"تحرير الشام" دخلت إلى عفرين قبل أربعة أيام- أرشيفية
مقاتل تابع للمعارضة السورية المدعومة تركياً في عفرين (أرشيفية)

في طريقهما نحو عقد "مصالحة" ما بينهما، يوحي رئيسا النظامين السوري والتركي وكأنهما "يتجرعان السُم".

يُظهران ذلك الشعور بكثافة، إلى مؤيدهم الشعبيين الداخليين، وحلفائهم السياسيين والعسكريين، يقولان بصراحة واضحة: "صحيح، هذه مُصالحة مُذلة وقاسية، تكذب وتفند كل ما ادعيناه سابقاً، لكنها أفضل وأكثر أماناً من أي تنازلات، نعرف وتعرفون ما تعني، لذا أصمتوا".

تلك "التنازلات" المقصودة، وفي الحالتين، هي مجموعة من التوافقات السياسية وأشكال القبول الهوياتي بتنظيمات وجماعات أهلية مؤلفة من أبناء مجتمعات "متجرعي السُم" هذين. السوريون من جهة الأسد، والأكراد بالنسبة لأردوغان.

الأكثر أثارة كامن في كون أن هذه المصالحة، أو "تجرع السُم"، هي أكبر ديناميكية وأداة لتحطيم تطور مجتمعات وبلدي هذين "الزعيمين"، فيما سيكون "التنازل" آلية كبرى، تُنتج في المحصلة حداثة ورأسمالاً مادياً وإنسانياً في بلديهما ومجتمعيهما. 

من هذا المقام بالضبط، يبدو واضحاً مستوى الضمور الفكري والوجداني والروحي الذي يسيّر الشخصين وخياراتهما، إلى جانب البخل الذي يعاند أي إمكانية للعطاء. فهما يفضلان البقاء المستقر والمديد في السُلطة، مع الاحتفاظ بأنواع من المسلمات العقائدية والسياسية والمؤسساتية والسلطوية، على أي تحولات أو توافقات "عادية"، واجبة ومفيدة وتدخل في خدمة الصالح العام. هذا العام الذي يتضمن أيضاً وأولاً تلك الجهات الأقرب للشخصين، سياسياً وأهلياً. 

لكن، هل ينسحب الأمر على شخصين فحسب؟

مثلاً، ألا تتشارك النخب السياسية والثقافية والبيروقراطية والاقتصادية المحيطة بهما نفس النوعية من الخيارات والسلوك السياسي، وتالياً نفس أشكال الضمور والفقر في الرؤية، للذات ولكامل العالم والوجود.

أليست هي نُخب من النوع الذي يرى الأولوية المطلقة لمصالحها ومواقعها وامتيازاتها، لا تبدلها بأي نزعة قد ترى أن حركة التاريخ في منطقتنا قد وصلت مقاماً لا يمكن معها إلا اتخاذ بعض التبدلات والتغيرات الضرورية.

تلك التي قد تدفع نحو إجراء بعض التنازلات لصالح جهات وطبقات وأناس آخرين، سواء أكانوا شركاء أو أنداداً، لكن دوماً في سبيل التحديث والمنفعة العامة أولاً، وأيضاً للحفاظ على جزء من مصالح وامتيازات أعضاء هذه النُخبة. لكن على الدوام في سبيل خدمة الهدف الأسمى "السلام الاجتماعي". 

دون شك، لا تملك مختلف أنواع النخب المحيطة بالشخصين أي توجه من ذلك، لا تشبه ما كانت عليه نظيرتها الأوروبية في عصور التحولات الكبرى، تلك التي وعت عميقاً واستجابت لتحولات أزمنتها.

لكن أيضاً دون مستوى ما كانت عليه نُخب البلدين في أوقات سابقة من الزمن، في عشرينيات القرن المنصرم في تركيا، وخمسينياته في سوريا.

حيث كانت نُخبة البلدين في تلك الفترتين، أداة استثنائية لتحديثهما، لرفع سوية المؤسسات والمجتمعات ونوعية الخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية في البلدين، كانت محملة بقيم التغيير والتحديث وتجاوز الراهن، الأمر الذي تعوزه النخب راهناً. 

