شابة تحتفي بذكرى الثورة الإيرانية في طهران (أرشيفية)
شابة تحتفي بذكرى الثورة الإيرانية في طهران (أرشيفية)

تنشغل الفرق التفاوضية الأوروبية في فيينا بهندسة التنازلات المتبادلة أو الممكنة بين طهران وواشنطن بهدف التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران ومجموعة دول ( 5+1)، والتي انحصر أغلب عملها بالمسائل التقنية التي تربط بين امتثال إيران لشروط الدول الكبرى في تقليص نشاطها النووي والعودة إلى تطبيق بنود الاتفاق السابق مقابل رفع الولايات المتحدة التدريجي للعقوبات الاقتصادية.

ونقلت مصادر غير رسمية أن الولايات المتحدة عرضت تحرير 7 مليار دولار تابعة لإيران في بنوك كوريا الجنوبية إضافة إلى رفع عشرات الشركات الإيرانية عن قائمة العقوبات النووية كبادرة حسن نية إذا وافقت إيران على العرض الأوروبي الأخير (الخارجية الأميركية نفت لاحقا تقديم هذا العرض).

لكن طهران بالرغم مما قدمته أوروبا من تنازلات من أجل إتمام الصفقة النووية، ردت على العرض الأوروبي الأخير بورقة إيضاحات أشبه بعرض إيراني مضاد للعرض الأوروبي.

عمليا يبدو أن المفاوضات متوقفة بين ورقة تنازلات أوروبية تحتاج إلى موافقة إيران حتى تتحول إلى اتفاق، وبين عرض إيراني يطالب بمزيد من التنازلات حتى تتم الصفقة، وبين هذا وذاك ترقب وقلق من مخاطر أن يعلن أحد الأطراف أن لا إمكانية لتقديم تنازلات جديدة لإيران، أو أن طهران تعلن عن حقها بمزيد من الاستفسارات والشروط والضمانات التي لا يمكن لأي طرف أن يمنحها، وهذا ما يدفع إلى الخوف من إعلان فشل هذه الجولة التفاوضية والانتظار حتى الإعلان عن جولة جديدة لن تكون قريبة.  

لكن، وفي الوقت المستقطع بين إعلان نجاح المفاوضات أو فشلها، يتشاور القادة الغربيون هاتفيا حول الملف النووي الإيراني، ويقول البيت الأبيض إن زعماء الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ناقشوا جهود إحياء الاتفاق النووي المبرم مع إيران في عام 2015.

إلا أن البارز في بيان البيت الأبيض أن القادة بحثوا أيضا في مكالمتهم المشتركة الحاجة إلى تعزيز دعم الشركاء في منطقة الشرق الأوسط والجهود المشتركة لردع وتقييد أنشطة إيران الإقليمية المزعزعة للاستقرار.

في بيان البيت الأبيض عودة غربية على بدء، إلى المعضلة التي تبدأ وتنتهي بها أي مفاوضات مع إيران، حيث اعتاد المراقبون على أنه عندما تحصر الدول الكبرى اهتمامها في النووي الإيراني فقط ولا تتطرق إلى أي ملف آخر يعني دول المنطقة، تكون المفاوضات قد قطعت أشواطا إيجابية، لكن عندما تلمس هذه الدول تعنت إيران ومحاولات للتملص من وعودها فإن الدول الكبرى تعود مجددا إلى فتح ملف إيران الإقليمي وإلى اتهامها بزعزعة استقرار المنطقة.

ما لم تدركه الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة أن هناك مقاربة إقليمية جديدة في التعاطي مع إيران باتت مفصولة عن مدى اهتمام واشنطن بمصالح شركائها التقليديين في المنطقة، خصوصا أن هناك سابقة أميركية، في اتفاق 2015، أدت إلى تقليل الثقة بها.

فدولة مثل السعودية تنخرط الآن في حوار مباشر مع طهران في بغداد من أجل التخفيف من حدة التصادم بين الدول الإقليمية، وبعيدا عما ستصل إليه مفاوضات فيينا، خصوصا أن واشنطن تخلت أكثر من مرة عن أمن واستقرار هذه المنطقة الحيوية عندما رفضت التطرق بشكل جدي إلى نفوذ إيران الإقليمي ومشروعها البالستي.

 لكن في إسرائيل، الشريك الدائم والتاريخي للولايات المتحدة في المنطقة، تزداد المخاوف من قيام صفقة إيرانية أميركية مستعجلة لا تراعي شروط إسرائيل الأمنية، الأمر الذي دفع الإدارة الأميركية إلى محاولة طمأنتها، والتأكيد على أنها لن تقدم أي تنازلات جديدة لطهران.

حيث قامت واشنطن بتمرير معلومات إلى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي تفيد بأنه لا تزال هناك فجوات في المفاوضات مع إيران وأنه من غير المتوقع التوصل إلى اتفاق نووي جديد في المستقبل.

التباين الإسرائيلي الأميركي برز في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الذين عارضوا العودة إلى الاتفاق القديم، بالرغم من أن حكومتهم كانت على اطلاع كامل بمسار المفاوضات، إلا أنها فضلت عدم الثقة بالمفاوضين الأميركيين ومارست أقصى الضغوط خوفا من حصول أي صفقة.

في فيينا وخارجها لا يمكن أن يغيب الإقليم أو يسقط سهوا إلا عندما تسقطه واشنطن عمدا، وتريد أن ترضي طرفا لا يمكن التوصل معه إلى اتفاق نووي إذا تم المساس بمشروعه الإقليمي، بينما ترى أطراف أخرى أن هذا المشروع يوازي بمخاطره قنبلة إيران النووية. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.