النظير في سوريا ليس بأفضل حالاً. فمؤيدو الأسد لا يقلّون عنه جموحاً وقابليةً في فعل كل شيء، لكن دون أي اندراج في الحلول التوافقية، التي قد تفكك جزءاً ما من امتيازاتهم.
الأمر ذاته قد ينحسب على باقي أنواع "الجماهير والمجتمعات"، التي لا تملك أي قيمة مضافة ومتمايزة عن "خواء" القادة والسياسيين. إذ ثمة سيطرة كلية لنوع من الثوابت العقلية القبلية، التي لا ترى مشكلة في تجفيف البحيرة في سبيل منع السمك من النجاة.
في هذا المقام، يبدو العالم مسؤولاً عن هذا.
العالم بما يعنيه من مجموع الدول والحكومات والأيديولوجيات والتجارب والنخب والسياسيين، من الذين كانوا طوال تاريخ العالم الحديث أصاحب أمثولات واضحة في تفضيل الخيارات التي تحمي وتنقذ الجميع، وإن على حساب الذات.
ذلك العالم الذي يستبعد خيارات شمشون دوماً، ولا يرى الحياة والآخرين من خرم إبرة، الذي يملك قدرات عقلية وروحية على مواجهة الذات والقابلية للتنازل عن "الثوابت"، أولاً ذاك الذي لا يعي الحياة إلا كسلسلة من التحولات التي لا تقف.
تخلى هذا العالم عنا، على الأقل منذ فشل طموحاته في العراق قبل عقد ونصف من الآن، ثم تفككت ثقته بنا نهائياً مع بروز النتائج الكارثية للربيع العربي، تركنا لوحدنا، وكان ذلك أفظع ما فعله بنا، كان أقسى حتى من أصعب سلوكياته معنا، حين استعمرنا واحتلنا قبل قرن من الآن.
الأكثر مأساة، هو التذكر الدائم بأن ذلك العالم المقصود قد تخلى أيضاً عن نفسه، صار أقل ثقة وقدرة على الحفاظ على لياقته التي كانت عبر تاريخه الماضي، بعدما صار عالماً أكثر محافظة وشعبوية وقلقاً وماضوية، أكثر استعداداً للنكوص على مسيرته التاريخية والتخلي عن ديناميكياته السابقة، صار شبيهاً لنا، في وقت كان من المفترض أن نشبهه.