ضمور النخب المحيطة يكاد أن يكون شاملاً، في سوريا هي مجموعات متحالفة من أعضاء النخبة العسكرية وأصحاب الأعمال، مع قادة أجهزة الأمن الطائفيين والمثقفين والبيروقراطيين. فيما يتوسعون في تركيا ليكونوا أكثر شمولاً، ممتدين على كامل جهاز الدولة وبنيته العميقة، على اختلاف نوعية أعمالهم ومستويات حضورهم، فالكل مُجمع على حفظ الهوية القومية المذهبية "الصافية" للكياني التركي، بأي ثمن، وإن كان تجرع كل سموم العالم. 

لكن أيضاً، هل المجتمعات بدورها بريئة من نوعية كهذه من التوجهات؟ هل المسألة هي فقط في شخصي زعيمي البلدين وما يحيط بهما من نخب مقربة؟ 

في مغامرته هذه مثلاً، ألا يبدو إردوغان شخصاً يستجيب لمتطلبات الداخل، من القواعد الاجتماعية الشعبوية أولاً، التي تمارس أنواعاً مركّبة من النبذ والكراهية والتعنيف تجاه المستضعفين السوريين في تركيا، مروراً بالقوميين الأتراك، وما أكثرهم، الذين يهددون إردوغان بحجب أصواتهم الانتخابية عنه، ما لم يجد "حلاً ماحقاً" لصعود الأكراد، في الداخل والمحيط، وبأي ثمن.

وليس انتهاء حتى بأعضاء الطبقة الوسطى الأفضل تعليماً، التي تظهر في المثال التركي كجهة متحمسة لسلوكيات سلطتها الحاكمة، خالية المخيلة وضعيفة الإرادة تماماً، مستسلمة لمجموعة من المسلمات الكسولة.  

المجتمع النظير في سوريا ليس بأفضل حالاً. فمؤيدو الأسد لا يقلّون عنه جموحاً وقابليةً في فعل كل شيء، لكن دون أي اندراج في الحلول التوافقية، التي قد تفكك جزءاً ما من امتيازاتهم. 

الأمر ذاته قد ينحسب على باقي أنواع "الجماهير والمجتمعات"، التي لا تملك أي قيمة مضافة ومتمايزة عن "خواء" القادة والسياسيين. إذ ثمة سيطرة كلية لنوع من الثوابت العقلية القبلية، التي لا ترى مشكلة في تجفيف البحيرة في سبيل منع السمك من النجاة. 

في هذا المقام، يبدو العالم مسؤولاً عن هذا. 

العالم بما يعنيه من مجموع الدول والحكومات والأيديولوجيات والتجارب والنخب والسياسيين، من الذين كانوا طوال تاريخ العالم الحديث أصاحب أمثولات واضحة في تفضيل الخيارات التي تحمي وتنقذ الجميع، وإن على حساب الذات.

ذلك العالم الذي يستبعد خيارات شمشون دوماً، ولا يرى الحياة  والآخرين من خرم إبرة، الذي يملك قدرات عقلية وروحية على مواجهة الذات والقابلية للتنازل عن "الثوابت"، أولاً ذاك الذي لا يعي الحياة إلا كسلسلة من التحولات التي لا تقف. 

تخلى هذا العالم عنا، على الأقل منذ فشل طموحاته في العراق قبل عقد ونصف من الآن، ثم تفككت ثقته بنا نهائياً مع بروز النتائج الكارثية للربيع العربي، تركنا لوحدنا، وكان ذلك أفظع ما فعله بنا، كان أقسى حتى من أصعب سلوكياته معنا، حين استعمرنا واحتلنا قبل قرن من الآن. 

الأكثر مأساة، هو التذكر الدائم بأن ذلك العالم المقصود قد تخلى أيضاً عن نفسه، صار أقل ثقة وقدرة على الحفاظ على لياقته التي كانت عبر تاريخه الماضي، بعدما صار عالماً أكثر محافظة وشعبوية وقلقاً وماضوية، أكثر استعداداً للنكوص على مسيرته التاريخية والتخلي عن ديناميكياته السابقة، صار شبيهاً لنا، في وقت كان من المفترض أن نشبهه.  

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.